التحديات بين غياب الرؤية وقسوة الخصوم

الأحزاب الإسلامية

بقلم: صالح عوض

بين حق وباطل كثر الحديث عن الأحزاب الإسلامية فهي قد أصبحت منذ عدة عقود القوة الإجتماعية السياسية الأكثر حضورا والأكثر إثارة في أكبر العواصم العربية والإسلامية.. ففي القاهرة واسطمبول وطهران وإسلام أباد وجاكرتا وكوالالمبور وسواها من العواصم أصبح التيار الإسلامي المعاصر هو الغلاب، وقد تركز في النخبة: في الجامعات وفي تخصصاتها العلمية والنقابات المهنية.. بدأت وادعة داعية إلى مكارم الأخلاق وعزة الإسلام وبناء الفرد المسلم والمجتمع المسلم وانتهت للمزاحمة على مكاسب سياسية ومواقع نفوذ في المجتمع مصطدمة أو مهادنة أو متحالفة.

وبمناسبة وغير مناسبة يعمد كل من أراد تقربا للدوائر الاستعمارية الغربية والصهيونية إلى شن هجومه على “الإسلام السياسي” دونما تفصيل وذلك ضمن هجومه على الأصالة مصطنعا ألقابا ومسميات كالأصولية والتطرف الإسلامي والإرهاب الإسلامي و في الحقيقة إن العدو لا يقصد أشخاصا أو أحزابا معينين بل ولا يقصد العنف ولا التطرف ولا الإرهاب لان هذه هي أدواته التي صنعها في المجتمعات الإسلامية إنما يقصد الإسلام كهوية حضارية للجنوب المكافح الذي يشعر المستعمرون أنه يحصن المجتمعات ويتصدى للاختراق ويهدد مشاريع الإفساد والتبعية وأنه بإمكانه تنظيم طاقات الأمة، وبعثها للحياة من جديد نحو الاستقلال، ومن هنا هم يشيطنون الإسلام ويثيرون الشبهات حوله ويلصقون به صفة الإرهاب من خلال هجومهم على الأحزاب.. ويصنعون نماذج مشوهة منه لتسهيل عملية تعطيله.

ولكن للإنصاف هل ينحصر الأمر كله في خصومات العلمانيين وكراهية الاستعماريين ومؤامرتهم؟ أم أن هناك خللا كبيرا لحق بالأحزاب الإسلامية في أفكارها وأطروحاتها السياسية والعملية وفي جملة تحالفاتها وفي علاقتها بقضايا الأمة في الوحدة والنهضة وفلسطين والحريات السياسية؟.. لقد وصلت  الأحزاب الإسلامية إلى صدارة المشهد السياسي في أكثر من بلد وانتكست بشكل مريع، فهل بعد عديد إخفاقاتها ما زالت فرصة لها للمحاولة في تصدر المشهد من جديد؟ وما هي عناصر الخلل الجوهرية في مسيرتها؟

إجابات متجددة:

لقد شهد عالمنا الإسلامي موجات تجديد في مواجهة التحديات الخارجية والداخلية فلقد انبعثت الصوفية ومدارسها واستمرت ردحا طويلا من الزمن في مواجهة الانهيار الأخلاقي والاستعمار الخارجي وكان لها دور عظيم في التصدي والجهاد في شمال إفريقيا والقوقاز والدولة العثمانية وكان الأمير عبدالقادر الجزائري بطل الصوفية الفذ ونموذجها الأبرز.. وبعد انكسار الصوفية وهزيمتها العسكرية أمام جيوش الاستعماريين القياصرة والفرنسيين وسواهم أصبحت الصوفية في غير حالها الجهادي والايجابي، وتحولت إلى قوة معطلة في المجتمع ومستسلمة للأقدار ومنكفئة على تاريخها ورموزها تقربا وزلفى واخترقتها مفاهيم منحرفة.. بعد ذلك ظهرت موجة أخرى من موجات التجديد الإسلامي ممثلة بالدعوة السلفية مشرقا ومغربا قادها الإمام جمال الدين الأفغاني وتلاميذه محمد عبده ورشيد رضا والثعالبي وطاهر بن عاشور وابن باديس وقامت هذه الموجة باقتلاع العقائد المثبطة والتصورات الخرافية والوقائع المشوهة عن الإسلام و قدمت الإسلام في ثوب أنيق مكافحا ومستنيرا وإنسانيا وتصدت للغزو الثقافي الغربي.. إلا أن هذه الموجة بفعل أسباب خارجية وأخرى داخلية توقف مدها في البلدان العربية بتفاوت زمني ولأسباب مختلفة قبل أن تستنفد أهدافها، فجاء انطلاق الحركة الإسلامية المعاصرة إجابة جديدة على تحدي سقوط الخلافة العثمانية وتمزق ديار المسلمين، فجمع انبعاث الموجة الجديدة بين السلفية والصوفية وأضاف إليها أبعادا جديدة العمل السياسي الحزبي والاجتماعي.. وهاهي الحركة الإسلامية تواجه تحديات عاصفة تدفعها إلى سبيلين لا ثالث لهما فهي إما أن تتجدد وفق معطيات التحديات المتجددة داخليا وخارجيا وإلا فأن مصيرها محكوم بسنن التبديل والاستبدال في انتظار ميلاد موجة جديدة من فعاليات الإسلام الحي..

في صيف 1997 لبيت دعوة للشيخ محفوظ نحناح رحمة الله عليه وكنت أحظى بمكانة خاصة عنده أولا لأنني فلسطيني ثانيا لأني كنت أمحضه المحبة.. وفيما نحن نتناول غداءنا وفي حضور من قيادة الحركة الإسلامية سألني رأيي في الأوضاع فقلت له أمام الجميع: رأيي يا شيخ أن تحل الحركة، فتساءل: و ماذا بعد؟ فأجبته: تستأنف مشروع ابن باديس.. كانت سعة أفق الشيخ محفوظ كفيلة بأن يستمع لمثل هذا الكلام الصعب، ولكن لم يكن سهلا على رئيس حزب أن يفرط عقده فهذه عملية خطرة في حساباته كأنما هي قفزة في الهواء لا يقبلها المريدون والمتشبعون بالولاء للحزب.. ومن يدري لعل الشيخ محفوظ لو اطلع على واقع حركته اليوم كان يعلن تجاوز التنظيم إلى عمل آخر هو أبعد من التحزب والحزبية كما استدرك الإمام “حسن البّنا” في آخر حياته وأعلن انه لو اكتفى بكتاب الأدعية “المأثورات” كان خيرا من كل العمل الحزبي الذي قام به.

لقد بدأ التيار الإسلامي المعاصر داعيا لمواجهة الانحراف وضياع دولة الإسلام والغزو الثقافي والعلمنة لكنه انتهى إلى حزب تضيع تحت أقدامه كثير من المفاهيم والقيم بحكم سطوة الحزب وتقاليده.. وهنا تجدر المقارنة من جديد بين تجربة الإمام ابن باديس والحركة الإسلامية الحزبية فابن باديس التزم منهج التحرك في المجال الحيوي الطبيعي وهو الأمة “الشعب” فتكون  الأمة كلها حزبه والتركيز على النخبة فيه من علماء ومفكرين ومثقفين كبار وإعلاميين وشعراء ليكونوا النخبة العالمة المكافحة.. أما الحزب فهو وجود الثقافة والمفاهيم في حالة حزبية وصياغة ولاءات خاصة لها حسابات خاصة وبرنامج خاص وتصعيد للدرجات بناء على الولاء الحزبي وقوانين الحزب الداخلية وألاعيبه الداخلية.. نحن أمام تجربتين مختلفتين تماما تنتهي الأولى للذوبان في المجتمع وتنتهي الأخرى لتصبح فرقة مختلفة في المجتمع.. وأنا هنا لست بصدد شرح وجهة نظري حول الموضوع بمقدار ما أريد ان ابعث بإشارة إلى تيار الأحزاب الإسلامية “الإسلام السياسي” حول أسباب الإخفاقات المتكررة في أكثر من مكان وذلك بأنهم ابتعدوا كثيرا عن تيار الشعب والأمة والتزموا بحساباتهم الحزبية، وأن تناميهم وتوسعهم التنظيمي مهما كبر فهو لا يزيدهم إلا افتراقا عن المجموع الأمر الذي يتسبب في إغراقهم في “الابتلاءات” فشلا بعد فشل.

إسلامفوبيا الغرب:

نناقش هنا العامل الخارجي وهو قسوة الخصوم وعنفهم وإصرارهم المستميت في تبديد حضور الإسلام وفعله اذ لايزال العقل السياسي الغربي يدور في فلك الحروب الصليبية وآثارها و لم يتحرر بعد رغم كل التطورات الحاصلة في الحياة بشتى مناحيها في الغرب من قيود المواقف المسبقة رغم انه كسر سلطة الكنيسة وتحولت المجتمعات عن الديانة المسيحية الى الإلحاد بنسبة مذهلة تكاد تصل الى النصف أو أكثر إلا أن دوائر صنع الثقافة والسياسة لا زالت ترى في الشرق-الشمال عدوا تاريخيا ومهددا للنموذج الحضاري الغربي ولو بعد حين.. بل زاد الأمر سوءا بتغلغل الصهيونية على الكنيسة في الغرب وصناعة مسيحية صهيونية أصبح لها قوة ونفاذية بارزة في صنع السياسات والتوجهات لاسيما في الولايات المتحدة.

ومن هنا تتوالى أشكال التدخل السياسي والثقافي في مجتمعاتنا وبكل الوسائل لإبعادها عن الإسلام الرابط المشترك الفعال بين كتلة بشرية ضخمة تقدر بخمس البشرية لم يصبها التمزق العقائدي ولا التشويه الديني إلى حد كبير.. وتتعاظم الخطورة بالنسبة للغرب لعدة أسباب أولها ان هذه الكتلة تعج بالشباب والثروات وتتبوأ موقعا استراتيجيا على صعيد الجيوبوليتيك وقد حصل تداخل على أصعدة عديدة مع المدنية الغربية الأمر الذي مكن هذه الكتلة في مناطق معينة من إحداث تطورات وتجارب تبرر للمجموع إمكانية التقدم التكنولوجي والمعلوماتية بالإضافة الى كل ما سبق.. ولهذا نحن نرى بوضوح ان الجغرافيا الملتهبة الوحيدة في العالم هي جغرافيا المسلمين وبالأخص الجغرافية العربية.

هذا ما يجعل الدوائر الاستعمارية تعمل بتركيز على إفقاد الإسلام طبيعته بتشويه صورة الإسلام لدى الغربي، او باختراق عقول النخبة الإسلامية بمصطلحات ومفاهيم تفقد الإسلام قدرته وتجعله قوالب خالية من الرسالة والمهمة الحضارية، أو تعمد إلى قتل نوابغ المفكرين المسلمين إن لم يجد نفعا معهم الإغراء والتهديد والتشويه.

في إطار هذا الصراع ضد الإسلام ينظر إلى الأحزاب الإسلامية التي استطاعت أن تؤكد من جديد حضور الإسلام في الضمير الجمعي والوعي الجمعي من خلال سرعة استقبال الجمهور لها وانتشارها الواسع لدرجة أنها أصبحت فيما لو تم إخلاء السبيل أمامها تكتسح صناديق الانتخابات كما حصل في كل مكان تم فيه فتح المجال للإسلاميين بالمشاركة.

وهنا دق جرس الخطر أمام الدوائر الاستعمارية فانصبت الأجهزة الأمنية والاستشراقية لتحويل مجرى الحزب الإسلامي وإفقاده وهجه الروحي وإشغاله بما يتطاحن عليه الناس بأنانيات واشتباكات فرعية أغرقته في النهاية في فشل ذريع ووجد نفسه بعد فرصة تاريخية خارج مسرح الفعل ومعرضا لابتلاءات خطيرة لازال دويها يتداعى مع كل خطوة محتملة.

لا مجال في هذا الحيز لدراسة التجربة ولكن فقط لنكشف عن كيفية تلاقي الخلل الداخلي مع المخطط الخارجي في صناعة بعبع الإسلام السياسي و تفريع المصطلحات منه كالإرهاب الإسلامي والتطرف الإسلامي والأصولية الإسلامية وكل ذلك من اجل إلغاء دور الإسلام في توحيد الأمة وفي توفير المناخ الروحي لطليعتها ونخبها من التحرك نحو بناء حضاري سيادي.

الحزب و الأمة:

 اكتفي هنا بالإشارة إلى أحد عناصر الخلل الإستراتيجية في الحزب الإسلامي التي أورثته الخسارة تلو الخسارة.. تكاملا مع الفعل الاستعماري المعادي والذي غابت المعرفة به وبتطوراته عن عقل الحزب الإسلامي أو على الأقل لم يكن هناك يقظة تجاه أساليبه او أن الإحساس بخطورته لم يحظ بأولوية في الاهتمام والمواجهة، فلقد كانت ضبابية الرؤية السياسية صفة بارزة لدى الحزب الإسلامي أمام الأسئلة الوجودية: ماذا علينا فعله في المرحلة الراهنة؟ ما هي طبيعة العلاقة مع الإدارة في الغرب؟ موقفنا من المشروع الصهيوني وبرنامجنا في مواجهته؟ رؤيتنا لتوحيد أمتنا ونهضة شعوبنا؟ إجابتنا على أسئلة الحريات السياسية؟ طبيعة النظام السياسي الذي ننشده؟ ثم السؤال الأهم: ما هي رؤيتنا للحزب الإسلامي هل هو حزب وظيفي أم إيديولوجي؟ أمام هذه الأسئلة حصل الاضطراب والارتباك الأمر الذي جعله في بعض الأوقات يقوم بأفعال هي في حقيقتها ضد نفسه وضد رسالته.. 

إن أخطر ما مرت به الحركة الإسلامية المعاصرة هو تحول الجماعة إلى فرقة بديل عن الأمة والشعب.. فلقد أصبح الولاء للحزب مقدم على كل ولاء فخصوم الحزب هم الخصوم، وأصدقاء الحزب هم الأصدقاء، حتى لو تعارض ذلك مع المصالح العليا للأمة والشعب، و النظر بعين الريبة نحو كل من هو خارج الحزب.. ويمتد الأمر فيصبح النظر لقضايا شعوبنا يمر من نظارات الامتداد الحزبي في ذلك القطر.. وهنا أمثلة كثيرة على رأسها الموضوع السوري فرغم أن كثيرا من الأحزاب الإسلامية لا تتبنى الصراع المسلح ضد أنظمة الحكم في بلدانها بل تدينه إلا أنها تبنته بقوة عندما انخرط فيه الحزب الإسلامي السوري.. وفي موضوع فلسطين تدين التنظيمات الإسلامية الأنظمة العربية والأحزاب في حال اقترابها من التطبيع مع العدو الصهيوني إلا إذا كان المنفذ للتطبيع أصدقاءهم وحلفاءهم “تركيا وقطر” نموذجا.. والتفاوض مع العدو خيانة ان قام به الآخرون أما إن سلكوه هم فهو أمر مشروع، وعند تفحص قائمة الخصوم والأصدقاء نجد أن الفرز يقوم بناء على مصلحة الحزب وليس مصلحة الشعب والأمة إلا في حال تقاطعها مع مصلحة الحزب.. و ونشأ بناء على الروح الحزبية شبكة علاقات بين الأحزاب الإسلامية ذات اللون الخاص وأخلاق حزبية وقيم حزبية تكرس روح الانفصال عن الشعب والأمة وكأن هناك أمة أخرى داخل الأمة.. ونتيجة الانحسار النفسي “الغيتو” هذا نجد ان الحزب الإسلامي يكاد يكون محروما من مثقفين ممتازين او مفكرين نوعيين او علماء دين مرجعيين أو خطابا دينيا ناضجا علميا رصينا.. بل نجد كل عملية التفكير والنهضة باللغة والثقافة خارج الحزب الإسلامي الذي ينظر إليها بعين الريبة وقد أصبح ساكنوه من أنصاف المتعلمين والمثقفين والسياسيين وان كثرت فيه التخصصات التقنية يكررون مصطلحات حزبية وثقافية حزبية وكأن العالم كله يدور حولهم.. ومن هنا تتكرر انكساراته وهزائمه مهما انتفخ بمؤيديه فهم في لحظة المواجهة يتبعثرون على غير هدى..

كلمة قصيرة جدا:

إنه لا يمكن إيقاف سنن الله في الحياة فهي تمضي لغاياتها.. وكما أن الخطأ يقود إلى خطأ أكبر منه فتكون سلسلة الأخطاء هي سبيل الضياع والاستبدال، فإن التراجع عن الخطأ بصحو يدفع إلى انتهاج سبيل الرشد والعمل الايجابي في التفاعل مع حقائق الحياة.. والله غالب على أمره.

 

 

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك