الاستعمار ووهن المثقف

عن عودة جماجم المقاومين الجزائريين

 

د. سامي الزيدي .العراق

 

لم يدرك الإنسان إلى الآن حقيقة وجوده على الأرض ، رغم كل ما قام بإنجازه ورغم كل الفلسفات والأفكار التي تناولت هذا الموضوع إلا أنها جميعها ظلت في طور التنظير ولم تتجاوزه إلى التطبيق ، عانى وما زال يعاني بنو البشر عقدة الانتصار على بعضهم البعض فنلحظ تاريخ البشرية لنجد بقع الدماء منذ وطئ الإنسان الأرض وصور الجريمة ماثلة في اغلب صفحاته، فملايين من البشرية أهدرت دمائهم وعذبوا واضطهدوا وسيقوا دون جرم إلى مقاصل الموت وأزهقت أرواحهم دون ذنب . صراع طويل لا ينتهي وموت زقوم يتجرعه بنو الانسان من بعضهم البعض، مؤكدا لم تكن غاية خلق الإنسان لهذا الهدف مطلقا، إنما خلق لأسمى من ذلك الهدف الوضيع هدف الانتصار والغلبة والتمايز على البعض .

لا يوجد على الأرض من يتبجح بأنه نظام عادل مهما روج لنفسه ومهما صور نفسه بصورة العدالة وارتدى لباسها ، ولا يغرنا اليوم ما تفعله أوروبا من ترويج لنفسها بأنها العادلة والأكثر حماية لحقوق الإنسان ، أي إنسان الذي أعطته أوروبا حريته ومنحته حقه ، وهي تسعى دائما بكل الوسائل وتحشد كل الجهود للسيطرة على الشعوب واستغلال مواردها وفرض الهيمنة عليه، وتجنيد أراذلها لخدمة مصالحها الدنيئة .

ليس بالبعيد على الشعوب العربية ما قاسته من الأوربيين من دمار واستعمار وانتداب ، تحت ذرائع واهية وما زالت تخطط الى ذات الاستعمار ولكن بأساليب جديدة توهم من خلالها الشعوب ذات التفكير البسيط أنها راعية وحامية ومدافعة عن حقوقها . وما زال الأراذل من شعوب تلك البلدان يلعقون بألسنتهم كالكلاب موائد المخططات الأوربية ويتملقون إلى أولئك المجرمون ليهتكوا شرف بلدانهم ويفتحوا أبواب حصونهم مخاتلة لدخول أولئك الأوربيين الحاقدين مهما ابرزوا لنا صور الابتسامات الكاذبة ,

منذ عام 1849م عندما قامت الثورة في الزعاطشة الواحة الجزائرية الحرة التي كانت تدافع عن نفسها وشرفها وعرضها ببسالة منقطعة النظير ، كان اللعاب الفرنسي يسيل على مدن الجزائر وواحاتها ، يريد استغلال البلاد وينهب خيراتها وما زال الى الان يعد تلك البلاد من ممتلكاته وان لم يعلنها بشكل رسمي.

كانت جرائم النظام الذي يدّعي الحرية والتحرر وحقوق الإنسان يندى لها جبين الحجر ، فقد استباحوا المدينة وقتل الناس فيها وروعوا أطفالها ونساءها وعلقوا رؤوس ثوارها على المداخل وفي الأماكن العامة ، ثم نقلوا الرؤوس إلى باريس مدينة الحرية وهناك وضعت في متحف الإنسان 18000 جمجمة بشرية من شعوب إفريقيا واسيا ولازالت تلك الجماجم البشرية في معتقل الحرية لم تدفن بعد وهي شاهدة على جرائم انسانية لم تعتذر عنها ولم تنزلها حيث يجب أن تكون، ونحن نشاهد عودة جثامين 24شهيد من ذلك المتحف إلى بلادهم الجزائر ليتم دفنهم في أرضهم التي ماتوا من أجل أن تستمر فيها الحياة . فلم تستحِ فرنسا إلى اليوم أن تنزل تلك الجماجم البشرية من متحفها الذي أطلقت عليه متحف الإنسان لتواريها الأرض وتعتذر لأبنائهم عن جريمة الآباء الفرنسيين الذين انتهكوا حرمة البلدان وقتلوا أهلها. فهل نحتاج شاهدا أكثر من هذا الشاهد دليلا على جرائم أهل الحرية والتحرر.

لقد اعتادت السياسة الأوروبية أن تهاجم لكي تجعلك تدافع فتنشغل عنها بالدفاع عن نفسك ، أو تشغلك بمشاكل داخلية وحروب وثورات وانقسامات كي تمرر مشاريعها الاستعمارية وتجند من يقوم بتلك المهمة من أبناء الشعوب دون أن تدخل نفسها في أجواء الصراع ثم تجعلك تهرع إليها تطلب العون منها والمساعدة .

إننا نقرأ التاريخ في آسيا وإفريقيا ونعتقد ان الاستعمار صار تاريخا والصحيح أن الاستعمار لم ينته إنما أصبح اكثر حيوية وتطور ، بعد تطور الفكر والتكنولوجية والأساليب الحديثة . والعجيب أننا نقرأ جرائم الاستعمار الأوروبي والأمريكي ولا نطالبه بموقف معلن عن تلك الجرائم مع أن تاريخها قريب، وما زلنا نعتقد أن أوروبا بلاد الحريات والإنسانية وأننا شعوب الموت والجريمة ، والحقيقة أن الاستعمار ومخططاته هو من يجند المجرمين والبطالين والمرتزقة ويلبسهم لباسنا ويعطيهم صورنا ليرسم لنا صور المجرمين في نظر شعوبهم كي يبرر لهم تواجده في مجتمعاتنا وتدخله في حياتنا وسياساتنا ، على انه المنقذ والمحرر ، وهو في الحقيقة الجاني ونحن المجنى عليه تاريخا وحاضرا .

سعت أوروبا منذ الاستعمار إلى تجهيل الشعوب ، وخلق الفتن بينها وتقسيمها إلى طوائف وقوميات مستفيدة من هفوات التاريخ لتبرزها وتعطيها ثقلا عدائيا ، لتشغل فيها تلك الشعوب فتصبح مغلوبة على أمرها مقسمة مشتتة ممزقه ، فتزرع فيها العملاء والقادة الجواسيس ، فتكون على الدوام في غليان وثورات وصراعات فيذهب خيرها وتنعدم حياتها وتصبح صيدا سهلا لمخططات الاستعمار يقسمها بينه كيف شاء .

ان ما يقال عنه سيادة واستقلال لهو أضحوكة كبيرة، بثها الاستعمار بيننا ليقنعنا انه بعيد عن المشهد، أن الاستعمار لا زال قابعا على صدورنا ولم يخرج كل الذي حدث أن الأساليب تغيرت وطرق التعامل مع الشعوب استبدلت بغيرها لكن من المضحك القول أن المصالح الأوروبية يمكن أن تتوقف عن تلك الشعوب ، أو أن الاستعمار والهيمنة من الممكن ان يفك اذرعه عنها لتتنفس من جديد، أن الحل يكمن في المراجعة الحقيقة للتأريخ وتفكيك مشاهده ، وفهم نمط التعامل الاستعماري مع الشعوب، والعودة إلى قراءة واقع الخلافات بين الشعوب المغصوبة، وتجاوزها، ثم الإيمان بقدراتنا على النهوض والتطور وعدم الاتكال على ما تجود فيه أوروبا وأمريكا علينا من نظريات وخبرات، بعد قراءة معمقة بالمصالح الاستعمارية ومخططاته، إيمان المثقف العربي بأن التلاقح بين الحضارات أمر ضروري ، ولكن التلاقح لا يعني أن أرتمي بحضن الآخر فأستورد فكره ونظرياته واجترها دون أن أكلف جهدا بمراجعتها ودراستها وإعادة إنتاجها بعد مزجها بفكر وحضارة البيئة العربية .

إن شعور المثقف العربي بالدونية والوهن جعله لا يعتقد بقدرته على الإنتاج والإبداع والابتكار ولعل فكرة العجز والوهن دخلت على الذهنية العربية من جراء ما بث على تراثنا من تشويه المستشرقين وحملاتهم التي نالت من الكثير من قدرتنا وجعلتنا نعتقد بعدم القدرة فأصابنا الوهن ( أي نفعل فعل الضعفاء ونحن الأقوياء) فعودة المثقف إلى تقييم انجازاته والثقة بنفسه تجعل المجتمع يثق به، فتنتهي القطيعة بينه وبينهم ، فيكون عمل المثقف النزول إلى المجتمع ليحمله معه لا أن يصعد ويترك مجتمعه ، فيصغر بحيث لا يرى ولا يشعر بتأثيره فتتيه العامة من الناس وتصبح فريسة سهله ولقمة سائغة لمخططات الاستعمار وأذنابه الأرذلين .

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك