التراث الأثري والطبيعي في تيماسينين مكسب حضاري وازن

الباحث في تراث الصحراء، العيد بوده حصريا ليومية "الوسط"

انفردت يومية” الوسط” بحوار حصري مع الدكتور العيد بوده،الأول من نوعه في الجزائر والوطن العربي ، فلقد كشف لنا هذا الباحث في تراث الصحراء ،المتخصص في النقد المغربي القديم عن تفاصيل كتابه الجديد  ” تيماسينين… وهج التراث الأثري والطبيعي ” الذي سيصدر قريبا  عن دار يوتوبيا للنشر والتوزيع ويمثل أول منجز بحثي عن التراث الأثري حول منطقة تيماسينين ، فلقد أعاد  هذا الأكاديمي الشاب  الاعتبار لمسقط رأسه  عبر اهتمامه بمعارف تتعلق بماضي الإنسانية، في سياق تنامي ثقافة العناية بالتراث، والمطالبة بإصباغ طابع الحماية عليه، سيما وأن المعالم الأثرية حسب العيد تُشَكِّل ثروة ثقافية مادية إنسانية، وجبت المحافظة عليها وإبعادها عن عوامل التلف،  كما أن هذا المنتوج البحثي الجديد سيساهم في إثراء مكتبة الأبحاث الأنثروبولجية  في الجزائر ، كما سيكتشف  القارئ  في هذه الدراسة البحثية العابرة  مكنونات وأسرار لبعض المعالم التراثية المادية بمنطقة برج عمر إدريس بإليزي، التي تتموضع في نقطة جغرافية إستراتيجية تجعلها بوابة لإقليم التاسيلي العامر بالكنوز التراثية الوازنة،التي دفعت بمنظمة اليونيسكو إلى إدراجه في مواقع متقدمة من قائمة التراث العالمي ،وهذا مايبرز مدى  ثراء تراث جنوبنا الكبير المتجذر في عمق التاريخ .

 

 

 

بداية، كيف يعرف العيد بوده نفسه للقارئ؟

 

العيد بوده، من مواليد 15 أفريل 1988م، ببلدية برج عمر إدريس، ولاية إليزي،  دكتور و باحث في تراث الصحراء، متخصص في النقد المغربي القديم، سفير المجلس العربي للشباب بالجزائر 2014م، ومراسل لعدد من المجلات والمواقع الإلكترونية الوطنية والدولية، أكتب الراوية والخاطرة، ولدي عدة دراسات أكاديمية منشورة في عدد من المجلات العلمية المحكمة، والمصنفات الجماعية الدولية. ولدي عدة  مؤلفات علمية وثقافية ودراسات قيد الطبع ،وأخرى  مطبوعة من بينها  كتاب “الرؤية النقدية عند الحصري القيرواني” … دراسة  تطبيقية تحليلية في كتاب نور  الطرف ونور الظرف ” المنشورة في دار نشر نور بألمانيا . 

 

 

 

 

هل لك أن تحدثنا عن  مضمون كتابك الجديد” تيماسينين”؟

 

يركز هذا البحث على تعريف المعطى التراثي في منطقة شمال التاسيلي نازجر، ومحاولة مقاربته زمنيا وفق الآراء التي ذهب إليها المؤرخين والباحثين في تاريخ التاسيلي نازجر؛ باعتبار الوصف التعريفي ضرب من الإشهار الذي أراه أولوية يفرضها واقع الموروث التراثي بهذا الإقليم العتيق، سيما وإن منطقة تيماسنين لم تصنف بعد ضمن الحظيرة الوطنية للتاسيلي رغم غناها بمكاسب طبيعية وأثرية وازنة، تعكس حياة الإنسان القديم، الذي عاش في أحقاب الزمن البعيد، على مدى أزيد من 10 آلاف سنة من الوجود ،كما  حاولت  في هذا  الكتاب أن أحيط بمكونات الإرث الاستعماري في مدينة تيماسينين، التي شكلت موقعا استراتيجيا في الصحراء الجزائرية، استغله الاستيطان الفرنسي بما خدم سياسته التوسعية في منطقة الصحراء. وقد تضمنت الدراسة جملة من المقترحات الداعمة لمساعي الإقلاع بواقع التراث والسياحة في المنطقة.

 

 

ما الذي دفعك لإنجاز هذا البحث  ؟

 

 الذي دفعني إلى إنجاز هذا البحث المتواضع، هو رغبتي الشديدة في التعريف بالمعطى التراثي المادي التيماسينيني، الذي مايزال مُهَمَّشَا مع سبق الإصرار، أوبغير قصد؛ جَرَّاء غياب الوعي بأهمية الكنوز الثقافية والتراثية لدى ساكنة المنطقة، مما جعل هذه المكاسب الوازنة متروكة لشراسة العوامل الطبيعة، وبشاعة العبث البشري، ناهيك عمَّا تعانيه المنظومة التراثية المحلية من الناحية البحثية، فيما يتصل بانعدام أي مصدر توثيقي- في حدود ما توصلت إليه- أو دراسة علمية للمادة التراثية حول بلدتنا، ويُضَاف إلى هذا مسؤوليتي كباحث محلي اتجاه المنظومة الثقافية المحلية التي انضوي تحتها، وهي المسؤولية التي أجدني بموجبها مُلْزَمَاً  بالمشاركة الفعلية في العناية بتراث المنطقة، ومحاولة دراسته وفق الأُطُر العلمية الأكاديمية، ولعلي بإيصال هذا الصدى التراثي، أكون قد ساهمت ولو بأثر ضئيل في تنوير القارئ الكريم ببعض الأبعاد المهمة التي يتضمنها تراثنا الثمين، سيما التراث الأثري الذي يستضيف أعمالا فنية موغلة في العراقة، جعلت من المنطقة متحفا طبيعيا مفتوحا على الهواء الطلق، منذ مايزيد عن عشرة آلاف سنة من الوجود.

 

ماهي الأهداف التي كنت تصبو من وراء هذه الدراسة البحثية التي تنتصر  للتراث الأثري والطبيعي الصحرواي ؟

 

كنت أسعى لتحقيق عدة أهداف على غرار: استعراض مكونات التراث الأثري في منطقة شمال التاسيلي نازجر، ومحاولة التعرف على التراث الفني والحضاري لمنطقة عريقة يمتد وجودوها عبر قرون سحيقة؛ وذلك بالتركيز على كشف المضامين والدلالات  الفنية والاجتماعية والجغرافية للمشاهد الصخرية، التي عكست قدرة الإنسان القديم على تصوير الحياة التي كان يعيشها، سيما وأن منطقة تيماسينين كغيرها من مناطق الصحراء الكبرى التي لم تكن طيلة الوقت صحراء قاحلة كما هو حالها الآن، بل كانت تتمتع في عصور مضت بمناخ دافيء ممطر، جعلها مليئة بالحياة النباتية والحيوانية، ولعل اكتشاف النفط فيها، من أهم الأدلة الإثباتية على ذلك؛ إذ أن من المعروف أن النفط ناتج عن مواد عضوية نباتية وحيوانية،  كما كان هدفي الكشف عن أماكن تمركز المكون التراثي الأثري في المنطقة، ومحاولة التعرف على المراحل الزمنية التي تَشَكَّل فيها؛ لأن قراءة الآثار الصخرية ضمن سياقاتها الزمنية، يتيح لنا التعرف على طبيعة الأقوام التي سكنت مناطق هذه الآثار، خلال الفترة التي تناولتها هذه الآثار على أقل تقدير.

 

 

أين تكمن أهمية هذا العمل ياترى؟

 

حاولت من خلال هذا البحث رصد المعطيات الثقافية المادية في برج عمر إدريس(الاسم الوطني الحديث للمنطقة)، وتقديمها بشكل منتظم -لأول مرة- وفق الأطر العلمية، مما سيجعل العمل مرجعية علمية قد تفيد الباحثين والمهتمين بالمنظومة التراثية للمنطقة، سيما إنني حاولت الوقوف على الامتدادات التاريخية، المتعلقة بتراث شمال التاسيلي، وعلى البعد اللامادي المتداخل بشكل وثيق مع بعض الآثار، التي تبرز مشاهد مهمة تُعَبِّر عن الأساطير التي كانت منتشرة آنذاك ، والطقوس المختلفة المُعَبَّرِ عنها، باعتبارها تمثل حياة كاملة لحضارة قديمة، والتي يمكن تحديدها من خلال دراسة المشاهد التراثية ومقارنتها بعدة معطيات، ذات الصلة الوثيقة بها. بما يستجيب لمساعينا الهادفة إلى محاولة فهم ودراسة الأصول المادية للحضارة الممتدة في تاريخ الإنسان القديم، من خلال استقراء الشواهد العابرة لمختلف العصور، واستخلاص القيم العميقة للآثار.كما  تتحدد أهمية الدراسة من خلال الأهمية الحضارية للتراث الأثري، باعتبار التراث جزء لا يتجزأ من الذاكرة الجماعية للأمم، فضلا على اقترانه بتشكيل مكونات الهوية التي تعكس مختلف الخبرات والممارسات التي مرت بأجيال الأمم.

 

كيف كان تعاملك مع دار يوتوبيا للنشر والتوزيع؟

 

دار يوتوبيا مؤسسة محترمة، تولي اهتماما جادا بالمعطى التراثي وقد استقبلت دراستي بشغف كبير، وتم التفاوض على مستوى عال من الاحترام، سيما وأن دراستي تمثل أول منجز بحثي عن التراث الأثري حول منطقة تيماسينين.

 

 

ما الذي عالجته من خلال  كتابك “الرؤية النقدية عند الحصري القيرواني” الصادر في ألمانيا ؟

 

 

من إصداراتي الأكاديمية الدولية حول المنجز النقدي التراثي المغاربي، في مجرى نقد النقد، حيث  أضع بين يدي القارئ الكريم دراستي النقدية الصادرة عن الناشر الدولي الألماني “نشر نور  وهي الدار التي تتوزع منشوراتها على أزيد من 8000 آلاف مكتبة عالمية. ويقع هذا  الكتاب  في 185 صفحة، وقد وفقني الله فيه إلى استنطاق مدونة مغاربية قديمة، من خلال استضافة نقدية لإحدى المواهب الثّقال التي سٌجّل اسمها بحبر من خلود ضمن قائمة النبوغ المغربي في الأدب العربي، ويتعلق الأمر بالأديب اللامع،والناقد المعتدل،الحصري القيرواني. في مقاربة تحليلية تطبيقية للرؤية النقدية والمنهجية، في كتابه (النورين) نور الطرف ونور الظرف ، حيث حاولتُ استجلاء التوقيعات النقدية للمؤلف، والوقوف على أبرز مؤشرات التصور المنهجي الذي سارت عليه مدونته. كما سعيتُ في الوقت نفسه إلى تَقَصِّي الانعكاسات البيئية على عملية التأليف؛ منهجاً ونقداً ومادةً أدبية. وتجدر الإشارة أننا تعرضنا قبل هذا كله إلى قضية نعتقد خطورتها؛ وهي مسألة التقصير في دراسة الموروث الثقافي العربي المغاربي.

 

هل لديك مشاريع مستقبلية؟

 

مشاريعي المستقبلية في مجال الكتابة عن التراث تتمثل في عملين مهمين يتعلق، الأول ببحث حول “معالم التراث الأثري الاستعماري في مسقط رأسي” ، ودراسة أخرى حول” المقول الأسطوري عند توارق التاسيلي والهقار” .

 

لمن توجه كلمتك الأخيرة ؟

 

ختاما لابد من تقديم الشكر لحضرتكم على هذا الاهتمام المحفز، كما لا يفوتني القول أن مسؤولية العناية التراثية يتقاسمها الجميع بدءا بالمحيط الأسري وصولا إلى العمل الجمعوي و انتهاءا بالجهات الرسمية المعنية بالشأن الثقافي والتراثي.

حاوره : حكيم مالك

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك