الإمارات: احتلال الموانئ، تحطيم الاقتصاد العربي

صهينة

بقلم: صالح عوض

عندما يصبح واضحا أن العدو الصهيوني لا يستهدف فقط فلسطين أرضا وشعبا نكون قد اقتربنا من فهم المشروع الاستعماري وطبيعته، فلم يكن الفلسطينيون إلا الصف الأول المباشر ولم يكن الكيان الصهيوني إلا قاعدة انطلاق للمشروع الصهيوني الذي لم يخف أهدافه، ولئن كانت السرية لفت أدواره سابقا في شمال العراق وجنوب السودان وشمال إفريقيا وفي أكثر من مكان فلقد أخرج الاتفاق مع الإمارات الأدوار إلى العلن ومن خلال تشارك تخادمي بانتقال قواعد الهجوم الصهيوني أمنيا واقتصاديا وسياسيا على كل الجبهات مع العرب والمسلمين في مصر والسعودية والعراق وليبيا واليمن وتركيا وايران وباكستان.. وهكذا نستطيع القول: أن حقيقة القضية الفلسطينية تتجلى على طبيعتها: إنها قضية الصراع مع العدو وأدواته، حول أمن الأمة وثرواتها وسيادتها ونهضتها.

علاقة تاريخية:

الاتفاق الإماراتي الصهيوني لم يكن مفاجئا، ويكشف رد الفعل اللفظي عليه عدم الإدراك لما هو حاصل بين الإمارات والكيان الصهيوني منذ زمن وأي دور تهيأت له الإمارات منذ عشرات السنين؟.. فمن العبث الترويج للاتفاق على انه اتفاق تطبيع، كما روجت وسائل الإعلام الإماراتية والصهيونية والأمريكية،.. إنها علاقة شبه سرّية قديمة كشفتها وثائق حديثة! حيث كشفت وثائق موقع ويكيليكس عن العلاقة مرورا باغتيال القيادي بحركة (حماس)، محمود المبحوح.. ولقد تم افتتاح ممثلية إسرائيلية في أبوظبي عام 2015، وفي ذات العام صوتت الإمارات لعضوية “إسرائيل” في لجنة استخدام الفضاء الخارجي للأغراض السلمية التابعة للأمم المتحدة.. ولقد تبادلوا الزيارات السرية فلقد أكدت “هآرتس” بان نتنياهو قد سبق له الاجتماع في سبتمبر 2012 في نيويورك  مع وزير الخارجية الإماراتي.. كما أن العلاقات الاقتصادية تعززت بينهما وحسب موقع “ميدل إيست” فإن الشركة الإماراتية “مستقبل الإمارات” تعتبر أكبر موردي اللحوم للسوق الصهيونية، ولقد سبق أن تم الكشف عن مؤامرة إماراتية بشراء عقارات في القدس عن طريق عملاء فلسطينيين لها و تسليمها فيما بعد للصهاينة في خطة تهويد المدينة المقدسة.. ولقد شارك سلاح الجو الإماراتي نظيره الإسرائيلي في مناورة عسكرية جوية في اليونان الشهر الفائت، وهي المرة الثانية في أقل من عام لمثل هذه المشاركة، وكشف مكتب «الأعمال والابتكارات والمهارات» البريطاني المعني بمراقبة الصادرات الأمنية أنه في عام 2009 «طلبت تل أبيب الحصول على أذون لتوريد مكونات لطائرات بدون طيار للإمارات، وخوذات طيارين، وأنظمة التزود بالوقود جوًا، ورادارات أرضية، ومكونات لطائرات مقاتلة، وأنظمة لعرقلة إطلاق صواريخ، وأنظمة رادار محمولة جوًا، وأنظمة التصوير الحراري، ومعدات حرب إلكترونية»، ويقدر ما اشترته الإمارات من خدمات أمنية من الكيان الصهيوني بقيمة 6 مليارات دولار بين أعوام 2007 و2015، وتنقل مجلة «بزنس-ويك» الأمريكية أن إسرائيل «زودت الإمارات بآلاف الكاميرات، ومجسات إلكترونية، وأدوات إلكترونية متخصصة في قراءة لوحة الترخيص للسيارات، وتم تنصيبها على طول الحدود وفي مناطق واسعة في أبوظبي، وغالبيتها تمت صناعتها وتطويرها في إسرائيل».حسب صحيفة «هآرتس»، لتكشف قبل أيام تسريبات السفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة أن: «اهتمام دول الخليج بنظام القبة الحديدية بدأ في وقت أبكر من ذلك بكثير، فقد تبادل العتيبة رسائل مع الجنرال الإسرائيلي عوزي روبين بعد شهر واحد من الحرب الإسرائيلية على غزة عام 2012. 

صراع جديد:

 على أرضية التشارك والتخادم انطلقت الإمارات منذ زمن طويل لتصنع مناخا ملائما من خلال وسائل إعلامها والإعلاميين التابعين لها والمنتشرين في الوطن العربي والعالم و من خلال المراكز البحثية في الولايات المتحدة لتمرير روايتها قبيل تنفيذ الاتفاقية فكانت عناصر العملية الإعلامية والثقافية هي الدورية الاستطلاعية والدعائية لها.

= كانت الصهينة أحد أبرز عناوين الخطة من خلال أعمال فنية وأدبية وسياسية ورياضية وتجارية لتطبيع الرأي العام الإماراتي للدور دونما حرج واستدعى ذلك حملة منظمة لشيطنة الفلسطينيين وإسقاطهم أخلاقيا وقانونيا وأنهم معتدون على اليهود والإسرائيليين، من خلال أعمال فنية كانت الصهينة هي العنصر الأساس فيها.

تحركت الإمارات بتكثيف لشراء الصحف والإعلاميين في أكثر من عاصمة عربية، ومن خلال شبكات الذباب الالكتروني لتقديم خدمات ضخمة للرواية الصهيونية حول “الحق التاريخي”.. وفي هذا انفردت حكومة الإمارات في الاصطفاف تماما في محور الطعن بحق الشعب الفلسطيني وبحقيقة فلسطين العربية.. وهذا مدخل للعلاقة العضوية مع الكيان الصهيوني في قضايا أكثر خطورة في الإقليم والعالم.. ومن هنا مجددا يبرز المعنى الكبير للاتفاقية إنها اتفاقيات إستراتيجية للحرب على أكثر من جبهة إقليمية ودولية.

= جاء الاتفاق ليعطي للموانئ التي تمكنت “شركة دبي” من شرائها أو السيطرة عليها دورا استراتيجيا في رسم العلاقات والخرائط الاقتصادية وربما السياسية فلقد بدأ صراع من نوعٍ جديدٍ، يسهم في تحديد مصير الموانئ الواقعة على الخليج العربي وبحر العرب والمحيط الهندي بدءا من جزيرة سوقطرة الواقعة على المحيط الهندي بالقرب من خليج عدن وميناء جوادر الباكستاني، النقطة المائية المهمة على طريق الممر الاقتصادي طريق الحرير بين الصين وباكستان الذي أنفقت فيه الصين مليارات الدولارات، وقناة السويس.. و جاء الاهتمام بجزيرة سوقطرة لموقعها فهي تطل على مضيق باب المندب الإستراتيجي، وموقعها الإستراتيجي ومكانتها الثقافية جعلها في بؤرة اهتمام الإمارات و الكيان الصهيوني الذي يسعى لترسيخ قدمه في المنطقة، من خلال الجزيرة اليمنية، التي تعرف بـ«جوهرة خليج عدن».. وهذا ما تم بالفعل فبعد 15 يومًا من إعلان الاتفاقية بين دبي وتل أبيب، وصل وفدٌ من ضباط الاستخبارات الإسرائيلية، برفقة آخرين إماراتيين، إلى الجزيرة اليمنية. وبحسب موقع «Jforum» للجالية اليهودية الناطقة بالفرنسية، تم التخطيط لإنشاء قاعدة تجسس في جزيرة سوقطرة، تزامنًا مع استعداداتٍ مكثفةٍ تجريها تل أبيب وأبوظبي لإنشاء قواعد استخباراتية؛ لجمع المعلومات في أنحاء خليج عدن، من باب المندب وحتى الجزيرة اليمنية كما يتم تشغيل الأجهزة الاستخبارية من سوقطرة للتجسس على باكستان.

 وبالفعل قامت الإمارات بنشر مئات الجنود وإنزال الآليات والمعدات وطائرات عسكرية وتجاهلت رفض الحكومة اليمنية لخطوتها ودفعت بالانفصاليين الجنوبيين في 21 يونيو (حزيران) 2020 لاحتلال الجزيرة فعزلوا محافظها وطردوا قوات الحكومة التي وصفت ما جرى بأنه «انقلاب».. وهكذا يصبح واضحا أن تغير ملامح الجزيرة  إلى ميناء عسكري وأمني إماراتي وصهيوني ينبئ بتغير ملامح الصراع.

كما أن الاتفاق الصهيو-إماراتي دق جرس الخطر والإنذار في الصين الذي عبّرت عنه مقالة نشرتها صحيفة «South China Morning Post»، في أغسطس الماضي، قائلة: “تريد الولايات المتحدة دعمًا عربيًا إسرائيليًا في مواجهة نفوذ بكين على طرق الإمداد، التي يُنظر إليها على أنها مسألة حياة أو موت للاقتصاد الصيني.

 = كما يلوح الخطر على ميناء جوادر في باكستان في باكستان، والذي يُعدُّ مشروعًا أساسيًا في مبادرة «الحزام والطريق» وتقدّر تكلفته على الصين بـ46 مليار دولار، ويمنح بكين حق الانتفاع به حتى 2059، وتُقدر استثماراته سنويًا بقيمة 150 مليار دولار. وهو بحسب تقرير موقع «open democracy»، يعتبر منافسًا كبيرًا لميناء دبي؛ ما يعني سحب البساط من تحت أقدام «ميناء جبل علي» الإماراتي، الذي يستضيف حاليًا ما يقارب 5 آلاف شركة من 120 دولة. أدركت الدوحة أهمية ميناء جوادر، لذا تعتزم استثمار 15% منه في (مجموعة من مشاريع البنية التحتية قيد الإنشاء حاليًا).. وبعد الاتفاق بين أبوظبي وتل أبيب، بدأت تتضح خطة أمريكية – كشفتها صحيفة «وول ستريت جورنال»، تهدف إلى عرقلة الميناء الباكستاني، من خلال جزيرة «سوقطرة» التي تُعدّ أفضل موقع لضرب المشروع (الصيني – الباكستاني).. لا سيَّما أن الميناء يعتمد الوصول إلى البحر المتوسط عبر البحر الأحمر، وترى الصين أهمية الميناء لتوسيع تواجدها العسكري ببناء قاعدة عسكرية بحرية غربي باكستان في اتجاه مضيق هرمز الأمر الذي أثار قلق واشنطن خوف أن يصبح ميناء جوادر لاعبا حقيقيا يغير الوضع الجغرافي الاقتصادي الجيوسياسي.. وتدخلت الهند على الخط التي ترى في ميناء جوادر خطرا حقيقيا على مينائها “تشابهار” وعلى موانئها الأمر الذي يهدد بفقدان أسواقها التجارية ولقد سبق للهند أن هددت بنسف البنية التحتية للمشروع الأمر الذي يجعل التحدي خطيرا أمام الميناء بل في حقيقة الأمر السلم الدولي.. 

=قناة السويس ستكون أحد أو أكبر ضحايا الاتفاق الصهيو-إماراتي ويأتي هذا في إطار استهداف الإمارات للدول العربية التاريخية الكبيرة ومدنها الحضارية ومواقعها الاستراتيجية.. فبحسب تقارير أمريكية ستكون قناة السويس في مرمى نيران الاتفاق على الرغم من تثمين الرئيس عبد الفتاح السيسي له،  فالخرائط المنتشرة تظهر أن هناك خط أنابيب نفط صحراوي بين إيلات ومحطة ناقلات النفط بعسقلان كان قد بني سرا سابقا بالاتفاق مع الشاه (في 1956)، وأوشكت إسرائيل من خلاله أن تلعب دورًا أكبر في تجارة الطاقة وسياسة البترول بالمنطقة، بحسب تقرير مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية.. وحسب الخرائط أيضا هناك أنبوب يبدأ من الخليج إلى ميناء ينبع السعودي ولا يتبقى إلا مئات الكيلومترات لكي يتم تمديد أنبوب آخر بين ينبع وميناء إيلات لتكتمل حلقة نقل النفط بما يقدر مليون وربع المليون برميل يوميا.. وستكون هذه الأنابيب أقل تكلفة من العبور من قناة السويس، وتكون خيارا أفضل للاتصال–بحسب إيزيك ليفي الرئيس التنفيذي لشركة خط أنابيب آسيا (EAPC) التي تدير الخط– الأمر الذي يلحق خسارة بقناة السويس تقدر بعشرين بالمائة من دخولها المالية.. كما أن خط الأنابيب المصري يعمل في اتجاهٍ واحدٍ فقط، ما يجعله أقل فائدةً وقدرة من منافسه الصهيوني، الذي يمكنه أيضًا التعامل على سبيل المثال مع النفط الروسي أو الأذربيجاني المُتَّجِه إلى آسيا». 

وعلى ذلك، ستكون قناة السويس – بحسب المجلة الأمريكية – الخاسر الأكبر من اتفاق التطبيع الإماراتي – الإسرائيلي، بسحب عملاء القناة إلى طريق آخر أقل تكلفة، وقد أشار مسؤولون في الخارجية الصهيونية – في تصريحات لصحيفة «آسيا تايمز» – إلى أن خط الأنابيب سيؤثر سلبا على العلاقات مع مصر

= أما إيران فهي في مجال الرادار الأمريكي الصهيوني الإماراتي حاضرة بدءا بوصفها خصما مشتركا، وكما قال «بنيامين نتنياهو»: «العرب يلتفون حولنا بشكل لم أكن أتوقعه في حياتي، وإسرائيل تبذل جهودًا كبيرة لتشكيل تحالف مع دول سنية ضد إيران»، مضيفًا أمام مركز أبحاث في لندن: «إن الخطر الذي تشكله إيران على جيرانها في الشرق الأوسط سيدفعهم إلى إقامة تحالفات كان من غير الممكن تخيلها».. وتصبح الإمارات ضمن الاتفاق أرضا منبسطة، متاحة لقواعد الأمن الصهيونية التي بادرت فور الإعلان عن الاتفاقية للتحرك علنا نحو الإمارات ووضع قواعد التعامل علنا مع الإمارات أمنيا ضد الخطر الإيراني بمعنى أن الكيان الصهيوني نقل المعركة إلى شواطئ إيران.

= واجهت الإمارات ولاتزال ما تطلق عليه الإسلام السياسي أي الإخوان المسلمين وحركاتهم في البلاد العربية وتركيا بعنف وتبين تقارير موقع “ميدل ايست موتورز” البريطاني أن الإمارات تواصلت مع مراكز بحث أمريكية مناصرة للدولة العبرية وفتحت قنوات إتصال لإخماد الثورات الشعبية وإسقاطها والدفع بالدعاية نحو إتخاذ مواقف معادية للحركات الإسلامية كما صرح العتيبة.. ومن الواضح أن الإمارات تدفع بقوة لإسقاط تجارب الإسلاميين في تونس وليبيا وتركيا.

= وتعتبر الاتفاقية الإماراتية الصهيونية نقلة بعيدة في مواجهة تركيا التي اتجهت لترسيم الحدود البحرية مع ليبيا ورغم أن القيادة الصهيونية لا تعمل على استعجال المواجهة مع تركيا لاعتبارات كثيرة إلا أنها تدرك أن الأمور تسير نحو مواجهة في شرق المتوسط بعد أن تجاوزت تركيا الاتفاقيات البحرية بين  الكيان الصهيوني ومصر واليونان وقبرص بحيث يصبح مرور أنبوب الغاز الصهيوني من البحر المتوسط غير ممكن إلا بموافقة ليبية تركية.. ولا تخفي الإمارات حرصها على السيطرة على موانئ ليبيا ولهذا فسيكون استقواؤها بالحليف الصهيوني كما يشير كثير من المراقبين أخطر ما يواجه تركيا في العشرية القادمة.

الخطوة الضرورية:

من الواضح تماما أن الدول المركزية الثلاث في المشرق تركيا ومصر وإيران تقع تحت مرمى نيران الاتفاقية أمنيا واقتصاديا واستراتيجيا كما يطال الأمر باكستان والصين.. فهل تبحث هذه الدول عن مشترك بينها للخروج من المأزق؟ صحيح أن العلاقات مشوشة بين تركيا ومصر، وسطحية بين تركيا وايران، وشبه معدومة بين مصر وايران، لكن التحدي الآن يستهدف الأمن القومي لكل منها وهو أكبر من أي اختلاف بينها ولن تتوقف الإمارات عن مخططاتها حتى تدمر كل العواصم التاريخية في امتنا، فلن تجد هذه الدول المستهدفة من الاتفاق بدا من التفاهم الاستراتيجي لإفشاله وتحجيم تداعياته، فلعل تفاهماتها الإستراتيجية في مواجهة الاتفاق الخطير تفتح لها أبواب التفاهم في قضايا أخرى وإن التيبس يعني بوضوح انزلاق كل بلد من الثلاثة في معركة جانبية يتم الآن الاعداد لها بإتقان فهذه أصبحت عقدة الإمارات نحو الدول الكبيرة.. والله غالب على أمره.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك