البيئة النفسية و خطر إجراء التنفيس

مفارقات

بقلم: الوليد فرج

 

من البديهي أن البيئة النفسية الاجتماعية ، التي خلقها وباء كوفيد 19 ، توصف بالشِّدة و الانقباض ، فقد يكون التهدد بالموت أقوى مسبب لذلك ، فما بالك من مُهدد لا مرئي ، وزادت هذا الانقباض ، فروض آليات الضبط الوقائي ، غير أن المؤشرات الاجتماعية ، مازالت توحي بأن الوضع ، لا يتسم بدرجة خطورة ، تستوجب سياسة معالجة خاصة إضافية ، أو التراجع و التخفيف من الإجراءات الاحترازية ، التي تعتبر لحد الساعة الأداة الوحيدة للتصدي لهذا الوباء .

 

إن إجراءات التخفيف من التدابير الوقائية ، المتخذة مؤخرا غير المبرر، و المتمثلة في فتح بعض الفضاءات و المرافق الاجتماعية ، و فتح التنقل و الحركة بين الولايات للتنفيس ، دون الاستناد لأي دراسة او مؤشرات توجب ذلك ، قد يكون مرده الاطمئنان الذي خلقه الخبر الذي أعلنته بعض وسائل الإعلام بنجاح بعض الدول في إنتاج لقاح لهذا الفيروس ، والتعامل مع هذا الوضع القاتل بالتخمين يعتبر مجازفة كبيرة فلحد الآن لم يثبت ذلك ، ولا نجاعة هذا اللقاح . 

من خلال ملاحظاتي اليومية ، أجد أن الإجهاد البيئي النفسي اليومي ، منخفض جدا ولم يصل إلى درجة الخطورة ، التي يزعمها البعض ، فمزال التبادل الاجتماعي إيجابي ، لا يتسم بأي عداونية ، ولم يظهر عليه أي ملمح يوصف بالخطر ، والشاهد عن ذلك لم نسجل أي ظواهر اجتماعية أو سلوكات خطيرة أو مؤشرات مرتبطة بالوضع المنقبض ، تدل على أن الحالة الإجتماعية العادية في خطر ، ويمكن رصدها و اعتمادها كمؤشر يوحي بالخطر ، لأنه في الغالب تظهر أول أعراض هذا الانقباض داخل الأسرة ، (عنف اسري ، حالات طلاق ، هجر عائلي …) .

 ففي بداية الوباء ، مثلا سجلت الصين ارتفاعا ملحوظ في نسب الطلاق ، جراء النظم المعيشية الجديدة التي فرضها الوباء ، لا سيما الحجر المنزلي ، و رصدت الكاتبة بيل ترو -في تقرير نشرته صحيفة إندبندنت البريطانية ارتفاع نسب العنف المنزلي ، جراء فرض الاحتباس المنزلي بسبب كوفيد 19 .

يعتبر التضامن الاجتماعي كقيمة اجتماعية راسخة داخل المجتمع الجزائري ، واحدة من أكبر الأدوات التي قد يغفل الدارس عن اهميتها ، و دورها في التخفيف من وطأة آثار هذا الوضع ، لاسيما بين الفئات الهشة ، فصور التكافل الاجتماعي لا تتمثل فقط في تلك القوافل المسيرة إلى المناطق الاجتماعية المتضررة ، أو في صور الهبات الشعبية صوب ضحايا كارثة أو وضع استثنائي ، إن الوجه المستتر من التكافل الاجتماعي في الغالب يكون تكافل عائلي ، تخرج خلفيته عن ذلك التضامن الميكانيكي الإنساني العام ، بل في الغالب يكون مؤسس على دواعي دينية عاطفية ، مما يساعد على استمرار تحدي الأوضاع المادية القاسية ، التي خلفها هذا الوضع .

في ظل نسب و مؤشرات إنتشار الفيروس و عدد الإصابات اليومية ، المستقرة منذ أيام في 500 إصابة ، وما يتبعها من سلسلة العدوى المفترضة ، يعتبر معه رفع بعض الموانع مجازفة خطرة ، لاسيما فضاءات الاجتماع الفصلي الترفيهي كالشواطئ ، التي يصعب تسييرها في هذا الظرف ، فمن غير المعقول مراقبة وتسيير حشود وما يتبعها من فوضى ، سوف تنتشر على شريط ساحلي ممتد على 1200 كلم ، كما يعتبر فتح المساجد ، دون جدوى اجتماعية ، فالغرض منها التعبد ، وهذا الأخير لا يتعطل بغلقها ، إنما يعتبر فتحها مجازفة أخرى ، لاسيما في مناطق و بؤر انتشار الفيروس و تعتبر الاحترازات في مثل هذه الفضاءات دون جدوى ، فالتباعد أثناء الصلاة ، يصبح تقارب بعدها ، كما يعتبر انتشار استعمال الكمامات الغير طبية ، خطر آخر . 

أن المفارقة الحقيقية ، التي تفشل و تعطل انجلاء هذا الوباء عنا ، وشفاء الوطن منه ،  هي التناقض الذي تمارسه بعض الجهات الرسمية والغير رسمية ، الذي سوف يبعث الشكوك في نفوس المواطنين ، حول جدية تدابير الوقاية ، فمن غير المعقول أن الدولة التي تسن نظم ، و تفرض ضبط اجتماعي من خلال فرض إجراءات وقائية تكون هي أول من ينتهكها ، فبينما أنا اخط هذه الكلمات ، هناك تظاهرة في قصر المعارض ، افتتحت بمعرض للباس الجزائري ، من طرف وزيرة الثقافة و الفنون ، و كثيرا ما طلعت علينا بعض القنوات التلفزيونية ببرامج جوفاء دون أدنى إجراءات وقائية بين مشاركيها ، هذا الاستهتار العلني ، يعزز الشك قي نفوس المواطنين حول هذا الوباء ، فالكثير منهم مزال غير مؤمن ، بقصة كوفيد 19 ، و يعتبرونه مجرد مؤامرة امبريالية ، وآخرين يرون أن التشديد في إجراءات الحجر و الوقاية ما هو إلا وسيلة لحبس عن الاحتجاجات الاجتماعية .

ومع هذه التصرفات غير المسؤولة لبعض الجهات ، في ظل هذا التسيب ، سوف تتعطل كل تدابير مواجهة هذا الوباء ، فمن يوم الترخيص لحزبي السلطة البائدة بعقد جمعياتهم العامة ، كثر الحديث حول ازدواجية التعامل مع هذا الوضع ، فقد بالضرورة السياسية ، فما الحاجة إلى تنظيم معرض “نتاع قش” ؟ .

إن الجهود المادية و المعنوية الكبيرة و المضنية التي بذلتها الدولة و المجتمع المدني الحي في التصدي لهذه الجائحة ، من إعانات و نشاطات توعية و تعقيم و تضامن و تكافل ، لا يمكن المجازفة بوضع بين يدي مجموعة من المرهقين و المتهورين تلعب فعلى الجهات الرسمية العليا لهذه البلاد التدخل العاجل لتصحيح الوضع بدءا من مراجعة القرارات الأخيرة القاضية بتخفيف الإجراءات الاحترازية ، إلى مراقبة نشاط بعض الجهات الرسمية ، و غير الرسمية ، كما المجتمع المدني الحي ، الذي قام بدور فعّال إبان هذا الوباء ، الشجب العلني لهذه لرعونة هذه السياسات ، و رهق هذه التصرفات ، كما ننبه القنوات التلفزية إلى احترام تدابير الوقاية لاسيما وضع الكمامات أثناء البرامج الجماعية وفرض تباعد جسدي بين الحضور ، كسلوك يعكس احترام التدابير المفروضة على الجميع ، وإن كان البرنامج مسجل قبل وباء كوفيد 19 ، عليها الإشارة لذلك ، احتراما للمشاهد .     

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك