الانتقال الديمقراطي في مواجهة الخطاب التفاهوقراطي

فصل المقال فيما قيل و ما يقال

بقلم: الوليد فرج

 

لعل تناولنا للشأن العام بالنقد ، في شتى ميادينه ، و فواعله ، و أدواته وطرائق تسييره ، يعتبر من بديهيات عمل أي متلقي يدرك أساسيات العملية السياسية و مراميها  ، أو ملاحظ مثقف يستبطن ماينبغيات و حيثيات أعمال السلطة ، باعتباره جزء أصيل في المعادلة العمومية ، لا سيما تشكيل الرأي العام ، وطرف أساس في عمليات عالم الاجتماع و محركا رئيسيا لماجريات الفضاء العام.

لم نقصر حديثنا على أعمال السلطة و منتجات الإدارة ، و الخطاب و التعابير السياسية ، بل نقدنا أحيانا تأخر النخب ، و تراجعهم عن أداء أدوارهم ، و نزوعهم إلى التبسّط في الطرح ، بل سقوط الكثير منهم ، تحت ضغط الوضع أو قلة المُنّة في خوارم الإفراط في التفكّه ، و ضحالة التفاهة ، بتهافت قميء و تعاوم سمج مع العوام ، في الفضاءت السيبرانية ، مما زاد استفحالا للرداءة ، و تراجعا حقيقيا للعملية النقدية ، الذي يدفع إلى تثبيت السياسات العرجاء ، للمتنفذ السياسي بل قد تدعو إلى تغوله . 

 

تهافت النخـب :

 

بمناسبة اختمارات مشروع الدستور ، من يوم كان في طور المسودة لم تتخالق أفكارها بعد ، بل قبل اجتماع أعضائها ، و استشعارا منا بالمسؤولية و حساسية هذا القانون الأساس الأسمى، في سلم تدرج القوانين ، المنظم لسلطات الدولة ، و المرتب للعلاقة فيما بينها ، الضامن للحقوق الأساسية و الحريات ، بيّنا طبيعة هذه اللجنة بعقد مقارنة بين قبول السيد أحمد لعرابة بالمهمة في هذه الظروف التي تعيشها البلاد ، و رفض نظيره الدكتور المهدي المنجرة لنفس المهمة ، رغم عبء الحرج باعتبار الملك المرحوم الحسن الثاني صديق صباه ، والذي استيأس في إقناعه بالمهمة ، رغم الاغراءت و المزايا التي غره بها ، لم يخضع عالم المستقبليات بالمهمة ، وبيننا في مقال حجج الرفض الدامغة لهذه المهمة .

بينما السيد أحمد لعرابة و من ورائه مصالح الرئاسة بثقلها ، يعدِّون تشكيل اللجنة ، لم نسمع إلا ذلك الصوت المبحوح لدعاة ، الجمعية / المجلس التأسيسي ، والذي في الغالب يكون خطاب دون سوق حجج ، كنت قد استعرت رؤى (سي المهدي) في هذا الموضوع ؛ بدأت اللجنة عملها و أنهته بتحضير ما اصطلح عليه بـ : (المسودة) ، التي انبرت لها قطعة من النخبة ، كلفت نفسها بالترافع عنها ، و الدفاع عن مضمونها الذي لم يجف بعد الحبر الذي كتبت به ، دون مراعاة لحساسية الوثيقة و وزنها في عمران الدولة ، و لا استشعارا لحالة الرفض و العتاب الشعبي الذي مازالت ارتداداته ، انكبت هذه الطائفة من المحامين السياسيين ، في خرجات إنشائية و خطب و مرويات ، لا تمت الصلة ، بالجديد و الجدة الذي يعدنا به الرئيس .

 

جناية الفضولي و عيب الإسترآس :

 

لقد تم استغلال مواضيع السياسات العامة ، المعدة و الموجهة للاستفتاء الشعبي ، في زمن الأزمات السياسية ، أو في الظروف العادية ، في كثير من المحطات ، لترقيع شرعية الرئيس أو تقوية مركزه أمام خصومه ، حين يرجع الرئيس بطريقة غير مباشرة يستشير شعبه في نازلة أو موضوع او قضية من القضايا الشأن العام  ، فمتى تماهي و تساوق الشعب مع الموضوع المطروح للاستفتاء ، يعتبر قبولا ضمنيا لسياسة الرئيس و استفتاء جديد عليه ، وبهذا يتدعم مركزه السياسي ؛ و هذا ما استعمله الجنرال ديغول لأربعة مرات ، ولم يخفي فيها إسترأسه بل كان يصارح الشعب الفرنسي بذلك ، بأنهم إذا يصوتون على موضوع الاستفتاء فهم يصوتون على بقاء ديغول أو ذهابه . و نفس السياسة استعملها هتلر و هو يبحث عن الشرعية محاولا استظهار مشاركة الشعب في صناعة القرار و السياسات العامة ، و استباقا لترقيع شرعيته استراس الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة باستفتاء قانون الوئام المدني الغريب .

إن الفئة المتهافتة بفضولها ( الفضولي بمفهومه القانوني) المنتمية إلى السلطة السياسية ، التي خرجت تدافع على مضامين مشروع قانون الدستور ، كأنها في حملة ترويج له ، تكون بفضولها هذا قد أسقطت الرئيس في عيب الاسترآس ، حيث كشف تهافتها الباهت من خلال طرح المشروع بأسلوب غير موضوع و بطريقة اندفاعية اكتنفها الرهق بيّنت كأن الرئيس يبحث عن تزكية جديدة ، في هذا الصدد تناولنا بالدراسة مشروع الدستور في بعض من جوانبه و نشرنا حول ذلك اكثر من سبع مقالات تدور حول مواضيع أساسية أغفلها مشروع الدستور على رأسها مسألة سحب الثقة من الرئيس او ما يصطلح عليه بالاستفتاء الشعبي على ولاية الرئيس قبل نهاية عهدته و بينا إجراءاتها في القانون الدستوري المقارن ، كما بسطنا المقام في الانتهاكات و الجنايات الدستورية ، كما بينا الخطأ الجسيم الذي سقطت فيه المادة 186 المتعلقة بتشكيل المحكمة الدستورية هذا المولود الدستوري الجديد الذي لا نظن انه سوف يرى النور بسبب الخلل الذي اعترى الفقرة الأخيرة من هذه المادة بالقول أن ستة أعضاء من مختصي القانون الدستور يختارون عن طريق الاقتراع العام ! كما تحدثنا مرارا لإعادة صياغة الديباجة كليا و منها إفراد الحراك الشعبي بنصيب وافر من الذكر ، لنتاول بالتحليل حق التظاهر السلمي ،  تكلمنا عن اللغط الذي يدور حول الهوية و طلبنا إعادة توجيه النقاش في ذلك إلى محامد فلسفة الهوية الفردية لأنها تعتبر الحل الوحيد للملمة هذا الافتراق و التغاير الغريب عن المجتمع الجزائري .  

أن الشعب بنخبه ، التي تعتبر النوتيلا و النتفليكس من مظاهر التمدن ، و التي تعيش تهتكا فاضحا ، و سقوط ممجوج في التفاهات فضح مستواها ، ليست بحاجة إلى دستور يضبط حياتها السياسية ، ويرتب الفضاءات العمومية ولا إلى آليات الممارسة الديمقراطية ، بل إلى إعادة رسلكة و تدوير للبنى و هياكل عمليتها العقلية.   

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك