الإعلام الثوري …منابر ناضلت من أجل الاستقلال

من تاريخنا

بقلم د. محمد مرواني باحث وكاتب صحفي

 

إن المتصفح لتاريخ الثورة التحريرية المظفرة والمتأمل عن عمق في قيمة النضال والكفاح المسلح المنظم الذي قاده جيش التحرير الوطني منذ اندلاع ثورة نوفمبر الخالدة في الأول نوفمبر 1954 يدرك تماما أن هناك مسارات نضالية أخرى إلى جانب الكفاح المسلح ساهمت هذه المسارات النضالية في إنجاح الثورة وانتشارها والتفاف الشعب حولها ولعل من ابرز مقومات هذا النضال الكفاح السياسي والإعلامي الذي قادته العديد من الوجوه الثورية المعروفة بحنكتها السياسية وقدرتها على الاستثمار في النجاحات العسكرية ضد المستعمر الفرنسي .

ولعل النضال الإعلامي الذي رافق ثورة التحرير المظفرة يعتبر من أهم ركائز قوة ثورة نوفمبر الخالدة فقد ساهمت الإذاعة السرية التي فاجأت العدو في يوم 16 ديسمبر 1956 يعني في أوج ثورة التحرير الخالدة ساهمت هذه الإذاعة المنبع الأصيل للإذاعة الجزائرية في الدفاع عن رسالة الثورة التحريرية القائمة أساسا على دعم الثورة إعلاميا وسياسيا وهذا باعتبار العمل الإعلامي الداعم لقضايا التحرر من الاستعمار أو الاستدمار كما يسميه ” مالك بن نبي ” من أهم الركائز السياسية التي يمكن أن ترتكز عليها الثورة في أي بلد ينشد التحرر من مظاهر الاحتلال والاستعمار .

ساهمت الإذاعة السرية التي مهد قرار قيادة “الاتصالات ” في الثورة باستحداثها وعلى رأس هذه القيادة الثورية المجاهد الراحل عبد الحفيظ بوصوف في تقديم دعم إعلامي وسياسي هام وقوي للثورة لتكون المنبر والذراع الإعلامي القوي للثورة التحررية وحلقة الاتصال الحيوية وصوت الجزائر المكافحة

ولا يمكن إغفال العديد من المعطيات التاريخية ونحن نتحدث عن دور الإذاعة السرية في الثورة التحريرية التي تؤكد أهمية هذا المنبر الإعلامي ووجوده إبان الثورة فقد حاول الاستعمار الفرنسي وبمجرد اندلاع الشرارة الأولى للثورة التحريرية تشويه الغايات العظمى لثورة نوفمبر وصور المجاهدين كخارجين عن القانون وقطع طرق والى غير ذالك من التوصيفات التي أطلقها المستعمر للتشويش على الثورة التحريرية التي فاجأته بالتنظيم المحكم الذي انطلقت به وبالانتشار الواسع لها ومن هنا كان السياق التاريخي الذي ظهر فيه الإذاعة السرية أي بعد قرابة سنتين من اندلاع الثورة مكسبا هاما للثورة كان يجب أن يكون خاصة وان سنة 1956 كانت محطة تاريخية هامة في مسار الثورة التحريرية ففي هذه السنة كانت هجومات الشمال القسنطيني وعرفت الثورة تنظيم مؤتمر الصومام وبدا النضال السياسي الداعم للثورة في الانتشار وكان لابد في هذه المرحلة التاريخية البالغة الأهمية أن يظهر هذا المنبر الإعلامي الثوري ليدعم كل النجاحات العسكرية والسياسية للثورة التي واجهت أيضا في هذه السنة أي 1956 محاولات عدية للمستعمر الفرنسي للضغط عليها ومحاصرتها غير أن انطلاق صوت الإذاعة السرية عام 1956 كان بمثابة انطلاق رصاصة أخرى في كيان المستعمر الفرنسي الغاشم إذ كشفت الإذاعة السرية نبل رسالة نوفمبر الخالدة وهي الحرية والاستقلال .

 

دوافع إنشاء الإذاعة السرية إبان ثورة التحرير :

 

حينما تأسست الحكومة المؤقتة عام 1958 شكلت لديها وزارة للأخبار كانت تتولى نشر الأخبار والمعلومات عن نجاحات الثورة التحريرية والمكاسب المحققة وكان الهدف المنشود في الحقيقة من القيادة الثورية آنذاك في توظيف وسائل الإعلام في الكفاح الوطني ضد المستعمر الفرنسي ربط علاقة قوية بين الثورة والشعب وبين جيش التحرير الوطني ممثل الشعب الجزائري والشعب الذي كان يعاني من جبروت وهمجية المستعمر الفرنسي كما تولت وسائل الإعلام في الثورة كالإذاعة السرية وجريدة المقاومة دحض أكاذيب المستعمر الفرنسي وتحسين المواطنين والرأي العام من دعايات المستعمر الفرنسي المتواصلة وقد شدد مؤتمر الصومام على الرفع من مستوى العمل الإعلامي والتنسيق بين الأجهزة الإعلامية لتقديم الدعم الإعلامي المطلوب للثورة الذي يواجه به جيش التحرير  الإعلام الاستعماري وقد ورد في القسم الثالث للمنهج السياسي لميثاق مؤتمر الصومام تحت عنوان ” وسائل العمل والدعاية ” بضرورة الرد بسرعة على أكاذيب المستعمر الفرنسي ودعاياته المغرضة التي يمارس في حق الثورة وقيادتها وشددت التعليمات في هذا الإطار على ضرورة إنشاء ما يشبه مكاتب إعلامية عبر مختلف مناطق الوطن لنشر قيم الثورة التحريرية ونجاحاتها والرد على المستعمر الفرنسي ودعايته الاستعمارية وقد اعتمدت الثورة التحريرية على إذاعات العديد من الدول العربية ومن هذه الإذاعات : إذاعة صوت العرب من القاهرة التي لعبت دورا محوريا إبان الثورة التحريرية بداية من بث أخبار الثورة من عام 1955 باعتماد ثلاث برامج إعلامي هامة منها :

-برنامج :صوت جيش التحرير الوطني يخاطبكم من القاهرة : كان يبث من صوت إذاعة العرب باللغة العربية وبعد إنشاء الحكومة المؤقتة أصبح يحمل عنوان ” صوت الجمهورية الجزائرية ” يذاع بالفرنسية .

وقد استطاعت الثورة أن تتحصل على وفي عام 1956 على جهازين للإرسال من القواعد الأمريكية اللذان كانا يستعملان في ربط وحدات الجيش عبر المسافات البعيدة وقد تم توظيف هذه الأجهزة في البث الإذاعي 

بدا إرسال الإذاعة السرية بجهاز إرسال من نوع ب س 630 متنقل عبر شاحنة تم الحصول عليها من القاعدة الأمريكية بالمغرب من القنيطرة عام 1956 وكانت تبث برامجها بالريف في مناطق تحت السيطرة الاسبانية لمدة ساعتين ساعة بالعربية ونصف ساعة بالأمازيغية ونصف ساعة أخرى بالفرنسية وكان الإعلان عبر الإذاعة “هنا إذاعة الجزائر الحرة المكافحة ” صوت جبهة التحرير الوطني وجيش التحرير الوطني يخاطبكم من قبل الجزائر وقد كان يشرف على تسير هذه الإذاعة مناضلون من أمثال مدني حواس , عبد السلام بلعيد , عبد المجيد مزيان وغيرهم وقد سعى المستعمر الفرنسي إلى التشويش على الإذاعة السرية عن طريق مثلا بث أغاني من مركز بث إذاعي من الجزائر كما عمد المستعمر على تحديد مكان بث الإذاعة على متن سيارة لضربها.

غير أن كل المحاولات الاستعمارية لم تستطع القضاء على هذا المنبر الإعلامي الثوري الذي رغم انه كان هناك انقطاع ما بين 1957 و 1958 غير أن الجبهة اقتنت أجهزة جديدة للبث الإذاعة تم وضعها بمنطقة الناظور المغربية باتفاق مسبق وعاد البث مجدد للإذاعة جويلية 1959 وقد كان صوت عيسى مسعودي كان صوت الثورة التحريرية المدوي الذي قال عنه بومدين ان نصف نجاحات الثورة كان ورائها صوت عيسى مسعودي الراحل الذي انطلق صوت الجزائر الحرة من حنجرته من الشقيقة تونس 1956 رافق في العمل الإعلامي أيضا محمد بوزيدي وقد ساهمت الإذاعة السرية في كشف جرائم المستعمر الفرنسي ومواجهة الدعاية الاستعمارية التي كانت تسعى إلى ضرب مقومات الثورة التحريرية المظفرة وكيانها الشعبي وهذا يؤكد الدور الريادي للإذاعة السرية وللإعلام الثوري إبان ثورة التحرير المظفرة إذ ساهم هذا الإعلام الثوري في النضال السياسي والإعلامي الذي عزز من قوة الكفاح المسلح وان البحث والاهتمام بهذا الدور التاريخي للإعلام في ثورة التحرير المظفرة وفي نيل الاستقلال يجب ان يكون ضمن الأولويات الهامة في مختلف مسارات البحث وأداء مؤسسات الوصاية.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك