الإعلام بين خطاب النخب وثقافة التسطيح

بقلم د. محمد مرواني استاذ جامعي وكاتب صحفي

 

قد يمارس الصحفي نشاطه الاعلامي على وتر خط افتتاحي لعنوان صحفي معين وهذا من المتعارف عليه في ادبيات الممارسة للوظيفة الاعلامية غير ان الاعلاميين خارج سياق الوظيفة التي تتراى للناس لهم دور في الشان العمومي ويحب ان يتحدثوا خارج اقلامهم الصحفية الناقلة في غالب الاحيان لاخبار تهم الراي العام لا تخرج عن انية الحدث وانا اتفق مع من يقول ان مهمة الصحفي ومردوديته المهنية تقاس بما يقدمه من اخبار.

 

غير انني اؤمن ايضا ان الاعلامي في أي مؤسسة اعلامية هو مثقف قبل كل شيء وفاعل اجتماعي ينتظر منه مجتمعه ان يقول رايا في شان عام وان يصوب بادائه الاعلامي الذي يحمل بعدا رمزيا واخلاقيا واجتماعيا في مخيال المجتمع سياسات ويثري مشهدا مؤسساتيا ونخبويا.

 

الصحفي له راي في ولايته التي تنجز بها مشاريع تنموية او تقترح بناءا على نقائص قد ينقلها للمسؤول المحلي في مقال صحفي او ربورتاج وهذه الرؤية في التعاطي مع اداء الصحفي تكاد تغيب لدى من يتعاملون معه من مؤسسات وسلطات محلية رغم اننا نحمل بعضنا البعض في بقاء قطاع واسع من الاعلاميين على المستوى المحلي في موقع ممارسة الوظيفة دون نؤثر بها على تجسيد الافضل للتنمية وللمجتمع المحلي.

 

على الصحفي ان يتحدث خارج مقاله وان يرافع عن انشغالاته كمواطن قبل كل شيء وعليه ان يتخندق في مشروع جمعوي اعلامي يجعله رياه ازاء ما ينجز وما يسطر موجودا ومؤثرا في سياسة العمل التنموي المحلي.

 

على الصحفي الذي ينشد تحقيق اعلام جواري ان يخاطب المسؤول المحلي من منبر جمعوي تكتلي يجمع زملاء المهنة في رؤية عمل اعلامية مشتركة تبني اعلاميين شركاء وفاعلين في الحياة التنموية المحلية.

 

والصحفي الذي يبقى حبيس كتابة اسطر مقال على قمية العمل اعلاميا ومهنيا لن يستطيع ان يغير في ولايته او يكون فاعلا في رسم ملامح تنميتها في مختلف المجالات والقطاعات.

 

نحتاج بالفعل الى تذكير بعضنا البعض بهذه الادبيات والتقاليد التي يتناسها البعض وهو يمارس مهنة المتاعب التي تبقى سلطة في نظر السلطات وسلطة رابعة لا يمكن تسطيح معانيها وما ترتكز عليه قيم لا نرى في حيثيات وتفاصيل مشهدنا الإعلامي نموذج لما يسمى ب’القيادات الإعلامية ” المتاح لها أن تدير مؤسسات هامة في هيكل الدولة بل إن الكثير من الأقلام الصحفية التي تكتب هي في حاجة أن تتحدث خارج “النصوص الصحفية ” وتبرز رأيها في الشأن العمومي وفيما يجري من تطورات وأحداث على الساحة السياسية وفي المجال العام.                                                                     

 

القادة الإعلاميون ليسوا اؤلئك فقط الذين يبدعون في مؤسساتهم ومنابرهم الإعلامية مهنيا وإعلاميا وإنما هم الذين يفرضهم الأداء الإعلامي وقوته والتصاقه بكيان العمل السياسي والمؤسساتي الحيوي في الدولة في أن يكونوا في مواقع التسيير والقيادة في مؤسسات الدولة بحكم أهمية العمل الإعلامي وما تتيح كفاءة الإعلامي المثقف من مزايا هامة في الإقناع.

 

لو عدنا إلى التاريخ المعاصر لوجدنا ان الكاتب والإعلامي الكبير ” حسنين هيكل ” رحمه الله كان ضمن الحلقة الضيقة لصناع القرار في مصر في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر رحمه الله بل انه كان مستشاره الخاص ورفيقه في الكثير من المحطات التاريخية التي عاشتها مصر في عهد “الناصرية”.

 

إن القيادات الإعلامية التي ترى في كفاءتها الاتصالية خاصة والإعلامية مجال لإدارة وقيادة مؤسسات البلاد في الكثير من منابر الدولة وهياكلها المؤسساتية نموذج هام في تشكيل إطارات الدولة والكاتب والإعلامي الذي يملك رصيد معرفة ومؤهلا وتكوينا أخر يحتاجه المجال السياسي خاصة يمكنه ان يعطي الكثير للوطن وللدولة بمفهومها الحديث التي تحتاج لإطارات لا مناضلين فقط. في الجزائر وساحة الإعلام الوطني يجب استدعاء هذه النماذج الإعلامية في الجزائر التي تشير الى القيادات الإعلامية القادرة على اتباث كفاءتها خارج الجرائد والإذاعات والقنوات وتستثمر في ما تملك من كفاءات مهنية ومعرفية وخبرات في قطاع هو سلطة رابعة لقيادة مؤسسات والمشاركة في صناعة ملامح كيان دولة.

 

يبدو ان السياق العام الذي تنشط فيه الصحافة في اي بلد يتاثر كثيرا بالوضع العام السياسي والثقافي الذي يعيشه المجتمع وهو جمهور تخاطبه وسائل الاعلام لقد لفت انتباهي ان الوضع الحالي على الاقل في بيت الاعلام ببلادنا استنزف جهد الصحفيين خاصة منهم القلة القليلة المتكونة والحاملة لرؤية مهنية واخلاقية وتنظر للوظيفة بنظرة استشراف كمؤشر يبني وعي مجتمع بقضايا حاضره وهواجس وطنه.

 

يعود مع الحديث اليوم عن الحرية والنضال من اجل تمكين الصحافة من دورها الرقابي والديمقراطي والصحفيون في الكثير من منابر الاعلام الوطني يعانون مشاكل اجتماعية ومهنية قاسية فابالاضافة الى متاعب الصحف المالية وزلات القنوات وتسطيح اشباه الاعلاميين للوظيفة يعاني الاعلام حالة روتين قاتلة وجمود من حيث تغطية ابعاد المرحلة وتجليات الوضع المعاش على اكثر من صعيد.

لم اجد وانا ارى نشرات قنوات واتابع ما تنشره بعض الصحف على استحياء عن هم عام ما يوحي اننا امام مشهد اعلامي ثري تعددي ينقل جزائر التعدد بما تحمله الكلمة من معنى ويحيل المجتمع الى مناخ ديمقراطي تعددي يرتكز على حرية التعبير التي نحتفل بها على وقع فوضى مازالت لصيقة بالصحافة.

 

متى ندرك اننا امام اعلام يعاني من وضع عام وسياق انتشرت فيه ثقافة التسطيح للعمل الجاد سواءا ذاك العمل الذي يرتبط باداء مؤسسات ام بنشاط نخب هي الاخرى تعاني من ركاكة اعلامية تقابلها لم تستوعب ان الاعلام رسالة وصيد علم يطلب وممارسة راقية في الميدان.

 

المناخ العام الذي يعيش فيه الاعلام ببلادنا هو الذي جعل من هب ودب اعلاميا وكاتبا وصحفيا وسطح طريقة تفكير الناس تحت مسميات دمقرطة الاعلام وجعله اكثر انتشارا وكانه سلعة تباع.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك