التعدي على هوية الشعب الجزائري

حرب الإبادة الفرنسية في الجزائر

بقلم الأستاذ الدكتور بوبكر حفظ الله/ عميد كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية جامعة تبسة

راهنت السلطات الاستعمارية الفرنسية على قانون الحالة المدنية التي أصدرته ضمن سياستها الادماجية لأجل إعادة ترتيب الأرض والعائلة الجزائرية، وقد اختار القائمون على هذا القانون عددا من الألقاب التي تحمل دلالات رمزية ونفسية وذهنية تهب للقضاء على الهوية الوطنية والحضارية للشعب الجزائرية، اعتمادا على الألقاب العائلية التي هدفت من خلال إلى تفتيت وحدة المجتمع لتسهيل عملية السيطرة عليه تدريجيا. 

قانون الحالة المدنية أو قانون الألقاب: 

كانت الألقاب الجزائرية قبل الاستعمار الفرنسي ثلاثية التركيب (الابن والأب والجد)، وفي حالات أخرى خماسية التركيب، بحيث تضاف لها المهنة والمنطقة. أصدرت الإدارة الاستعمارية الفرنسية في 23 مارس 1882م قانون الحالة المدنية أو قانون الألقاب الذي ينص على استبدال ألقاب الجزائريين الثلاثية وتعويضها بألقاب لا ترتبط بالنسب. وسبق صدور هذا القانون محاولات متواصلة لطمس الهوية الجزائرية، أهم ملامحها إجبار الأهالي -وهو التعبير الشائع لتوصيف الجزائريين-على تسجيل المواليد الجدد وعقود الزواج لدى مصلحة الحالة المدنية الفرنسية، بعدما كانوا يقصدون القاضي الشرعي أو شيخ الجماعة.

 وكانت الغاية من استبدال ألقاب الجزائريين الثلاثية وتعويضها بألقاب لا ترتبط بالنسب هو تفكيك نظام القبيلة لتسهيل الاستيلاء على الأراضي، وإبراز الفرد كعنصر معزول، وتغيير أساس الملكية إلى الأساس الفردي بدلا من أساس القبيلة، وطمس الهوية العربية والإسلامية من خلال تغيير الأسماء ذات الدلالة الدينية وتعويضها بهوية هجينة، وإحلال الفرد في المعاملات الإدارية والوثائق مكان الجماعة، وأخيرا تطبيق النمط الفرنسي الذي يخاطب الشخص بلقبه وليس باسمه. 

وبموجب هذا القانون لم تكتف السلطات الاستعمارية بتغيير أسماء وألقاب الجزائريين بصفة عشوائية بل عوضت العديد منها بأسماء مشينة ونابية وبعضها نسبة لأعضاء الجسم والعاهات الجسدية، وألقابا أخرى نسبة للألوان وللفصول ولأدوات الفلاحة وللحشرات وللملابس وللحيوانات ولأدوات الطهي. ولم يكن هناك أي منطق في إطلاق الألقاب على الأشخاص، وكل ما هنالك هو رغبة في تحطيم معنويات الجزائريين، من خلال منح الفرصة لترديد أسمائهم مشينة طول الوقت وعلى مرّ الأزمان. وما يزال الأبناء والأحفاد يتوارثون هذه الأسماء منذ عام 1882م وهي أسماء لم يختاروها هم ولا آباؤهم، وإنما أجبروا على حملها حتى اليوم. 

ومن الأمثلة الحية على الألقاب المشينة التي تحملها عائلات جزائرية اليوم ويتم تداولها في كل المحررات والوثائق الرسمية لقب “حمار”، ولقب “بوذيل”، ولقب “خاين النار”، ولقب “مجنون”، ولقب “بومعزة”، ولقب “كنّاس” ولقب “بومنجل”…….. اخ كما يذكر التاريخ قصة الجزائري “الحاج البخاري بن أحمد بن غانم” وله أربعة أولاد: محمد وعبد القادر وأحمد والحبيب، فقد خسر هذا الشخص أرضه بعد رحيله إلى سوريا، وبعدما قامت الإدارة بتغيير ألقاب أولاده حيث أصبحوا “محمد عسّال، وعبد القادر بووشمة، وأحمد البحري، والحبيب ندّاه.

تعامل الإدارة الاستعمارية الفرنسية مع الشعب الجزائري: 

ما يتوجب الإشارة إليه إلى أن الإدارة الاستعمارية الفرنسية وجدت صعوبات عديدة خلال تعاملها مع الشعب الجزائري، خصوصا ما تعلق بنظام الأسماء المتداولة عند الشعب الجزائري، التي غلب عليها التشابه عند أغلبية العائلات الجزائرية مثل إسم محمد. لذلك حاولت أن تعالج هذه الصعوبات بإصدارها لقانون الحالة المدينة وتعميمه على سكان الجزائر. 

ومن جهة أخرى فقد أدى العمل بنظام الألقاب إلى إحداث نوع جديد من الروابط بين العائلات حيث أصبحت تجتمع في رابطة اللقب العائلي، وتغيب رابطة الدم والروابط الاجتماعية المعروفة، إذ أن الثغرات القانونية الموجودة في القانون أدت إلى عدم منح نفس اللقب العائلي في المنطقة الواحدة تفاديا للخلط بين العائلات وتيسيرًا لعملية المراقبة عند تمييز الألقاب العائلية. 

لم تتوقف المخلفات السلبية لهذا القانون عند هذا الحد وفقط، بل امتد إلى تفكيك الملكية الجماعية للأرض بعد تفكيك الروابط الدموية بين أبناء العمومة والأقارب والإخوة الذين أصبح كل واحد منهم يحمل لقبا مختلفا عن بقية إخوته. 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك