الإعلام.. هل ينتظر الإصلاح أم التطهير؟

كيف السبيل إلى الاستقلالية والاحتراف

بقلم: أحسن خلاص

لن نغادر الحديث عن الحريات دون التوقف عند وضع الإعلام الذي يعبر بحق عن حال الحريات الذي أشرنا إليه في مقالنا السابق. ولا تزال حرية الإعلام طموحا إلى اليوم، طموحا لم يجد طريقه إلى التحقق، تماما كما كان في بداية العمل بالتعددية الإعلامية. ويمكن أن يقال إن هذا الطموح يظهر اليوم أبعد عن المنال أكثر أمام تعدد الحواجز السياسية وتشعب المصالح المالية والاقتصادية التي لا يرضيها تطور إعلام جزائري مستقل ومحترف.

غير أن تطوير إعلام مستقل ومحترف، لا يمكن أن يتحقق إذا ما اعتبرنا أنه قضية محصورة عند أصحاب المهنة فحسب دون أن تتعداها لتتحول إلى انشغال سياسي ومجتمعي عام متعلق بصيرورة الحراك نحو إرساء دولة ديمقراطية، تلعب فيها الصحافة، مثل القضاء وغيرها من الدعائم، دورها وتحرص عليه لقيام ثوابت لا رجعة فيها ولا تخضع لتطور البرامج الحكومية وتضارب المصالح السياسية والاقتصادية.

ينظر المجتمع إلى حرية الإعلام من منظور يضع الصحافيين والعاملين في الحقل الإعلامي بشكل عام أمام مسؤولية مطلقة وحصرية عن تطابق المنتوج الإعلامي المكتوب والسمعي البصري والإلكتروني مع معايير الحرية والدقة والموضوعية في نقل الواقع وتحليله مناقشته. فالصورة النمطية التي تطورت في الأذهان مع مرور سنوات الممارسة التعددية للإعلام لا تقدم الإعلامي كصاحب مهنة حريص على تأديتها وفق الظروف المتاحة له مثل بقية المهن، بل تضعه في مرتبة المناضل الدائم من أجل ضمان حرية التعبير، وهي صورة مثالية تضع الصحافي دائما في موضع المتهم بالتقصير بل تجعل من الصحافي الموقوف والمسجون والمنفي أو المهمش بسبب مواقفه السياسية أو عزوفه عن الإغراءات أو صموده أمام التهديدات هو الصحافي المثالي والبطل الذي يبحث عنه المجتمع ويقدمه مثالا عن روح التضحية في سبيل قول كلمة الحق عند سلطان جائر.

وتدل هذه الصورة النمطية التي تكرست بقوة، وتبناها الصحافيون أنفسهم، على مدى تحقيق هذا الطموح نحو إعلام مستقل ومحترف بل هي أقوى دليل على أن المجتمع لا يزال بعيدا عن هذا الهدف. إذ عندما نصل إلى تلك المرتبة التي لا يمدح فيها الصحافي ولا يذم من قبل المجتمع ولا يحمل المسؤولية الكاملة عن تراجع حرية وموضوعية ودقة التعبير، يومها يمكن الحديث عن إعلام مستقل ومحترف.

لكن ما السبيل إلى إيصال المجتمع والدولة ومعهما عالم الصحافة إلى هذا المستوى من التفكير والتقدير؟ وكيف نجعل من حرية الصحافة جزءا من حرية التعبير وحرية التعبير جزءا من الحريات بشكل عام ومن الحريات جزءا من حركية اجتماعية سياسية نحو التطور الديمقراطي؟ وهل تكفي الإرادة والعزيمة النضالية والصمود والمقاومة لتحقيق هذا الهدف؟

دخلت الصحافة في الأشهر الأخيرة في خصام حاد مع شباب الحراك في الشوارع والساحات التي لم تعد متاحة لجميع وسائل الإعلام لاسيما القنوات التلفزيونية. وقد حدث لي شخصيا أن طلبت مني قناة أجنبية أن أقدم لها تصريحا في الشارع وفي مكان شبه خال من المتظاهرين، وما إن شرعت في ذلك حتى التأم، بسرعة البرق، جمع غفير من الشباب للإنصات أولا ومعرفة اتجاه ما أدليت به وللتقصي عن هوية القناة قبل اتخاذ موقف السماح لها أو منعها من التصوير. ولما أدرك الجمع أن القناة من بلد بعيد جغرافيا وسياسيا عن الأزمة أخلوا سبيل الفريق الصحافي. هذا المشهد يدل على الوضع المتأزم الذي يوجد فيه العمل الإعلامي في الجزائر ويظهر أن السلطة ومجتمع الحراك كلاهما ينظر إلى الصحافة من منطلق “إما أن تكون معي أو تكون ضدي” والجميع، سلطة ومجتمعا ووسائل إعلام، متفق على تكريس صحافة عليها أن تختار بين الولاء والانتهازية أو النضال والمقاومة.

وثمة مشهد آخر لا يقل أهمية عن المشهد الأول: كان موقفي المبدئي ولا يزال أني لا أرفض دعوات وسائل الإعلام لتقديم آرائي وتحليلاتي عن الأوضاع المستجدة، ولم أكن أميز بينها إلا من منطلق توافقها مع الذوق والأخلاق العامة، فهي بالنسبة لي منابر تفتح لإيصال خطاب تحليلي أو موقف أو انتقاد، على أن لا يفرض علي ما أقول وما لا أقول، لكني أجد نفسي أمام من ينكر علي بلباقة واحترام، وبشدة أحيانا، ظهوري على هذه الوسيلة أو تلك حتى أن خلاصة تلك الاعتراضات مفادها أن ألتزم البيت ولا أنبس بشيء. هذا المشهد كذلك، يدل على وجود أزمة ثقة عميقة تجاه وسائل الإعلام لا تقل حدة عن أزمة الثقة تجاه السلطة ومؤسساتها. هناك صورة فضيعة عن وسائل الإعلام لا يمكن محوها من الأذهان لاسيما بعد ظهور الإعلام الاجتماعي البديل الذي يعتبر الفضاء المميز للتعبير عن هذه الفضاعة، فبعدما كانت وسائل الإعلام تعتبر أبواقا للسلطة والأقوياء من رجال المال فقط، صارت اليوم مرتعا للفساد وراعية له، صار يوصف مسؤولوها بالمرتزقة وبائعي الذمم وكل الأوصاف المذمومة. فقد انتقلت الصحافة من الوضع المزري ماديا واجتماعيا وسياسيا إلى وضع أخلاقي كارثي يتهم فيه مسؤولوها بالثراء الفاحش وتحويل الأموال والحصول على امتيازات بطرق غير شرعية.

يعد خطاب السلطة الحالية بتطهير السياسة من المال الفاسد، ولا مجال للخوض في مدى قدرتها على تحقيق ذلك أمام ما أضحى أخطبوطا رهيبا، إلا أن الجدير بالذكر هو أن مكافحة  المال الفاسد لابد أن ينطلق من بوابة الإعلام قبل الحكومة والبرلمان وغيرهما من المؤسسات. فالقول إن الإعلام قد بلغ أقصى درجات استفحال الوباء الذي قد لا ينفع معه الإصلاح ليس اكتشافا فقد لحقه ما لحق جميع القطاعات بعد أن استولت عليه سلطة غير رسمية نافذة ومكنت بعض الفاعلين فيه وبعض الدخلاء، من امتيازات لا حصر لها ومن حماية لا حدود لها حتى أن هؤلاء الفاعلين دخلوا في منافسة لإبداع أفضل طرق التزلف والولاء مقابل الاستفادة ما أمكن من الريع.

ويعد مخطط الحكومة الجديدة بإصلاح ينطلق من إعادة النظر في النصوص القانونية المتعلقة بالإعلام والإشهار من منطلق إعادة تنظيم توزيع الريع وفق معايير جديدة لكن على ما يبدو أن الأمر لا يتعلق بالإصلاح بل يتعلق بالتطهير وللحديث بقية.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك