التيار الديمقراطي بين الانفتاح والعزلة

بين معادلة السلطة والمعارضة

خرجت “جلسات البديل الديمقراطي والسيادة الشعبية” التي جرت بالمقر الوطني للتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية ببيان حريص جدا على اختيار العبارات الأكثر راديكالية وحدية تجاه السلطة مبرزة رفضها التام لأي حوار معها، ولم تذكر ما إذا كان ذلك البيان بمثابة عرض لأرضية تفاوضية أم هو موجه لتوجيه “الثورة” في إشارة إلى الحراك الشعبي الذي انطلق في فبراير من العام الماضي.

وقبل الخوض في تفاصيل هذا البيان، من حق القارئ أن يفهم تركيبة التكتل السياسي الذي أصدره وظروف نشأته وأهم المحطات التي ميزت نشاطه. فبعد إلغاء مسار انتخابات الرئاسة المقررة في 4 جويلية ودخول البلد في ما يشبه الفراغ المؤسساتي، تولت خلاله قيادة الجيش زمام الأمر وأبقت على سلطة شكلية لرئيس الدولة الذي مددت له فتوى المجلس الدستوري فترة حكمه إلى غاية إجراء انتخابات رئاسية جديدة لم يحدد موعدها، عادت التشكيلات السياسية التقليدية إلى النشاط فكانت أول بادرة في هذا الشأن منتدى الحوار الذي نظم في عين بنيان في 6 جويلية، هذا المنتدى الذي ضم تشكيلات سياسية وأخرى من “المجتمع المدني” وضم أطرافا من “التيار الوطني” و”التيار الإسلامي” فكانت الأرضية الأولى التي تصدرها المعارضة مستغلة ركون أحزاب “الموالاة” إلى السبات السياسي.

غير أن لقاء عين بنيان الذي ترقبه الجميع لم يكن جامعا لقوى المعارضة كلها فقد قاطعته تشكيلات وضعت نفسها في خانة “التيار الديمقراطي” وضمت أحزابا يسارية فضلت الانفصال بنفسها في تكتل جديد، ودافعها الرئيس لذلك أنها لم ترض أن تقاد فتنضم إلى تكتل سياسي لم تشارك هي في المبادرة به لاسيما وأن تجارب سابقة بينت أن الشراكات السياسية السابقة مع التيار الإسلامي والتيار الوطني المعارض لم تبلغ هدفها، منها تكتل مازفران على وجه الخصوص.

انطلقت تشكيلات “التيار الديمقراطي” تغرد خارج سرب عين بنيان، وجمعت حولها التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وجبهة القوى الاشتراكية الذي دخل في أزمة داخلية والحركة الديمقراطية الاجتماعية وحزب العمال والحزب الاشتراكي للعمال والاتحاد من أجل التغيير والرقي والحزب من أجل اللائكية والديمقراطية إلى جانب نور الدين بن يسعد عن الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، وعقدت هذه التشكيلات جلساتها الأولى في 26 جويلية وخرجت منها بوثيقة أولى تحت عنوان: معاهدة البديل الديمقراطي ثم عقدت لقاءا ثانيا في 9 سبتمبر وخرجت منه بوثيقة ثانية تحت عنوان: نداء اتفاقية قوى البديل الديمقراطي.

وها هي الوثيقة الثالثة لهذا التيار تنزل إلى الرأي العام في 25 يناير من السنة الجديدة تحت عنوان: “أرضية من أجل مخرج ديمقراطي للثورة” وتحمل تحيينا لأدبيات التكتل وفقا للمعطيات المستجدة مع نتائج الاستحقاق الرئاسي ل12 ديسمبر 2019 وبلورة أكثر شمولا للمطالب السابقة.

تقترح الأرضية الجديدة لتكتل “البديل الديمقراطي” قراءتها لمحتوى الحراك الشعبي وتحديدا لأهدافه العديدة منها تكريس السيادة الشعبية “الفعلية” ودولة مدنية ودولة ديمقراطية اجتماعية يسودها القانون..إلى غيرها من المطالب التي لم تعد محل خلاف بين أطراف الطبقة السياسية بما فيها الأحزاب المحافظة.

إلا أن أرضية 25 يناير رفضت أن “تتولى تجسيد هذه المطالب التجديدية الوطنية واجهة مدنية جديدة لنظام تسلطي مفترس”على حد تعبير بيان الأرضية، انطلاقا من رفض تام ومطلق ومسبق، باسم الحراك، لنتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة ولمسار الإصلاحات السياسية والدستورية الذي أطلقته السلطة، ولكل مبادرة نابعة منها باعتبارها “سلطة أمر واقع”. وبالمقابل لاحظت الأرضية أن مسارا ثوريا سلميا متطورا قائما يضطلع به جيل جديد داخل وخارج الوطن من شأنه أن “يفرز وفاقات سياسية وفضاءات تنظيمية جماعية مكيفة مع متطلبات الثورة”. وهي التنظيمات التي تدعوها الأرضية للانضمام لتكتل “البديل الديمقراطي” من أجل خلق “ميزان قوة منظم لإيصال مطلب انتقال ديمقراطي يقطع مع النظام التسلطي من خلال مسار تأسيسي سيد”، انطلاقا من أن جلسات 25 يناير لم تكن إلا “خطوة أخرى في مسار مفتوح لتنظيم قوى الثورة كمقدمة لندوة وطنية مخصصة لتصور وتنفيذ انتقال ديمقراطي ومسار تأسيسي”.

وإن كان أغلب ما ورد في أرضية “البديل الديمقراطي” موجها لأنصاره وللرأي العام الوطني والدولي عموما إلا أنها تضمنت مطالب موجهة للسلطة القائمة مباشرة، لكنها جاءت على شكل أهداف نضالية، من بينها وقف القمع والإفراج عن المعتقلين السياسيين وتعويضهم ورفع جميع القيود عن الحقوق والحريات ووقف المساس بوحدة الشعب الجزائري ووقف تدابير تبديد الثروات الوطنية ورفض استغلال الغاز الصخري…

وأول ما يبدو من قراءة متمعنة لأدبيات هذا “التكتل الديمقراطي” أنها ترمي إلى تعبئة انتقائية شمولية للمجتمع ضمن الإطار الذي رسمته، فهذا التكتل منذ انطلاقه لم يكسب تشكيلة سياسية جديدة أو منظمة اجتماعية إلى صفه بالرغم من أنه صار يدعي وصلا بالحراك الشعبي واعتبره مسارا ثوريا دعا إلى تعزيزه وتشكيل ميزان قوة، ليس لينافح به السلطة فحسب بل ليزيح جميع القوى السياسية المحافظة من التيار الوطني والإسلامي من المشهد معتبرا ذاته البديل الوحيد وما عداه قوى انتهازية ذهابها تحصيل حاصل مع سقوط “النظام المفترس”، وهي القراءة التي لم تنل إجماع الفئات الاجتماعية والسياسية المشاركة في الحراك.

وثمة ملاحظة أخرى لا تقل أهمية وهي أن هذا التكتل لا يملك برنامج عمل محدد على المدى القصير فما يقترحه لا يعدو كونه تصورات طوباوية مفتوحة على المستقبل تنتظر نضوج المجتمع اللائق بها، تماما مثل المجتمع الشيوعي لدى الماركسيين أو عودة الخلافة الإسلامية لدى الإسلاميين. ونجده من جانب آخر يفرض على نفسه عزلة سياسية من تلقاء نفسه، عزلة تجاه السلطة وأخرى تجاه القوى السياسية الأخرى.

وما يثير الغرابة ويظهر المفارقة أن الرعيل الأول لهذا التيار لم يكن بهذه الحدية والجذرية في التعامل مع المحيط السياسي والتجارب السابقة لأيت احمد وسعدي وحنون أظهرت أن نخبة هذا التيار كانت على تواصل مع السلطة بالرغم من موقفها الرافض لها والمشكك في شرعيتها، فقد راسل ايت احمد السلطة بأقطابها الثلاث، الرئاسة، والأركان والمخابرات في 2001 داعيا إياها لتباحث حلول تخرج البلاد من الأزمة وتجاوز المواقف القائمة دون ذلك وكان قد شارك رفقة حنون عام 1995 في لقاء سانت جيديو الذي جمع جميع الأطياف السياسية الوطنية. والموقف ذاته سجل لسعدي الذي وافق على الدخول في التحالف الرئاسي للرئيس السابق في بداية عهده.

يعيش التيار الديمقراطي اليوم منعرجا هاما في مساره، فهو في مفترق الطرق، إما التفاعل مع القوى السياسية الاجتماعية الوطنية دون استثناء أو إقصاء وإما الدخول في عزلة قاتلة.

بقلم: احسن خلاص  

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك