التسميم السياسي لبيان نوفمبر

قراءة تاريخية

بقلم احسن خلاص

أشرنا في آخر مقال إلى أن الشحنة الرمزية للحظة أول نوفمبر التاريخية لا تزال ممتدة إلى يومنا هذا بفضل كون هذه اللحظة، على خلاف اللحظات التاريخية الأخرى، لم تكن فقط لحظة أول عمل جماعي في تاريخ الأرض الجزائرية بل كانت أيضا لحظة أول عمل ناجح، كونه حقق هدفه وهو النصر والاستقلال كما نص على ذلك بيان جبهة التحرير الوطني صاحبة تلك اللحظة التاريخية.

وبينا من جانب آخر إلى أن السلطة القائمة خلال التسعينيات من القرن الماضي لم تجد ما تأوي إليه أمام هجمات تيار الإسلام السياسي المتطرف بشقيه السياسي والمسلح بعد إلغاء المسار الانتخابي، إلا الاستعانة بالمرجعية النوفمبرية وإقحامها في ما أسمته في ذلك الوقت عملية التقويم الوطني ضمن مفارقة عجيبة وضعت مساعي السلطة “النوفمبرية” مقابل مساعي أخرى موازية ضمن مسار عقد روما الذي كان من بين مؤسسيه رجال مؤسسون لثورة الفاتح من نوفمبر على غرار احمد بن بله وحسين ايت احمد وعبد الحميد مهري وقد ذهب الأمر بالسلطة إلى إنشاء حزب التجمع الوطني الديمقراطي الذي تجمعت حوله “منظمات الأسرة الثورية” وتقديمه للرأي العام الجزائري بأنه الممثل الشرعي والوحيد للثورة التحريرية وبيانها الأول مقابل ما اعتبر انحرافا من قبل حزب جبهة التحرير الوطني الذي كان يقوده عبد الحميد مهري عن النهج النوفمبري الصحيح.

كما ذكرنا أيضا أن الجدل حول لحظة نوفمبر صار يأخذ اليوم منحنيات أخرى إذ لم يعد حكرا على السلطة القائمة بل صار محل نزاع مع شركائها السياسيين فكل يدّعي وصلا بنوفمبر من منظوره الخاص ووفق أهدافه وأجندته وما يريد أن يجنيه في نهاية المطاف، وبعبارة أوضح استفرد باللحظة التاريخية لنوفمبر 1954 القائمون على السلطة اليوم تحت مطية ما تبقى من الإيديولوجية الوطنية إلى درجة أنهم اتخذوا من رمزية هذا التاريخ موعدا لاستفتاء شعبي داعين مخالفي هذا التوجه إلى مغادرة البلاد وهم يعلمون أن الاستفتاء لحظة تعبير ديمقراطي عن خيارات مختلفة ومتعددة ولا علاقة له برمزية اللحظة الجماعية التي ميزت انطلاق ثورة أول نوفمبر، وبين تيار إسلامي يشكك في إرادة السلطة الوفاء لبيان أول نوفمبر حق الوفاء، إذ أن ارتباط هذه الأخيرة بمبادئه وأهدافه، في نظرهم، لا يتجاوز التغني الفلكلوري الهادف إلى التخدير والإلهاء في حين أن كثيرا من التعديلات التي وردت في مشروع الدستور الجديد تعد انتهاكا صارخا لبيان أول نوفمبر.

غير أننا لم نجد إلى اليوم أي طرف من الأطراف التي تنازعت ولا تزال تتنازع لحظة أول نوفمبر وبيانها الأول قد بادر بتنظيم ندوة أو حلقة دراسة لهذا البيان في تفاصيله الكثيرة ويمكن الجزم بيسر وسهولة أن أغلب الممتطين اليوم صهوة نوفمبر وبيانه المؤسس لم يكن لهم اطلاع عميق على هذا البيان بكل تفاصيله بل يؤمنون ببعض كتابه ويكفرون بجل ما ورد فيه، ذلك أن القراءة الكاملة والمعمقة لبيان أول نوفمبر من شأنها أن تطرد من ساحته جميع الانتهازيين وتجار السياسة، وتعيده إلى الشعب وحده دون سواه وتبين أن هذا البيان متقدم في فحواه وفي درجة الوعي السياسي الذي نتج عنه عما توفره سوق الساحة السياسية اليوم بعد 66 سنة عن صدوره.

عندما يحدثنا السياسيون اليوم، وبمختلف توجهاتهم، عن بيان أول نوفمبر يكتفون باجترار عبارة صارت اليوم ملوثة بمغالطاتهم المتكررة ومحاولة احتوائها السياسوي. إنها عبارة “إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية”.

وفي غياب الدارسين لعمق هذا الهدف يعبث به أصحاب الإيديولوجيات عبثا يسيء إلى الثورة التحريرية ويرفع عنها رمزيتها لتصبح بضاعة في سوق التجاذبات السياسية والإيديولوجية كأن يركز أنصار التيار الإسلامي على عبارة “المبادئ الإسلامية” ليبحثوا في نوفمبر عن مشروعية لخطابهم الداعي إلى إقامة دولة الفقهاء بينما ينفي أنصار التيار العلماني أي صلة للعبارة بالشريعة الإسلامية بل أن الأصل في إقامة الدولة الديمقراطية الاجتماعية.

غير أن التفسير المرتبط باللحظة الثورية والبعيد عن الاستغلال السياسي بأثر رجعي نجده في عبارة أخرى وردت ضمن الأهداف الداخلية في البيان وهي عبارة “تجميع وتنظيم جميع الطاقات السليمة لدى الشعب الجزائري لتصفية النظام الاستعماري”. فالملاحظ أن الهدف الأول كان الهدف منه عملية التجميع ذاتها وهو موجه لجميع قوى الحركة الوطنية التي كانت تنشط الساحة إلى غاية تلك اللحظة التاريخية. وقد قصد القادة التاريخيون بذكاء شديد دعوة جميع هذه القوى للانضمام إلى الحركة الثورة لكي لا يستثنى أحد منها فكان للتيار الاستقلالي من البيان “إقامة دولة جزائرية ذات سيادة” وكان لتيار فرحات عباس “الديمقراطية” وكان للتيارات اليسارية الشيوعية “الاجتماعية” كما كان لتيار جمعية العلماء “المبادئ الإسلامية”.

وقد اهتدت عبقرية القادة التاريخيين إلى أن الاستقلال لا يمكن ان يكون إقصائيا لهذا التيار أو ذاك من التيارات المتواجدة على الساحة آنذاك وأن بناء الدولة الجزائرية لا يمكن أن ينصرف عن هذا المبدأ المقدس الذي تريد أن تقضي عليه الإيديولوجيات الشمولية المتصارعة اليوم.

وثمة هدف آخر لا يذكره أنصار التيار الإسلامي بالرغم من أنه جاء بعد الهدف الأول مباشرة وكان موجها للمجموعة الدولية أكثر مما كان موجها للداخل. وينص هذا الهدف على “احترام جميع الحريات الأساسية دون تمييز عرقي أو ديني”. مما يعني إقامة مسبقة للحجة أمام فرنسا الاستعمارية ضد أي اتهام للحركة الثورية باستهداف إقامة دولة على أساس عرقي أو ديني فالدولة المنشودة لن تكون دولة عربية ولا إسلامية ولا أمازيغية بل هي دولة جزائرية تكرس فيها المواطنة وتحترم فيها الحريات الدينية والتعابير الثقافية على تعددها وتنوعها.

ونجد العلمانيين في الجزائر أقل استغلالا للهدف الثاني مما يستغل الإسلاميون الهدف الأول الذي يعتبرونه لب بيان أول نوفمبر إن لم يكن البيان كله. وبين هذا وذاك نجد المؤرخين والدارسين أقل انخراطا في مناقشة أبعاد لحظة من أعظم لحظات الجزائر فقد تركوا الأمر للاستغلال السياسي إن لم يتواطأ مع ذلك بعضهم. سنأتي في موضع آخر لتناول جوانب أخرى من البيان لا تقل أهمية لعلها تعيد النظر في القراءات السياسية للتاريخ القائمة اليوم.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك