الاستبداد دواء كورونا

عندما تكون الحرية عميلا للعدو

بقلم: احسن خلاص

 

يواصل العالم إحصاء الحصائل اليومية للحرب العالمية التي أعلنها كورونا منذ أكثر من شهر ولم تضع بعد أوزارها، ولا يبدو أن عدو البشرية الجديد على استعداد لوضع السلاح وهو يحقق الانتصارات تلو الأخرى ويظفر بمساحات لم يكن يحلم بها قبل نصف شهر من الآن في ظل جدل واسع قام بين بني الإنسان في كل أركان الأرض حول طبيعته وكنهه والحكمة من غزوه وهو الجدل الذي انخرط فيه الفلاسفة ورجال الدين أكثر مما أقحم فيه أهل المعرفة العلمية الوضعية والتجريبية.

 

لقد صارت التجربة الصينية في تحرير يوهان ومن حولها من الاحتلال الكوروني تقدم دروسا جديدة عن مجتمع ونظام سياسي واجتماعي متين ونسق حضاري ضارب في عمق التاريخ، فهم مبكرا أن ضرب العدو وإصابته في مقتل يمر حتما بمحاربة جميع العملاء مع الغازي عن وعي أو دونه وعن سبق إصرار ودراية أو عن جهل وعمي وعنجهية بالتعامل باستخفاف إزاء التوجيهات التي يوصي بها جنرالات الصحة العمومية وهم يتقدمون الصفوف الأولى على جبهات القتال.

قد يقال الكثير عن نظام الحكامة المعتمد في دولة الصين، فهو نظام عدو للحريات والاختلاف، نظام شمولي أرعن قدم في ساحة تيان ان مان أحسن التعابير عن نزعته القمعية الاستبدادية لكن العالم اكتشف ما فيه من فوائد في زمن الحرب فقد قررت الحكومة الصينية دون سابق إنذار وتوعية أن تضع مرة واحدة ما يقرب من 50 مليونا من السكان في حجر تام بما يصحبه من التزام بسلوكات مؤلمة تحملها الصينيون دون أن تتاح له فرصة النقاش.

يروي من انخرط في اللحظات الأولى لحرب التحرير الجزائرية أن المعركة الأساسية في البداية لم تكن مع الاحتلال بقدر ما كانت منصبة حول إشراك أكبر قدر من الشعب في الأرياف والمدن وترسيخ إيمانهم بالقضية الوطنية وإذكاء عزيمتهم لتحقيق النصر، لأنهم أدركوا أنه مهما عظمت قدراتهم القتالية وذخيرتهم الحربية فلن تكفي لتحقيق النصر على العدو دون شعور جماعي قوي بأن العدو لا يميز بينهم فهم كلهم هدف عاجل أو آجل له. لذا كان يلجأ المجاهدون أحيانا إلى العنف لضم المناوئين إلى الصفوف.

كانت هذه طبيعة الحرب التقليدية فما بالنا بهذه الحرب الجديدة الشاملة التي تقع على المدنيين والعسكريين على حد سواء وتصيب العملاء قبل المقاومين ولا تقوم على المواجهة المباشرة ولا نعلم بضحاياها إلا من جانب واحد وهم سكان الأرض. فالغازي كورونا لا ينشر عدد قتلاه وهم بالملايين من ضحايا التباعد الاجتماعي والحجر المنزلي والصحي لكنه يواصل الفتك ببني الإنسان في كل فرصة متاحة له في الجسم البشري ليجدد أنفاسه ويعوض عن عدد قتلاه أعدادا مضاعفة.

والحق أن العالم بذل منذ بداية هذه الحرب العالمية جهدا كبيرا مرهقا للقوى المعنوية ومستنزفا للقدرات المادية وقد يكون الأكبر في القرن الواحد والعشرين على الإطلاق دون القضاء على العدو أو رده على أدباره بل إن من الخبراء من بدأ يهيئ الناس نفسيا لمعركة استنزاف طويلة الأمد مادام الإنسان بعيدا عن توفير كل شروط النصر، معركة ستغير أنماط الحياة الاجتماعية رأسا على عقب وتعيد النظر في أنواع التنشئة التي بدأت تلعب فيها الافتراضية دورا محوريا وتحتل فيها الرقمنة المكانة المركزية.

وإذا ما أخذنا في الاعتبار تقديرات هؤلاء الخبراء فإننا نعيش اليوم مرحلة انتقالية بين الواقعية والافتراضية في الحياة الاجتماعية بدأت إرهاصاتها مع محاولات توفير التعليم عن بعد لتلاميذ اضطروا للبقاء في بيوتهم ضمن تكتيكات هذه الحرب وقد يأتي بعدها العلاج والعمل الفكري والإداري لينتهج نهج الافتراضية ثم تأتي المجالات الأخرى تباعا في مسار تحولي سيكلف الإنسان غاليا ويكرس استلابا حضاريا وإنسانيا جديدا أكثر وقعا على البعد الاجتماعي التفاعلي للإنسان.

لكن ما العمل؟ إنها الحرب قد بدأت ولا نعلم متى تنتهي وفوق ذلك كله لا ندرك حجم التحولات التي ستحدثها على البشر بيولوجيا ونفسيا واجتماعيا، ومدى تأثيرها على العلاقات الدولية. ما هو متوفر اليوم أنه لن ينجو من هذه الحرب إلا الشعوب الأكثر انضباطا والتزاما بالروح الجماعية في مقاومة العدو. وهو ما أدركه الصينيون بفضل تراثهم الفلسفي العريق وهو التراث الذي أهلهم لأن يشقوا طريقهم بثبات نحو ريادة العالم. كيف لا وهذه الصين التي بدأ منها العدو غزوته الكبرى هي التي تطل منها تباشير جديدة بأن التغلب على هذا العدو ليس بعزيز على الإنسان. لا تبعث الصين اليوم بالمعدات واللوازم الطبية ولا بفرق الخبراء إلى أوروبا وأمريكا فحسب فهذه منتجات حضارية بل هي على وشك أن تصدر نموذجها الحضاري ليعوض عن الإفلاس الذي أصاب الغرب.

لا يزال الغرب يخوض الحرب ضد كورونا وهو مكشوف الظهر ولما يبلغ بعد المستوى المنشود من الضبط الاجتماعي الذي ثبتت فعاليته القتالية ضد كورونا في الصين وهو من هو في حسن التنظيم والتدبير وجاهزية المؤسسات هي ثمرة بناء ممتد في الزمن. فماذا نقول عن مجتمعاتنا التي لا تزال تبحث عن نماذج التنظيم والبناء الاجتماعي المناسبة لها، مجتمعات ذات أنظمة مستبدة لكن استبدادها لم يكن إلا غاية في ذاته وموجها لتركيع الإرادات ووأد الإبداع ورعاية الفساد بدل أن يكون وسيلة وأداة نافعة لصد عدو خارجي.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك