التعليم عن بعد في ظل جائحة “كوفيد 19”

مقاربات

بقلم الدكتورة لوني نصيرة /أستاذة في القانون بجامعة البويرة

 

يعتبر التعليم عن بعد من بين أهم التطورات التي طالت مجالات التعليم المعاصر،ونقله نقلة نوعية نحو المزيد من التألق وخدمة الإنسانية،وتحقيق الأهداف التعليمية لكافة المؤسسات التعليمية منها الجامعة،حيث يؤدي دورا هاما في تسهيل العملية التعليمية وتحقيق أهدافها و الارتقاء بفئة الطلبة المتمدرسين خصوصا،ويلعب دورا هاما في أوقات الأزمات والأوبئة التي تمر بها الدول والمجتمعات على المستوى العالمي. ففي الوقت الحالي الذي ينتشر فيه وباء فيروس كورونا(COVID 19)،وما نجم عنه من غلق للمؤسسات التربوية من مدارس وجامعات إلى أجل غير مسمى،لان الوباء لايمكن التنبؤ بزمن انحساره ونهايته وكذا التوصل إلى علاج أو لقاح مؤكد له،ومن هذا المنطلق ألزم على المؤسسات التعليمية البحث عن سبل وطرق مبتكرة في سبيل استمرارية العملية التعليمية،فأفضل طريقة لتحقيق ذالك هو لزوم اللجوء المؤسسات التعليمية منها الجامعات إلى التعليم عن بعد،والهدف المنشود من ممارسته هو لتجنب الاختلاط بين الطلبة والأساتذة أي كافة الأسرة الجامعية،الأمر الذي يترتب عليه انتشار وزيادة عدد الإصابات بالفيروس الخطير،الأمر الذي دفع بكل المؤسسات الجامعية أي وزارة التعليم العالي والبحث العلمي التي عملت جاهدة على ضرورة تبني إجراء وقائي يتمثل في الدراسة عن بعد،وذلك بتعويض الدروس الحضورية بدروس عن بعد تسمح للطلبة في المكوث في منازلهم ومتابعة دراساتهم عن بعد بهدف حماية صحتهم،وكذا الإطارات الإدارية العاملين بالجامعة تجنبا لتفشي “فيروس كورونا”بعد ان صنفته منظمة الصحة العالمية ب “جائحة عالمية”،ومساهمة في مواجهة هذا الوضع الاستثنائي تبنت الوزارة إستراتيجية محكمة وعقلانية تتجسد في استخدام التعليم الرقمي وكذا الحفاظ على استمرارية المرفق العام،الشيء الذي يساهم في حماية صحة الأشخاص وسلامتهم من فيروس كورونا المستجد، ومن خلال ماسبق نتساءل حول مدى نجاعة التعليم عن بعد( distance learning) في جودة التعليم العالي في بلادنا? للإحاطة بالموضوع،وتبيان إشكالاته،ارتأينا معالجته من خلال مسألتين هما :

أولا:خصوصية التعليم عن بعد وأهدافه:

الحق في التعليم هو حق أساسي للتنمية البشرية والتطوير الاقتصادي والاجتماعي ،حيث نجد معظم الدساتير والمواثيق تعزز من مكانته من خلال تجسيده على انه حق مضمون دستوريا ومحمي قانونا،وبالرجوع إلى الدستور الجزائري المعمول به حاليا(قانون رقم16_01 المؤرخ في 06مارس 2016،ج ر عدد14)،ووفقا للمادة 65 منه تنص :الحق في التعليم مضمون

التعليم العمومي مجاني حسب الشروط التي يحددها القانون.

التعليم الأساسي إجباري.

تنظم الدولة المنظومة التعليمية الوطنية

تسهر الدولة على التساوي في الالتحاق بالتعليم،والتكوين المهني.

إلى جانب ذالك نجد كذلك المادة 26 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948 يؤكد على ضمان الدولة لكل شخص حقه في التعليم مع ضمان مبدأ المجانية،غير انه ماتعيشه اليوم الدول من أزمة صحية بصفة عامة،والجزائر بصفة خاصة الأمر الذي دفع بالمؤسسات التعليمية لدولتنا إلى وضع إجراءات احترازية،نستشف من خلالها روح المسؤولية من اجل الحفاظ على سلامة المواطن والوطن.

وعليه عملت وزارة التعليم العالي على تكاثف الجهود من خلال تبني إجراء وقائي يتمثل في التعليم عن بعد حيث قامت بإصدار مجموعة من المراسلات الإدارية تهدف إلى الحد من انتشار هذا الفيروس المميت والعمل على التعبئة الوطنية لمواجهة هذه الأزمة.

لقد ظهر التعليم عن بعد سنة 1856في ألمانيا،وقد تم تعريفه على انه” نظام تعليمي يقوم على فكرة إيصال المادة التعليمية الى المتعلم عبر وسائل وأساليب الاتصالات التقنية المختلفة”

لقد عملت معظم المؤسسات التعليمية من بينها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الى نهج سياسة الرقمنة،من أجل النهوض بالمنظومة التعليمية،وذلك من خلال توفير شبكة الانترنت بإحداث مواقع ومنصات مبرمجة للتعليم عن بعد وفق آلية مناسبة لشرح الدروس بأسلوب يسهل فهمها والاستفادة منها بشكل غير مكلف لأمن حيث الجهد أو الوقت.

على سبيل المثال نجد في موقع جامعتنا جامعة البويرة www.univ_bouira.dzفيديوهات توضيحية للطلبة والأساتذة تشرح كيفية الدخول إلى منصة مودل E_learning،بجامعة البويرة لتحميل الدروس والمحاضرات،حيث عملت الجامعة ووضعت الدعائم البيداغوجية عبر الخط،وجسدت المراسلات الوزارية رقم2020/416وكذارقم288 المؤرخة في 29/02/2020،حيث عملت على ضمان التواصل الدائم بين الأستاذ والطالب.

وترجع أهمية هذا الإجراء الوقائي في الأهداف التي ترمي إلى تحقيقها والمتمثلة أساسا في :

_إيجاد الظروف التعليمية الملائمة والمناسبة لحاجيات الطلبة من أجل الاستمرارية في عملية التعليم

_توفير مصادر تعليمية متنوعة على شكل فيديوهات او تحميل الدروس على شكل PDF،وكذا في مواقع التواصل الاجتماعي وعبر قناة اليوتوب.

_مسايرة العملية التعليمية وتجويدها بوجود أساتذة يتحلون بروح المسؤولية.

_التوفير في الوقت والجهد.

إن من مميزات التعليم عن بعد نجد :

_الملائمة حيث انه يناسب كافة الأفراد سواء كان أستاذا مدرسا أو طالبا.

كذلك يتميز بالمرونة التي تتمثل بإتاحة المجال والخيارات أمام الطالب المتعلم وفقا لرغبته في المشاركة.

كذلك ميزة التأثير حيث يمتاز بتركه تأثيرا وفاعلية أكثر من نظام التعليم التقليدي لدى الطالب،وذلك بما يستعمله من تقنيات.

ثانيا:مزايا وعيوب التعليم عن بعد التعليم عن بعد Distance learning هو وسيلة تعليمية حديثة النشأة،تعتمد في مضمونها على اختلاف المكان،وبعد المسافة بين الأستاذ والطالب،وتكمن أهميتها في تقديم البرامج التعليمية ،رغم اختلاف المسافة الجغرافية،وذلك سعيا لاستقطاب الطلبة الباحثين،وتحدي الظروف الصعبة التي تواجههم مع انتشار وباء كورون

 . 1_مزايا التعليم عن بعد (إيجابياته)

-يلعب التعليم عن بعد دورا فعالا في رفع المستويات العلمية ،الثقافية والاجتماعية بين الأفراد في كل مكان وزمان،حيث أنه إذاكنت تعمل خلال الفترة الصباحية، يمكنك الدراسة ليلا وحتى خلال أوقات الاستراحة خلال اليوم،إذن لديهم خيار للدراسة في اي وقت شئت.

-يقلل من الفروق الفردية بين الطلبة،وذلك من خلال وضع المصادر التعليمية ،المحاضرات،الأعمال الموجهة المتنوعة بين يدي الطالب المتعلم،بالإضافة إلى تقديم الدعم الكامل للمؤسسات التعليمية بكل ما تحتاجه لتنتج تعليما فعالا من وسائط وتقنيات التعليم _يوفر الوقت والجهد والمال،بسبب توفير الإنفاق على وسائل النقل والذهاب والغذاء، ويعتبر الدرس الذي يتم تحميله عادة اقل سعرا،فالأساتذة أثناء تحضير الدروس يتعرضون لمصاريف للتحضير والإنتاج،يعني أن نموذج التعليم عن بعد يعتبر أقل ثمنا للطالب من الدورة التعليمية المكانية

 _ يحفز الطالب على اكتساب اكبر قدر ممكن من المهارات والتحصيل العلمي نظرا لتركيز العملية التعليمية فقط على موضوع الدراسة دون التطلع إلى جوانب أخرى _يساعد الطالب على الاعتماد على نفسه كليا،وذلك من خلال اختيار المصادر التي يستوحي منها معلوماته بذاته دون تأثير من الغير

_كما يمكن للطالب عن طريق أسلوب التعليم عن بعد أن يختار موضوع محدد في كل مرة،هذه من مزايا التعليم عن بعد،يمكنه في هذه الحالة أن يدرس بتفرغ أكبر كل محتوى من المحتويات التي يختارها.

 

2 .عيوب التعليم عن بعد(سلبياته)

 

عدم اعتمادية بعض وزارات التعليم العالي في الدول العربية للتعليم عن بعد

. _عدم الالتزام بعدد الساعات المخصصة لدراس المحاضرة،أحد أكبر التحديات التي تواجهه الطالب عند اختيارهم أسلوب التعليم عن بعد هو مسألة الالتزام بعدد الساعات المحددة للدرس المراد دراسته ،نظرا لإمكانية الدراسة في اليوم والساعة التي يرغب بها كل طالب ،يؤجل الكثير منهم المواد لوقت لاحق ولا يدرسون المحاور اي محتوى البرنامج التعليمي ،لكن يمكن التغلب على هذه المشكلة بواسطة الطالب نفسه بحيث ينظم أوقاته بشكل أفضل ليكون إنتاجيا أكثر وعليه التوقف عن إضاعة الوقت،ويجب عليه وضع جدول توقيت يناسب دراسته

_ عدم وجود تفاعل بين الطال والأستاذ المدرس هذا التفاعل بين الطلبة والأساتذة وبعضهم البعض بسبب سؤال ما أو مناقشة علمية يجعل العملية التعليمية أعمق وأكثر تأثيرا،ولكن بالرغم من وجود التكنولوجيا الحديثة التي جعلت الأمر أسهل،ليستطيع أي طالب حضور المحاضرات أونلاين،مازال هناك جزءا و حاجز يجعل التفاعل الواقعي بين الأشخاص أكثر أهمية، قد لايصلح في كل التخصصات هذا التعليم الالكتروني لا يصلح مثلا للتعليم العملي الذي يحتاج لتدريب الطالب عمليا ،فمثلا الكليات العلمية مثل الطب أو الهندسة أو الصيدلية أو الفنون مثل الرسم والنحت،لاتحتاج لدراسة نظرية فقط دون تطبيق عملي توفره الجامعات من خلال إمكانيات أكبر.

وهكذا فان التعليم الصناعي والزراعي مثلا لايمكن ان يكون عن بعد.

وختاما ندعو إلى العمل برقمنة الدراسة خصوصا أن العملية معمول بها الدول المتقدمة وان بلادنا متأخرة فيها المجال معتبرة ان هذه القترة فرصة لتدارك الوضع وجعل التعليم عن بعد امر بديهي في الظروف العادية أو خلال الأزمات.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك