الباكلوريا تؤخذ ولا تعطى

الباكلوريا وحدود القرار السياسي

بقلم احسن خلاص

فاجأت وزارة التربية الأسرة التربوية وشركاءها والاجتماعيين بقرار تخفيض معدل القبول في البكالوريا إلى ما دون المعدل المتعامل به منذ إنشاء هذه الشهادة في الجزائر والمعدل المعمول به عالميا الذي هو جزء من التقاليد التربوية التي لا تقبل الاستثناء إلا في الحدود البيداغوجية التي يوفرها رصيد المترشحين وحصادهم الدراسي.

ولم تكلف وزارة التربية نفسها عناء تقديم تفسيرات تجيب بها عن علامات الاستفهام التي أظهرها الشركاء قبل وزارة التعليم العالي التي عليها أن تتهيأ لاستقبال أمواج من الطلبة الجدد في الجامعات في الوقت الذي أحدثت فيها جائحة الكوفيد ارتباكا لدى المصالح البيداغوجية ومصالح الخدمات الاجتماعية الجامعية يتعلق بتعاملها مع إلتدابير الوقائية لاسيما احترام التباعد وضمان خدمات إطعام ونقل في ظروف صحية تستجيب للمعايير المطبقة في الحياة العامة.

وتكمن المفارقة في أن ما كان ينتظره المسيرون لقطاع التعليم العالي هو أن لا ينتج النجاح في امتحان البكالوريا هذه السنة النسب ذاتها التي كانت تلتحق بمقاعد الدراسة الجامعية في السنوات الماضية وأن يكون للجائحة تأثير سلبي يساعد على خفض نسبة النجاح إلى أدنى مستوياتها إلا أنها تفاجأت بقرار سياسي إرادي وبيروقراطي يتجه تماما عكس تلك التوقعات مما من شأنه أن يحدث طوارئ على مستوى المديريات الجامعية ومديريات الخدمات الاجتماعية.

غير أن المشكلة لا تتوقف عند الصعوبات التي قد يحدثها القرار على طاقة استيعاب الجامعات ومعاهد التعليم العالي بل تمتد لتعيد إلى السطح الحديث عن واقع قطاع التربية والتعليم برمته والاشكالات التي يطرحها القرار السياسي المرتبط بهذا المجال الحساس الذي يبحث عن الاستقرار على جميع الجبهات. ولعل أول هذه الإشكالات وأهمها إبعاد القرار التربوي عن التأثيرات السياسية وعن الارتجالية واخضاعه للدراسة والتمحيص من قبل المؤهلين لمناقشة دوافعه وأهدافه ووسائل تحقيقه.

ويبدو من قرار وزارة التربية خفض معدل النجاح في امتحان البكالوريا الى 9 من 20 أنه لم تحترم فيه أي من هذه الأسس وأنه قرار بيروقراطي بامتياز، وفي انتظار تفسيرات إضافية من الوزارة الوصية فإن خبرا مثل هذا بقدر ما أدخل الارتياح والسرور على التلاميذ أنفسهم فقد كان مصدر قلق لدى المختصين في الشأن التربوي إذ ضرب عرض الحائط بما تبقى من التقاليد التربوية التي أبقت من رفعة التعليم في حدود دنيا بالرغم من الهزات التي عرفتها المدرسة الجزائرية بفعل تحويلها إلى حقل تجارب متكررة.

لا شيء في حدود المعايير التربوية يبرر هذا القرار وحتى التذرع بالظرف الصحي الاستثنائي لا يجد صدى لدى الأطراف المدعوة لتنفيذ القرار فضلا عن المجتمع الذي يرى في الطابع الارتجالي الذي يميزه استخفافا بالمنظومة التربوية بشكل عام وبشهادة البكالوريا بشكل خاص. لقد حق لكل من استقبل هذا القرار “الغريب” أن يتساءل عن جدوى تلك التدابير المشددة ازاء تسريت مواضيع امتحان الباكلوريا الى درجة جعلت القضاء يسلط على المتورطين فيها عقوبات سالبة للحرية وما الفائدة من التشديد الصارم تجاه ظاهرة الغش أمام هذا القرار الذي من شأنه أن يميع امتحان الباكلوريا ويجهز على ما بقي في شهادته من قيمة معترف بها لدى المؤسسات الوطنية والدولية.

وليست هذه المرة الأولى التي يقع فيها القرار التربوي تحت مطرقة الارتجالية السياسية والبيروقراطية فقد سبق أن نقل السيد عبد المجيد تبون الوزير الأول من منبر المجلس الشعبي الوطني عن الرئيس بوتفليقة قرار عقد دورة ثانية للمتأخرين عن امتحان البكالوريا لعام 2017 على مرأى ومسمع وزيرة التربية بن غبريط التي “افتجأت” واندهشت وهي تستمع إليه مع بقية الرأي العام في بث تلفزيوني مباشر بعد أن أقسمت بأغلظ الأيمان أنها ستطبق القانون بصرامة. وكانت الوزيرة ذاتها قد تعرضت لموقف لا يقل سوءا بعد أن قررت تخفيض أيام عطلة الربيع من السنة ذاتها من 15 يوما إلى عشرة أيام لاتاحة الفرصة لتدارك التأخر في الدروس ومع اندلاع مسيرات احتجاجية على هذا القرار أصدر الوزير الأول عبد المالك سلال قرارا مفاجئا بتمديد العطلة إلى 18 شهرا.

ومن شأن هذا القرار أن يعمق النقاش حول ما إذا كانت الامتحانات الوطنية تربوية أم سياسية ويظهر جليا حدود القرار التربوي في خضم الحسابات السياسية. وعما إذا كان من الصواب تقييم العملية التربوية للتلميذ تقييما سياسيا لا يأخذ بعين الاعتبار انعكاساته على مستوى الأداء البيداغوجي في المؤسسات الجامعية التي سيقسم فيها الجامعيون إلى فئتين فئة الناجحين وفئة المنقذين بعلامة تسعة التي لن تمكن الطالب من حرية الترشح لأكبر عدد من الاختصاصات الجامعية فيصبح الغرض منها ملئ مقاعد الجامعة في الوقت الذي تبحث الجامعات عن تخفيف العدد في ظل ترتيبات التباعد الجسماني.

لقد عانت شهادة البكالوريا لسنوات من التمييع الذي ابتدأ منذ عهد الوزير الأسبق أبوبكر بن بوزيد الذي ارتفعت نسب النجاح فيه إلى أزيد من 70 بالمائة في الوقت الذي كان يتباهى الخطاب السياسي للسلطة ببلوغ أكثر من مليون طالب في الجامعات الجزائرية وبارتفاع عدد الحاصلين على شهادات التعليم العالي في ظرف قياسي أفقد الجامعة مكانتها التي ظلت تحتفظ بها حتى في عز أزمة العشرية السوداء.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك