الاستفتاء الشعبي على ولاية الرئيس

رؤى دستورية

بقلم: الوليد فرج

إن الثورات الناعمة في غالب دوافعها ، إذ تصبو إلى تغيير أوضاع سياسية ، من خلال استرجاع السلطة. و سيادة الشعب ، لتجسيد إرادته ، بإسنادها إلى شخص أو فئة ، يرتضيهم بكل حرية ، من خلال استفتاء شعبي مباشر حر و نزيه.

الاستفتاء له أنواع عدة ، فقد يكون دستوريا يتعلق موضوعه بوثيقة الدستور ، وقد يكون سياسيا ، يرتبط بأمور السياسة العامة .

فهل يمكن أن يتعلق الاستفتاء بولاية الرئيس ؟ وإنهائها أو تقليصها ؟

الاستفتاء الشخصي :

الاستفتاء الشخصي هو  واحد من الاستشارات الشعبية ، التي يتعلق موضوعها بشخص رئيس الدولة و عرضه على الشعب للموافقة على عزله أو الإبقاء عليه رئيسا ، ويطلق عليه بالفرنسية (‪Plebiscite) و ترجمتها الأستاذ الدكتور (ماجد الحلو)بـ : (الاسترآس)   . وأطلق عليها البعض الاستفتاء الشخصي ، غير اننا نرى أن مصطلح الاسترآس يكون أصلح حين تستوجب الانتخابات الرئاسية ، انتخابات أولية داخلية للفوز بالترشح للانتخابات الرئاسية ، كما هو معمول به في النظام الأمريكي ، وقد يتخذ مصطلح الاسترآس وجها لمعنى آخر يطلب فيه الرئيس الثقة و المساندة من الشعب ، بطرحه لمسائلا متعلقة بالحكم أو السياسات العامة ، للاستفتاء ، ليوحي بديمقراطيته ، كما فعلها الرئيس بوتفليقة مع سياسة الوئام المدني و المصالحة الوطنية ، أو كما فعلها هتلر عندما وثب على السلطة ، للإيحاء الرأي العام الداخلي و الدولي أنه يحكم بإرادة الشعب ، وكذلك الحال بالنسبة للديغول الذي لجأ إلى هذه الاستفتاءات أربعة مرات ، الذي كان يعلق بقائه في الحكم على نتائج الاستفتاء ، رغم عدم تعلقها بشخصه ، حيث كان يقول :(ستقومون بالتصويت على قضية لكنكم في نفس الوقت ستجددون ثقتكم في ديغول) .

نعتقد أن الأستراس يختلف مفهومه عن مفهوم الاستفتاء الشخصي الذي يتعلق بانقضاء ولاية الرئيس وهذا الاستفتاء قد يكون شخصيا وقد يكون دستوريا وهنا يتخذ إحدى الصورتين :

الصورة الأولى :

يُلجأ فيها للشعب من خلال الاستفتاء على انقضاء ولاية رئيس الدولة ، بموجب نصوص دستورية تجيز مثل هذا الاستفتاء بشروط برلمانية خاصة و حدود معينة ، مثلما حدده الدستور الألماني لسنة 1919 ، و الدستور النمساوي لسنة 1929 و دستور مصر 2014 و دستور تونس 2014 .

الصورة الثانية :

هي ما يطلق عليها بالاستفتاء الدستوري وفيها يستفتى الشعب من خلال مقترح من البرلمان على تعديل النص الدستوري المتعلق بولاية الرئيس ، فينتج عنه انقضاء ولايته .

ومنه يمكن ان نضبط مفهوم الاستفتاء الشخصي. كطريق برلماني لانقضاء ولاية الرئيس بأنه (عرض اقتراح عزل رئيس الدولة ، من منصبه قبل انتهاء ولايته على الشعب للاستفتاء فيه ) وهو ما تناولته المادة 43 من دستور فايمر الألماني الصادر 1919 التي أجازت بعزل الرئيس قبل انقضاء ولايته الرئاسية ، بناء على اقتراح من مجلس الريخستاغ (المجلس الشعبي) بأغلبية ثلثي أعضائه ، ويجري استفتاء لهذا الغرض و بناء على النتائج يعزل الرئيس إذا تحققت الأغلبية اللازمة في الاستفتاء ، بيد أنه إذا كانت نتائج الاستفتاء ضد عزل الرئيس ، تعتبر تجديدا للثقة فيه ، ويحل الريخستاغ وجوبا .

وبهذا اخذ الدستور الأيسلندي و الدستور النمساوي 1920 المعدل سنة 1929  في الفقرة 06 من المادة 60 و الدستور الاسباني لعام 1931 في مادته 82 و ما نصت عليه المادة 95 من الدستور الروماني لسنة 2003 التي اشترطت ارتكاب الرئيس أفعال خطيرة ؛ وقد وقع تطبيق فعلي لهذه المادة عام 2009 عندما علق البرلمان منصب الرئيس ترمان باسيسكو وطرح موضوع عزله و انقضاء ولايته على الاستفتاء الشعبي و الذي نجى من العزل بسبب عدم توفر نصاب مشاركة الناخبين في الاستفتاء  التي يشترطها الدستور والتي يجب أن لا تقل عن 50% .

هناك من الدساتير التي راحت إلى ابعدمت هذا بإعطاء حق اقتراح عزل الرئيس الى الشعب مباشرة كما هو الحال في الدستور الفنزويلي الصادر عام 1999 المعدل عام 2009 حيث نصت المادة 71 منه بالقول :

(يمكن ان تعرض القضايا ذات الاهمية الوطنية الخاصة على استفتاء استشاري بمبادرة من رئيس الجمهورية في مجلس الوزراء او باتفاق الجمعية الوطنية المصدق بتصويت أغلبية اعضائها او بطلب عدد لا يقل عن 10 % من الناخبين المقيدين في السجل المدني الانتخابي)  ، وقد لجأ فعلا الشعب الفنزويلي للممارسة هذا الحق الدستوري عام 2004 عندما جمعت المعارضة ملايين التوقيعات للمطالبة بإجراء استفتاء حول تقصير مدة ولاية هيغو شافيز و جرى الاستفتاء فعلا و أسفرت نتائجه برفض المقترح بنسبة 60 % .

اما مصر فانتظرت حتى سنة 2014 لسن المادة 161 في دستورها المعدل التي أوضحت طريقة انقضاء ولاية الرئيس عن طريق الاستفتاء الشخصي وكذلك الحال بالنسبة للدستور التونسي .

ان الاستفتاء الشخصي كطريق لانقضاء ولاية رئيس الجمهورية بالطريق البرلماني يعتبر أسمى أوجه طرق الرقابة الشعبية و التجسيد الفعلي لقاعدة الشعب هو مصدر كل السلطات و صاحب السيادة التامة .

فلماذا أغفلت مشروع الدستور و قبله الدساتير السابقة لهذا الحق الشعبي الرئيسي .

فمن له حق التولية له حق العزل.

 

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك