الاعتراف التضامن من أجل مجابهة أزمة كورونا والصدمة النفطية

   بقلم :   الدكتور أحمد مونيس

 ” من الواضح أن الدولة تأتي بالطبيعة قبل الفرد، وإذا كان الفرد في حالة عزلة ومكتفيا بذاته فلا بد أن يرتبط بالدولة ككل، تماما مثلما ترتبط الأجزاء الأخرى بالكل، غير أنه ليس بمقدور الانسان العيش ضمن الحياة الاجتماعية عندما يكتفي بذاته. وفي هذه الحالة لا يمكن اعتباره جزءا من الدولة لأنه يكون إما إلاها أو حيوانا”.       أرسطوالسياسة

يحاول مقالنا الاجابة على مجموعة من التساؤلات المرتبطة بالواقع الجزائري وبالظرف المعاش.

ـــ ماذا نعني بالاعتراف والتضامن ؟

ـــ ما أهمية القيمتان المعياريتان في تعزيز وتقوية المجتمع وخاصة والجزائر تشهد هبة تضامنية من كافة ربوعها ؟

    المجتمع الصحي والسليم هو الذي تميزه روابط ثقافية اجتماعية وكذا معايير أخلاقية تسمح له بالتوحد ولم الشمل وقت الحاجة، لقد أكد أرسطو سابقا على أهمية التفاعلات الاجتماعية، في بناء الدولة وإرساء جذورها. فالإنسان اجتماعي بطبعه، ومن أجل تعامل الفرد مع الفرد وجب الاعتراف به ككيان ومن ثم التعامل معه وهنا تتشكل الدولة، قد يظهر أن الاعتراف يعبر بشكل ما عن فهم تجريدي أو أخلاقي للسلوك وللعلاقات الانسانية، وتسيطر عليه مضامين معيارية لا علاقة لها بالضرورة بحركية الواقع وبالعلاقات التذاوتية أو بمسار مجتمع والحال أن الاعتراف إلى جانب الثقة يمثلان أهم أسس الفكر العصري والنظر الحديث للإنسان وللعمل والابداع في أفق إغناء الرأسمال الرمزي والاجتماعي، من هذا المنطلق ستؤكد لاحقا الفيلسوفة الأمريكية لاحقا “نانسي فرايزر” على ضرورة خلق التفاعلات الاجتماعية لاستحضار الاعتراف ومن ثم استحضار الابداع والتطور.   

فما يشهده المجتمع الجزائري في ظل أزمة كورونا والصدمة النفطية لدلالات واضحة أن المواطن يحمل معه هموم الدولة وخصال المواطنة والتي تتمثل في قيم التضامن والتعاون وروح المسؤولية. فالواقع المعاش يفرض على مجتمعنا أن نعزز من لحمة الوحدة الوطنية.

تابعت في الإعلام على غرار الجزائريين وصول عشرات القوافل الغذائية إلى ولاية البليدة كونها الأكثر تضررا من جائحة كورونا وكذا مفروض عليها حجر صحي، وهي كلها سمات التحضر والتحلي بروح المواطنة وتحمل في جوانبها دلالة الفرد المواطن القادر على تخطي أي ازمة تواجه البلد.

الإعتراف والتضامننحو تأسيس لفلسفة اجتماعية

إن المنظومة الثقافية الجزائرية في حاجة ماسة إلى تعزيزها بفلسفة اجتماعية la philosophie sociale والتي هي من منظورنا عبارة عن منهج وآلية في التفكير في الكثير من القضايا الاجتماعية وهي متميزة عن الفلسفة السياسية التي تهتم بنظرية الدولة وانظمة الحكم.

أما الفلسفة الاجتماعية فهي تهتم وتلامس عمق المجتمع تهتم بمشاكل الفرد وتؤصل للحلول لجملة من المشاكل كالاحتقار والظلم الاجتماعي أو ما يسميها (هوركهايمر وأدورنو وماركيز) بالأمراض الاجتماعيةles pathologies sociales  التي تحول دون تحقيق مجتمع ناجح. حيث بحث هؤلاء الفلاسفة في هذه الأمراض وأرجعوها إلى سبب واحد حسبهم هو هيمنة العقلانية الأداتية على مجموع الحياة الاجتماعية بحيث تتحول هذه العقلانية إلى عائق حقيقي للتطور الاجتماعي، ويمكننا أن نشخص مجتمعنا فنجد كذلك هيمنة خطاب الكراهية والعنصرية خاصة في هذه الأشهر الأخيرة والذي وجب مجابهته بنصوص فكرية وكذا حملات توعوية. يتولد عن هاذين السببين “العقلانية الأداتية وخطاب الكراهية” طابعي الاغتراب والتشيؤ مثلما أشرنا الأمس في مقالنا السابق الصادر بجريدة الوسط الجزائري.

لقد سبق لهيجل وأن بحث في سبل إتيان السعادة ببحثه عن الرغبة الحقيقية للإنسان، بحيث تكون تلك الرغبة المنشودة هي توفير السعادة. وهنا يتفق مع أرسطو من جانب إيتيقي وهو أن غاية الأخلاق هي السعادة وبلوغها، في سياق بحث هيغل حول سبل السعادة لاحظ أن عملية بلوغها يحركها طموح عميق لدى الانسان في علاقته بالإنسان، لأن كل واحد يريد أن يكون معترفا به من طرف الآخرين بوصفه وعيا بالذات، إلا أن هذه الرغبة تمر عبر نضال يبذل كل واحد بواسطته المجهود الضروري لترجمة الاعتراف إلى إحساس بالرضا وإلى أفعال وعلاقات، من هذا المنطلق تجربة الاعتراف هي قبول وطمأننه ورضا داخلي ما يسمح بتعزيز الثقة بالنفس، وترجمة تلك الثقة بين أعضاء المجتمع، فالسلام والبناء والتكامل هي من أهم نتائج الاعتراف.    

هذه المقاربة قد سبق وان وظفتها ألمانيا وعملت بها في سبيل الخروج بمجتمع صحي. فالفيلسوف الألماني المعاصر أكسل هونيث والذي يشغل مدير معهد فرانكفورت باعتباره مواصلا ودارسا للإرث الهيجلي، قد طرح مبادرة الاعتراف بوصفها تتويجا للفلسفات الاجتماعية المؤسسة على يد كانط ثم هيجل ومن ثم هوركهايمر ماركيوز وأدورنو أو الجيل الأول لفرانكفورت ثم هابرماس والفعل التواصلي إلى غاية هونيث والذي صاغ مفهوم الاعتراف والذي يتشكل من ثلاث قيم معيارية هيالحب، الحق والتضامنكسبيل وحيد لإرساء قيم التضامن  والقضاء على الاحتقار والجور والظلم. اننا ندعو إلى توظيف وتشجيع كل هذه الأفكار في مجتمعنا بما يلائم قيمه نحو الخروج من الأزمات ومجابهتها.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك