الانضباط.. الثقافة الغائبة

د. بن عجمية بوعبد الله

أستاذ جامعي وكاتب صحفي

كثير من القيم والسلوكيات التي تبنى عليها الأمم والدول والحضارات والمجتمعات والمؤسسات والأسر لكي تكون منتجة وفعالة وفي الريادة وهو ما يصطلح عليه عموما بفكرة “العقد الاجتماعي” الذي يتعارف عليه و يتوافق على أسسه ومبادئه وقناعاته الأفراد الذين يشكلون هذا المجتمع، وكلما زاد التمسك بهذا العقد احتراما وتنفيذا وتجسيدا كلما ازداد إنتاجية وانضباطا واستمر في الحياة والتأثير أكثر وأكثر، وكلما تراجع مستوى الالتزام ببنود وثقافة وسلوكيات هذا العقد الاجتماعي كلما اضطرب السلوك الاجتماعي والنفسي للمجتمع وأفراده على السواء وتراجع معه الإنتاج الوطني في شقيه المادي والمعنوي.

كثيرة هي القيم والسلوكيات المشكلة لهذا العقد الاجتماعي وقد تحدثنا سابقا عن بعضها كقيمة العمل والمسؤولية والديمقراطية والحرية والتربية والسلوك المتزن والمواطنة والتي تشكل عماد النهضة وأسس الحضارة التي تسعى كل المجتمعات لها فيما يعرف بصراع الحضارات وتنافسها على ريادة وتسيير وحكم العالم وتصدير القيم المحلية له من قبل الحضارة المنتصرة والقوية.

من هذه القيم ثقافة “الانضباط” التي تنبني عليها عديد السلوكيات والمجالات والقطاعات، فالانضباط هو الالتزام بالضوابط الاجتماعية والقانونية التي يفرضها العقد الاجتماعي داخل المجتمع الواحد، ثقافة لا إكراها وقناعة لا فرضا وتربية لا توحشا وهمجية، وهو بمثابة وحدة قياس تقاس بها باقي السلوكيات الأخرى والقيم المثلى داخل المجتمعات، ومما نلاحظه للأسف الشديد أن المجتمعات تتمايز بسبب هذه القيمة الكبيرة المفقودة أو الضائعة أو المتذبذبة في مجتمعات العالم الثالث، ولذلك عندما نسافر إلى البلدان المتطورة فأن سبب انبهارنا وإعجابنا وحتى أحاديثنا عن هذه المجتمعات إنما يتركز بالأساس على الانضباط المبهر الذي نلحظه هناك، وبطريقة سلسلة وعادية حتى تحول الأمر عندهم إلى عادة وسلوك طبيعي تربت عليه الأجيال تباعا.

فلماذا يغيب عنا هذا السلوك القويم؟

– العقلية السائدة والمتوارثة في عدم تحمل المسؤولية ومحاولة التحجج دوما بالآخر وأخطائه دونما تحميل هذه المسؤولية لأنفسنا، ودائما ننتظر من الآخر أن ينضبط أولا دونما فهم أو وعي بأن القيم غير خاضعة للتجزئة أو التصرف فيها، فإما أن نقوم بها جميعا أو تغيب عنا جميعا فبناء المجتمعات لا يقوم على أفراد دون آخرين أو جماعة دون أخرى أو أسرة دون أخرى إنما هو رباط اجتماعي ينخرط فيه الجميع بنفس الربح والخسارة.

– المفهوم الخاطئ عندنا للحرية وممارستها، فالانضباط عندنا معناه العبودية أو فقدان الكرامة والتضييق على الحرية فلذلك لا نعترف لا بقانون ولا بعرف ولا بعقد اجتماعي ولا بعقود العائلة والحزب والدولة والمجتمع، في حين أن الحرية مرتبطة بالمسؤولية والانضباط بالقوانين السارية المفعول وبالأعراف والعادات والتقاليد التي يتعارف عليه المجتمع والدولة معا، ولولا الانضباط لما انضبطت حياتنا ولا سلوكياتنا كأفراد أو مؤسسات أو شعوب ومجتمعات ودول.

– ثقافة الردع الغائبة في فرض القوانين جعل نوعا من التمرد يطبع سلوكنا اليوم، والردع هو تحضر وسلوك عادي وطبيعي يفرض على الجميع احترام القوانين والأعراف والقيام بالمهام المكلف بها ضمن قاعدة: الحقوق والواجبات، صحيح أن القيم يجب أن تتحول إلى ثقافة وقناعة ونحضر لكن لن نصل إلى هذه المرتبة الراقية إلا بالتطبيق الصارم للقانون وتفعيل العقوبات المنصوص عليها قانونا من أجل هذا الانضباط الغائب بسبب غياب الصرامة.

– غياب مفهوم المواطنة القاضي بأن الجميع متساوون في الحقوق والواجبات من دون أي تمييز أو تغليب للدين أو المذهب أو الايدولولوجية أو الجهة أو النسب أو أي فروقات من شأنها إحداث الشرح في النسيج الاجتماعي الموحد لأي مجتمع، وبالتالي قد يغيب الانضباط بكل القيم وليس بالقوانين فقط إذا ما شعر الفرد منا بعدم التساوي أو بالظلم أو الحقرة فينتفض على هذا الواقع بالتمرد على كل شيء، في المقابل كلما ضمن حقوقه وحريته وتواجده ومكانته داخل المجتمع كلما كان فاعلا وايجابيا ومنضبطا وفاعلا وخادما لنفسه ولأسرته ومجتمعه وبلده أيضا.

– تراجع دور المناهج التربوية والمؤسسات الدينية والخطاب المسجدي وكذلك منظمات المجتمع المدني في تفعيل والحديث عن هذه القيمة التي نادرا ما نوليها الاهتمام أو نستشعر مسؤولية أنها المسبب الرئيسي للكثير من مشاكلنا وآفاتنا وتراجعنا وتدهور الكثير من قيمنا، يجب على هذه المؤسسات السالفة الذكر تفعيل دورها والاضطلاع بمهامها فيما يتعلق باستدراك هذا التراجع القيمي الكبير الذي تشهده مجتمعاتنا للأسف الشديد، ولا شيء مستحيل فالاستدراك مهم وممكن مادام توجد الإرادة والحرص على ذلك.

– شيوع ثقافة الرفض: رفض النصيحة.. رفض الاعتراف بالخطأ.. رفض الالتزام بالقوانين.. رفض الانصياع للجماعات الأولية كالأسرة والمدرسة والمسجد والمجتمع، حتى الدين وتعاليمه أصبحت مواضيع للجدل والنقاش بل والتشكيك والرفض أحيانا، والنتيجة شيوع حالة التمرد التي تزداد توسعا وانتشارا في الكثير من ثقافاتنا وسلوكياتنا.

– البحث عن فكرة الخلاص الشخصي والنجاح الشخصي والكسب الشخصي والتطور الشخصي وبكل الوسائل والآليات المشروعة وغير المشروعة في أنانية منقطعة النظير مما أثر على فكرة تطور العقد الاجتماعي التي لا تنجح إلا بتضحيات الفرد وذوبانه الايجابي والمنتج داخل النسيج الاجتماعي للمجتمع الذي يعيش فيه، ولذلك نجد الناس أثناء الأزمات تحتمي فقط بالمحيط الشخصي في حين تتمرد على يمليه القانون أو ما يفرضه الوطن بمؤسساته ونظمه المختلفة.

إن الحد من ظاهرة التمرد على كل شيء وبناء ثقافة “الانضباط” يحتاج حقيقة لوقفة عميقة وإرادة قوية لذلك مع تفعيل حاسم وقوي للأدوار التالية:

– دور المؤسسات الرسمية.

– دور النخب.

– دور المسجد والمؤسسات الدينية.

– دور المدرسة.

– دور الأسرة.

دور الأحزاب السياسية وفعاليات المجتمع المدني.

– دور الإعلام.

– دور الفرد فهو السبب والنتيجة معا.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك