الاحتفال الرّسمي بيناير غير مدروس بكيفية علمية

الأمين العام للمجلس الإسلامي الأعلى، بومدين بوزيد ل "الوسط" :

  • خلق  مؤسسة إفتاء لن يحل فوضى الفتاوى لا 
  • إلزامية الفتوى الجماعية في قضايا الأمة والنوازل الجديدة
  • المدارس القرآنية تحتاج إلى دفتر شروط مرن ينظمها
  • لجنة الإفتاء كانت موفقة في أداء مهامها خلال الأزمة الصحية

 

أكد  الأمين العام للمجلس الإسلامي الأعلى، البروفيسور بومدين بوزيد في حوار مع جريدة “الوسط”  أن إشكالية الفتوى لا تعيشها الجزائر فقط، لافتا أن مسالة الفتوى وما يتعلق بها من خلاف ومشاكل مطروحة  أيضا في دول إسلامية أخرى تمتلك مؤسسات عريقة مثل الازهر في مصر، وهذا طبيعي نتيجة تطور الإعلام الجديد والتجاذبات المذهبية والمصلحية وأحيانا تداخل السياسة بالدين أو محاولة بحث السلطة عن سند ديني، في حين ندد بالحملات المسعورة ضد الإسلام ،و الرسول صلى الله عليه وسلم، داعيا إلى ضرورة  العمل على عدة جبهات منها  المقاطعة الاقتصادية و الإعلامية ، التي من شأنها أن تلحق الضرر بالسلطة الفرنسية، في حين دعا إلى  مراجعة وإعادة تفعيل مسجد باريس والمؤسسات التي تنفق عليها الدولة وتتواجد بالتراب الفرنسي.

 

* بداية، دكتور لو تقدم لنا نبذة عن شخصكم الكريم؟

 

الدكتور بومدين بوزيد أمين عام للمجلس الاسلامي الأعلى، اشتغلت سابقا مدير الثقافة الاسلامية بوزارة الشؤون الدينية، و أستاذا بجامعة وهران، لي العديد من  المؤلفات منها التصوف والسلطة، والتراث ومجتمعات المعرفة، والهوية والتحرير. 

 

* بداية، ما هي الأدوار التي يقوم بها المجلس الإسلامي الأعلى، و هل يتمتع المجلس بالصلاحيات الكاملة لأداء المهام المخول لها؟

 

طبعا أدوار المجلس الإسلامي الأعلى  محددة دستوريا في تنظيمه الداخلي، فمهمته الأساسية الحث على الاجتهاد والدعوة اليه، وإصدار الفتوى حين يُطلب منه من المؤسسات الرسمية لأن الفتاوى المتعلقة بالمواطنين تتكفل بها المجالس العلمية التابعة لوزارة الشؤون الدينية والأوقاف، إلى جانب ما ذكرت يقوم المجلس بالمساهمة في تكوين الأئمة ونشر الفكر الإسلامي والتعريف به للعالم عبر نشاطه الثقافي أو من خلال منشوراته أو مساهمات أعضائه من العلماء والباحثين والذي حددهم الدستور بأربعة عشر عضوا، وبالتالي فمهامه استشارية وليست تنفيذية.

 

 

 

*رافعتم لضرورة أن يكون للمدارس القرآنية دفتر شروط خاص ..ماذا تحقق من ذلك؟

 

المدارس القرآنية في تاريخ الجزائر نشأت من العمل الخيري والوقف، وكان المجتمع هو الذي  يتكفل بمعلمي القران الكريم وتمويل المدارس بالخصوص الداخلية وهناك زوايا متخصصة أيضا في التعليم، كما يطلق في مناطق جزائرية اسم الزاوية على المدرسة القرآنية عكس مناطق التي تعني فيها الزاوية الانتماء لطريقة صوفية ، هذا الطابع الخيري والحر في التعليم القرآني يجب تشجيعه والإبقاء عليه،  فقط يحتاج للمرافقة والتنظيم من السلطة الوصية، و أقصد هنا وزارة الشؤون الدينية والداخلية والتربية ، هذه المرافقة تحتاج الى دفتر شروط مرن ينظمها وتكون الدولة على دراية بهذه المدارس وماذا يقدم فيها وتحترم شروط الأمان والحماية وتخضع لتفتيش دوري من الوزارة الوصية ، وتكون برامجها موحدة وقد تجمع هذه المدارس بين التقليدي والحديث في التعليم وأدوات تحفيظ القرآن وهناك تجارب متميزة في الجزائر، لكن أصر على إبقاء العمل الخيري والطابع النسبي لهذه الحرية للمدارس القرآنية.

 

* كيف تقيم مستوى الخطاب الديني في الجزائر؟

 

مستوى الخطاب الديني أراه في تحسن مستمر بحكم أن الأئمة  لديهم مستوى جامعي ، ويتلقون تكوينا إضافيا خارج معاهد التكوين الرسمية بسبب الميديا الحديدة وحرص بعضهم على حضور حلقات العلم عند بعض المشايخ المعروفين وبعضهم يسجل في الماستر والدكتوراه ويبذل جهدا ذاتيا في التكوين، يبقى الإشكال في تناسب الخطاب المسجدي  مع التطورات الحاصلة في المجتمع والعالم ،هذا يحتاج الى تكوين مستمر والانفتاح من طرف مدراء الشؤون الدينية في الولايات في اللقاءات الأسبوعية على تخصصات اخرى من العلوم مثل العلوم الاجتماعية، كما يحتاج الى تكثيف الحلقات العلمية المتخصصة الدقيقة للائمة، وتشجيعهم على ذلك بنظام الترقية والاستفادة من بعض الامتيازات، وإعادة النظر كلية في طريقة ومنهجية التكوين ودور المراكز الثقافية الإسلامية المشلولة وإعطائها نفس الامكانيات التي لدور الثقافة التابعة لوزارة الثقافة وإعادة النظر في طبيعة الشروط التي بموجبها ينال بعضهم مدراء في الولايات .

 

* ألم يحن الوقت بعد لخلق مدرسة عليا للفتوى لضبط و حدة الفتاوى ؟

 

مسالة الفتوى وما يتعلق بها من خلاف ومشاكل مطروحة في دول اسلامية أخرى تمتلك مؤسسات عريقة مثل الازهر في مصر، وهذا طبيعي نتيجة تطور الإعلام الجديد والتجاذبات المذهبية والمصلحية وأحيانا تداخل السياسة بالدين أو محاولة بحث السلطة عن سند ديني حين تكون مؤسساتها هشة أو عجز بعض مسؤوليها في اقناع المواطن، و ليس  إنشاء  مؤسسة افتاء ينهي ما أسميته بفوضى الفتوى ،ولكن الزامية الفتوى الجماعية في قضايا الأمة والنوازل الجديدة وجعل هذه المؤسسة لها المصداقية حتى يثق فيها المواطن وأتصور أن حل مشكلة الثقة بين المواطن والسلطة مدخل أساسي ليكون للفتوى الجماعية أو فتوى المؤسسات تأثير على المواطنين، كما ان المسالة معقدة لأنها تتعلق أيضا بحرية الاجتهاد الذي يكون متاحا للذين تتوفر فيه الشروط طبعا

 

* ما هو الدور الذي لعبته لجنة الإفتاء خلال الأزمة الصحية ؟

 

تابعت بعض نشاطهم، أعتقد أنهم كان موفقين في متابعة الأزمة الصحية ولعب الائمة دورا متميزا في الوعي والعمل الخيري ومعالجة الروح بالاطمئنان، غير أن الوزارة كان عليها أن تفرق بين ما هو بيان ونصيحة وما هو فتوى تعبدية الزامية يترتب عنها الاثم ، فبعض ما اسمته فتاوى في رأيي هو بيان أو نصيحة، وهذا اسلم لهم حتى لا يكونوا في احراج في المستقبل فهناك تغييرات و مصالح تراها الدولة بعين و لكن قد تراها في المستقبل بعين أخرى.

 

 

 

ماردكم على الحملات المسعورة ضد الإسلام والرسول الكريم؟

 

الاستهزاء بالرسول عليه السلام ضد العقل وحرية الرأي، فالعقل الذي لا يحترم الرموز المشتركة لطائفة هو ضد نفسه، وحرية الرأي التي تستغل لأغراض لا أخلاقية هي ليست حرية، الإعلام الغربي اليوم يروج انه صراع فرنسي – تركي وهذا انحراف عن سفاهة ومرض خطاب علمانية السلطة الفرنسية، نددنا من خلال بيان المجلس الإسلامي الأعلى على العقلانية التي يزعمها ماكرون التي تتهجم على رموز مشتركة لمئات المسلمين في العالم، حرية الرأي لا تصبح حرية عندما يستغل  الرأي لأغراض غير أخلاقية تتخذ لأغراض سياسية لكسب اليمين ، و كسب  صراعات مع الجانب التركي، علينا العمل على عدة جبهات منها  المقاطعة الاقتصادية و الإعلامية ، التي من شأنها ان تلحق الصرر بالسلطة الفرنسية، فرنسا تتدعي  أن ذلك شأن داخلي  و هذا افتراء و كذب، ماكرون شخصية سياسية مازالت تخلص لماصي فيه الكثير من التشوهات، نحن اليوم  أمام تطرفين تطرف باسم الدين الذي يريد أن يتخذ من الدين ملجأ له ، وتطرف باسم العلمانية الصلبية التي تحاول أن تستلهم من معجم الصلبية القديمة، على المسؤولين و القيادات الدينية  اليوم التفكير في كيف  ننصر الرسول عليه السلام وتصبح عواطفنا ايجابية ونحرر رغيف خبزنا ونهزم الهيمنة ، صورة الإسلام في أوروبا تحتاج إلى مراجعة ، ازدراء الأديان محرم قانونيا، الخلط الموجود بين الإسلام و الإرهاب مازال موجود في الصورة الذهنية عند بعض المسؤولين الأوروبيين، الجمعيات الدينية الأوروبية التي تنشط هناك مطالبة بتصحيح صورة الإسلام الذي يدعو إلى الوسطية و الاعتدال ، و لعل  جامع الجزائر أن يكون منارة علمية في تكوين  مختصين أوروبيين لدراسة الإسلام و حقيقته ، و على الدولة مراجعة وإعادة تفعيل مسجد باريس والمؤسسات التي تنفق عليها الدولة وتتواجد بالتراب الفرنسي.

 

* يناير بين وعي الوحْدة والتّضامن ومَخاطِر رَسْم “الخَريطة العِرقيّة” ثقافة ووعيْاً؟

 

كان  أملي منذ ثلاث سنوات أن يكون الاحتفال الرسمي بالنيار كعيد شعبي – وطني خُطوة سِياسية تاريخية لافتِكاك الهوية  من التلاعب السياسي والاستغلال البشع من طرف من يَستندون لشرعية التاريخ ،والعِرق في معارضة السلطة وخُصومهم السياسيين، وأن يكون هذا الاحتفال الوطني سمة إدخال السرور على العائلات ،وثراء ثقافتنا الشّعبية وتنّوعها وبُعدها الوطني للأمّة الجزائرية كلِّها كما ورثناها،  نحن  في أجواء التهديدات الخارجيّة التي تحدّث عنها رئيس الجمهورية عبدالمجيد تبون ومسؤولون في الدّولة قد يكون الخطر الحقيقي في بيتنا فنُشتِّت شملنا بقصد أو بدون قصد برسم “خريطة عرقية ” للجزائر على المستوى الثقافي ووعي المواطِن، فاختيار  مناطق قصدا من الوطن من طرف مؤسسات الدولة ومسؤولين وبعض الجمعيّات للاحتفال الرسمي بيناير أو ما يسمى في الذاكرة الشعبية ب”العام” أي السّنة، وتختلف الأسماء ،وبعض تفاصيل العادة ولكن لم نسمع في طفولتنا وفي حكاية الأجداد أن هذا خاص بمنطقة دون أخرى أو يُعرِقونه (من العِرق) أو يؤرّخونه، إن الاحتفال الرّسمي غير مدروس بكيفية علمية واستراتيجية منذ البداية به ببن سنوس (تلمسان) إلى (باتنة وغرداية) هذا العام، ويحرك  فِعلهم العاطفة  ،والمهرجانية ،وتصور لا وطني ولا علمي، وبدل أن نفتكه من الذين يوظّفونه سياسياً ننحلُب في إنائهم ونؤدي نفس الدور في نشر “الخريطة العرقية”، وقد يلعب الاعلام في التأثير النّفسي والذهني والثقافي في إنتاج وعي مزيّف بالخريطة التي يخططها “العرق والتاريخ” من خلال متابعته لنشاط بعض المسؤولين والتركيز على احتفال بعض المناطق من الوطن دون أخرى، و يلتقي  هذا “الوعي الشِّقاقي” مع مَن يَفتون بتحريم عادة اجتماعية ليست تعبدية، واعتبارهم الآخرين مبتدعة ومن الفرق الضالة، كلا الوعيين يعملان على نشر الكراهية والتفريق والتمييز العِرقي والديني وهو ما تنبذه وتجرمه قوانين الدولة  الجزائرية، فرصة هذا الاحتفال أن يكون من أجل إحياء تراثنا ودراسة تنوعه  وغِناه واعتماده ميراثا وطنيا عالميا يوحد  المُواطنين ويَفتح آفاقهم ويشيع ثقافة احترام الآخر، فالكراهية و العنف الّذي تَدعو إليه أيضاً ما أسميته “كتائب الجهل” في الفضاء الأزرق قد يوجه لأغراض ليست نظيفة، كما أن تبديع العادات والتقاليد باسم الدين، وهي ليست طبعا عبادة يدل على سوء إدراك للتاريخ وطبيعة السّلوك الاجتماعي الّذي يحتاج للتعبير رمزياً ولغوياً وحركيا وطُقسيا، ولا يمكن ننزع ذلك، طبعاً قد يزول أو يتغيّر السلوك “العادة الاجتماعية” ولكن دوما نكون مع سلوك جديد، أما ما يأخذه من معان دينية أو اجتماعية فتلك مسألة لا تقرّر بقرار أو بفَتوى ممّن يَسجن نفسه في مذهبية فقهيّة وآلية قياس عقيمة ولا يستطع الخروج من ذلك.

 

هل الإسلام كديانة في أزمة أم العلمانية الفرنسية”؟

 

 ماكرون يد معجميته التي تحدث بها عن ضرورة صدور خطة قوانين جديدة لمجابهة ما أسماه الانفصالية الإسلامية،  « le séparatisme islamiste »، وهو تعبير عادة يطلق على الانفصالية  القومية ولكن أن يسحب على المجال الديني والثقافي والرمزي فنحن أمام مفهوم (انفصال ثقافي عن العلمانية كوطن ) من هنا لن تكون المعاني الجغرافية التقليدية هي المحك ولكن معاني المواطنة والديمقراطية والبيئة هي (الجغرافيا) أو هي (الهوية الجديدة) ، معروف صراع العلمانية في فرنسا مع الدين منذ ثورتها التي تختلف في بعض مضامينها عن الثورات والدساتير الأخرى ، وبالتالي صراع فرنسا مع الدين والتدين يتغير شكله وطبيعته من مرحلة أخرى ، فرنسا تعيش أزمة مع ذاكرتها وعلمانيتها التي لم تستطع أن تنتصر على التطرف وما تسميه الارهاب الإسلامي وقد كانت لغة ماكرون اليوم حادة نتيجة ماحدث أمام مقر شارلي ابدو وفشله الذريع في لبنان وأزمته مع تركيا وما ينتظره من انتخابات.

 

 

 

حاورته: إيمان لواس

 

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك