التأسيس الثقافي ثقافة السلع والبازارات ؟ا

وجها لوجه

بقلم :جمال نصر الله

 

لا نستطيع القول بأن كل رجال الأعمال في الجزائر مالهم مشبوه؟ا لأننا بذلك نؤدي دور العدالة بشقيّها القانوني والسماوي وحتى الأخلاقي …إنما كان بمكان القول أن مالهم جامد إلى حد ما في عصر جزائري  لا يحاول أحد الأرباب منهم أن يستثمر في القدرات الإبداعية والفكرية.وكذلك تُلقى عليهم اللائمة يوم لا يقومون بتأسيس فعل ثقافي أو جائزة محترمة تصب في ذات الحقل والمنحى…ولربنا هناك محاولة أو ثلاثة في هذا المضمار لكنها غير كافية بل تمثل قطرة في البحر….هذه الحركية هي التي تنقصنا في الجزائر وبشكل رهيب… زيادة طبعا إلى دور الأجهزة الرسمية والمؤسساتية التي كان بمكان أن تراعي هذا الجانب آجلا أم عاجلا حتى تُرسى تقاليد تتعلم من خلالها  وتتربى عليها أجيال وأجيال . عكس بعض الأقاليم والدول حتى لا نقول الدويلات التي فيها معدلات الفقر على درجات من الصفر…(بل أنت تتفاجىء من بعض الدول في عز الحرب هي أو أن اقتصادها جد مهترىء  تظل تصدر المجلات وتقيم الندوات وتدعو معاهدها إلأى مزيد من الشغف المعرفي ) كاليمن وموريتانيا وحتى جيبوتي وبعض الإمارات الشرقية ….قبل سنة  تقوم إحدى الفنانات المصرية وفاء  الحكيم بالإشراف على مهرجان المسرح المحترف بمنطقة شرم الشيخ..وكان الغاية القصوى من الحدث هو محاولة إلتماس أفكار جديدة في هذا الفن الذي كاد أن يندحر في الوطن العربي بسبب التقلبات السياسية والتحولات الاجتماعية وهلم جرا,,,وكذلك حول مواضيع أخرى  نسمع عنها ونقرأ عنها وجلها يصب في أسئلة العصر والبحث عن قوالب جديدة في شتى مجالات الفن والأدب …وقبل هذا كانت أديبتنا أحلام مستغانمي قد أسست جائزة مالك حداد للرواية.لكن سرعان ما انسحبت هذه الأديبة وصرحت بأن عراقيل تواجههاوأنها لاتستطيع الصمود…كذلك كان للمترجمة إنعام بيوض أن تمر بنفس التجربة وتلقى نفس المصير .وهذا يدل بشكل أو بآخر أن ثقافة التأسيس في الجزائر هي ضرب من الخيال.دون أن نذكر نماذج أخرى فعلت نفس الشيء لكنها اصطدمت بحائط سميك لا أحد استطاع اختراقه…الأمر نفسه ينطبق على ظاهرة غياب المجلات الثقافية والأدبية الفكرية ماعدا بعض الملاحق الصحفية التي بدورها انطفأ شمعها ولم تعد تحافظ على على نسقها العادي بل أغلبها اختفى عن المشهد الثقافي لأنه بالإعتماد عليها الجريدة تموت حسب بعض المدراء…فكان ولا بد أن تُدرس هذه الظاهرة من عدة زوايا وتشرّح لتبيان مواضع الداء…ولماذا النتاج الأدبي يمر بهذه الأزمة الخانقة التي لازمته..هل لأن الجمهور لم تعد تعنيه أفكار الآخرين أم أن الفرد الجزائري اليوم غاطس برأسه في مشاكله الإجتماعية ولا حديث عن قصة أو رواية أو قصيدة في ظل حمى تصاعد الأسعار والتموجات الحزبية النشطة في المواعيد الانتخابية ليس إلا….وكان الذي ختم على كل شيىء هو هذه الجائحة التي لم يعثر علماء العالم على لقاح لها . يقول الفقهاء والحكماء وحتى أئمتنا الأفذاذ بأن الأدب هو روح الأمة وأن الأفكار النيرة هي غذاء الروح والمواعظ والحكم التي هي نتاج كل هذا هي غذاء القلب والخاطر والوجدان…فماهو وزن مجتمع محروم من هذه الأشياء كلها لا يحافظ عليها ولا يطلبها في يومياته…وإلا كان  وظل عبارة عن هيكل أو جسد بلا روح أو طاقة…من الذي سيكتب تاريخ هذا المجتمع إن لم يكن من لدن هذه الأقلام والعقول التي تقاسمه نفس الهم والنعم أو النقم.وتعيش في نفس عصره …لماذا تجد مواطن هذا العصر منخرطا في أشباه القشور فأنت تراه لا يفتح جريدة إلا وبحث مباشرة إما عن الصفحات الرياضية أو عن مربعات الكلمات السهمية…بينما لا تجد من يهتم بقضايا المجتمع وآفاته سوى المختصين ممن هم مدفوعين من مؤسساتهم أو معاهدهم لأجل إجراء هذه الدراسة أو تلك…أما الأخبار السياسية فهي ملهمة رؤساء الأحزاب وأعضاء الحزب أو ذاك  لا غير …أما الذين تجدهم أمام أجهزة الكمبيوتر فلاشك أن أكثر الفئات والشرائح تتلقف الجوانب السهلة والدالة كما أشرنا على عوالم اللهو والترفيه وقلما تجد من يخصص مكتبة خاصة لجمع المعلومات والأفكار ذات الشأن المعرفي… وشحذ شخصيته بشتى الفنون والعلوم والمعارف أويستمع لمحاضرة أو حصة  تعالج آفة أو ظاهرة تنخر يومياته ….هذه هي الطامة الكبرى أو قل المنعرج الخطير الذي وصلت إليه الجزائر بسبب تخلي أجهزة النظام  ورفع يدها عن الدعم كما كان معمول به على أقل تقدير في بداية الاستقلال .ومن جهة رجال الأعمال الذين ذكرناهم وهم يمدون بظهورهم لهذا القطاع الهام الذي يحصّن  الفرد والمجتمع معا بل الأمة جمعاء .من كل خطر فكري آني أو لاحق .حتى أصبح الجزائري فريسة سهلة لكل الأفكار الوافدة أو الطبوع والألوان الفنية فهو كما يقال سريع الإهتزاز لا يملك معدلا من المليغرامات  تمكنه من المكوث على الأرض ولو ليوميات معدودة ….إذا سيبقى الحديث ذو شجون في هذا الجانب لأنه لا ينتهي بمجرد كتابة مقال أو دراسة أو التفوه به في إحدى المنابر أو الجلسات..بل المشكل يكمن في السياسات العامة ورؤية الدولة للثقافة والإبداع في شتى مجالاته…,من جهة غياب الرقابة باسم احترام الحريات والخصوصيات لكن الأمم التي تفوهت بهذه العبارة الأخيرة وعملت بها  كان ذلك يوم كوّنت إنسانها الذي لم تعد تخاف عليه وليس أن يُعمل بها في البدايات كل مرة وهذا عين الخطأ ؟ا

 

شاعر وصحفي جزائري

[email protected]

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك