الإيتيقا كتخفيف عن الديموقراطية

تفكير

الدكتور أحمد مونيس أستاذ الفلسفة السياسية 

المعاصرة جامعة البليدة 2

 

استطاع ببراعة اسبينوزا أن يقدم تصورا عن الانسان، من رؤيا إيتيقية لا رؤيا أنطولوجية فلم يحدد الانسان عبر شكله وأعضائه ولم يصفه بالجوهر أو الذات الفاعلة. وإنما هو حالات قوة ما انفكت تتحول وتتعدل وتتشكل عبر الأفراد والمجموعات تظهر تارة في قدرة تلقي الانفعالات وتارة في قوة القرار الوجودي. وقد تم التعبير عنه بالكوناتوس conatus أو رغبة البقاء بلغة “جيل دولوز”.

يتشكل الانسان بتقاطع بٌعدين بُعد جوهري “جوهر” وهو الكائن المفكر المستوعب لذاته، وبُعد ماهوي “ماهية” وهو ذلك الذي إن وُجد وُجد الشيء وإن بَطُل بَطُل الشيء، وهو ما صرح به اسبينوزا صراحة في كتابه الأخلاق” لا ينتمي كيان الجوهر إلى ماهية الانسان، وبعبارة أخرى ليس الجوهر ما يؤلف صورة الانسان” 

وماهية الانسان موجودة في الله طالما أن الله هو العلة الوحيدة لجميع الأشياء. وبالتالي الانسان هو تعبير عن طبيعة الله الأزلية واللامتناهية وتوظيف أخلاقه وتحليه بها هو استثمار لها بما تسمح له من تجاوز وعدم خضوع للقانون لأنه ليس بحاجة إليه أصلا كون الإيتيقا هي الطريق نحو الخير الأسمى وتجاوزا للشرور. 

ما شهده التاريخ الانساني من تناحر وحروب بعد إبرام للمعاهدات والاتفاقيات هو فشل للنظم والديموقراطية وإقصاء لأصوات الحكمة والفلسفة.

وما عشناه مؤخرا في ظل أزمة كورونا من تنام للعنف وتفشي للجريمة يُحتِم علينا الاستثمار في الجانب التوعوي ومخاطبة الضمير الانساني لتحرير الخير والابتعاد عن الجانب القانوني التهديدي كونه فشل فشلا ذريعا في القضاء على العنف وصيغه المتعددة.

لقد رسم فلاسفة اليونان سابقا الطريق نحو العيش معا في إطار السلام والتفاهم من خلال تعابير الفضيلة والخير والأخلاق، بدءا من سقراط الحكيم الذي تندرج كل حكمه واجتهاداته الفلسفية في سبيل ارتقاء الانسان بفضائله وقيمه وهو النحو الذي استثمر فيه أفلاطون الذي أقام موازنة بين طبقات المجتمع وأعضاء الجسد. كلما على الفرد بأخلاقه ارتفع عن الرذيلة والشرور والعكس صحيح.

إن الدولة مطالبة في الوقت الراهن بتغيير سياساتها الاجتماعية التربوية ومسايرة الزمن المتغيِر زمن ما بعد كورونا من خلال استحداث وسائل وآليات تتيح للمواطن التحلي بأخلاقه وبفضائله وهذا من خلال توفير الضروريات وكل ما يخدم بقاءه. وهذا للاستمرار في ديمومتها ولعل العدل والمساواة الاجتماعية من سكن وتدفئة وضمان اجتماعي وكذا علاج. أهم مظاهر الدولة الناجحة ولا عجب أن يُضرب المثل بالألماني في خلقه وتحليه بالصدق والأمان اتجاه بعضه البعض صفات كلها نابعة من الدولة العادلة المستندة على نصوص الفلاسفة والمفكرين.

إن تعزيز الإيتيقا في المجتمع هو تعزيز للديموقراطية ومرافقة لها. واستغناء عن الرقابة والعقاب بما يخدم المواطن الإيتيقي والفرد الأخلاقي. 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك