الإسلام في معركة كورونا.. الحاضر القوي

البديل الحضاري

بقلم: صالح عوض

رغم أن المسلمين طردوا من جوامعهم وحرموا من جمعهم و أغلقت مساجدهم الثلاثة: الحرام والنبوي والأقصى.. إلا أن الإسلام فرض نفسه بقوة وجدارة في المحافل الدولية من واشنطن إلى روما إلى  بروكسل إلى غرناطة حيث أصبح نداؤه الخالد باعث الطمأنينة والتفاؤل و أصبحت آياته غذاء الروح الإنسانية المعذبة ودار إليه طوعا أو كرها كبار الناس بانتباه وتقدير.. فحقق انتصاره الروحي باقتدار في حين وقفت كل الفلسفات المبعثرة متيبسة عن إعطاء مبرر لاستمرار الحياة ومفسر لما يحدث في الكون.. إنها مرحلة الحضور الإيماني الكبير الذي ينجزه الإسلام في معركة الوعي بمكونات الإنسان والانسجام بينها رغم كل ما بذله الآخرون من تشويه له، وشيطنة لرسالته، ورغم قصور أبنائه عن القيام بالذود عن حياضه وكرامته، أو نشر معانيه ورسالته.. فهل لهذه الجولة من جولات تتبعها في الاتجاه نفسه؟ هل حقا عاد دور الإسلام لينظم علاقة الإنسان بأبعاده وبالوجود فيحرره من الخوف والقلق والشر بعد أن أوغلت الحضارة المعاصرة فتكا في دمائه وكراماته وأمنه؟ هل جاء دور الإسلام ليكون البديل الحضاري؟ حول هذا السؤال الذي يدغدغ مشاعر المؤمنين بالإسلام وتطلعات المعذبين من أبناء البشر أحاول الاقتراب من الإجابة في هذه المساحة المتاحة.

نظرة الى الغرب:

سجل العقل الغربي إبداعا في عديد المجالات، و توسع في العلوم والمختبرات، ومراكز البحث العلمي، وانتظمت في الغرب الصناعة والتجارة..وبرزت قيمة إنفاذ القوانين وفعالية المؤسسات المجتمعية في تهذّبت أخلاق الناس، فساد العدل والحرية وحقوق الإنسان، كما شهد الغرب إنتاجا متطورا في مجال أدوات الراحة والرفاه في المواصلات والاتصالات والطبابة و تكرس الأمن على القوت والسكن والعلاج والتعليم فأصبح الغرب قوة جاذبة للطاقات العلمية والعملية من شتى دول الجنوب وأصبحت مدن أوربا موئلا لكل طريد.

تحرر العقل في الغرب من الكنيسة وانسحب المجتمع من ميدان الدين ففقد السلطان الروحي على سلوكه، و جنحت نسبة عظمى من المجتمعات الأوربية نحو الإلحاد تعيش قلقا فلسفيا عميقا وبرزت جماعات ثقافية بممارسات شاذة، متمردة على نمط الحياة القائم لينمو السؤال الكبير ما هي مهمتنا في الحياة وما هي مهمة الحياة؟ فيما يتعزز يوما بعد يوم الشعور بأن عجلة الاقتصاد تحوّل العاملين إلى طبقة عبيد وان كل الإجراءات المتخذة على صعيد الضمان الصحي والاجتماعي إنما هي من باب الحرص على حياة العاملين من أجل ضمان الإنتاج، و ما كان يمكن لابن الجنوب ان يدرك الخلل الذي يعيشه الشمال لولا حدوث هزات واسعة كما فعلت طبقات العمال والموظفين في فرنسا عبر شهور عديدة من خلال احتجاجات صاخبة قمعتها السلطات بقسوة.. 

جنح الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة إلى تطوير أدوات الاتصال والقتل وتحويل المجالين إلى مصدر تفوق اقتصادي خدمة لقيمة الربح متحللا من أي قيم أو أخلاق، وعلى الصعيد الخارج  كان الفتك بملايين البشر الأبرياء والاستقراء على الشعوب والدول لإخضاعها ونهب ثرواتها.. فأصبح العلم والعقل أداة لقمع الإنسان وتحطيمه.. فأرتهنت البشرية بمزاج عصابة مال متحكمة في العالم تقرر أمكنة الحروب لتضخ فيها الأسلحة بشتى أنواعها التدميرية البيولوجية ولكيماوية والذرية والتقليدية.. وتشرف على المؤسسات الدولية وأجهزة الإعلام لتكرس واقع الاستعباد.

هذه هي منظومة منهج الحضارة الغربية وتلك هي قيمها التي تسير بالبشرية نحو الفناء إما بطريق مباشر، أو بشكل غير مباشر بتلويث البيئة وتغيير المناخات وتغيير التضاريس من خلال استخدامها المجنون للطاقة الملوثة والنفايات الذرية لتحافظ على تصاعد وتيرة ربح عصابة المال.. 

لقد كتب مفكرون ألمعيون غربيون وأمريكان عن خطورة الحضارة الغربية على الحياة الإنسانية وعن الخلل الرهيب الذي يسكنها ويقف في طليعتهم الآن في فرنسا المفكر “جان كلود غيبو”، صاحب الكتاب الشهير: “ولادة عالم جديد” الذي استنتج :” أن الحضارة الغربية لم تعد تمارس القدرة نفسها على الجاذبية، كما في السابق، لا داخل الغرب، ولا خارجه. وفي كل مكان نلاحظ تجليات الرفض للتنوير الغربي، والتّمرد عليه، وعدم الثقة به”. ورصد كثير منهم عناصر الخلل الجوهري فيها والتي بدأت تدفع بها إلى الانهيار.. التقط صناع الاستراتيجيات في الغرب لاسيما في أمريكا إشارات بروز قوة عالمية قد تمثل تحديا حضاريا وحسب مراكز البحث الاستراتيجي في أمريكا كان المرشح هو الإسلام.. فتجندت قوة الحضارة الغربية بشتى الوسائل في محاولة لمنع نهوض البديل الإسلامي.. 

إلا أن تحول الدولة إلى أداة بيد كبار أصحاب المال الذين أفلسوها صرفها شيئا فشيئا عن أي نهج واضح أفقدها أدوارها التي طالما تغنت بها داخليا وخارجيا تحت ضغط تراكم الديون على خزينتها فكيف يمكن لدولة هي الولايات المتحدة أن تستمر في المواجهة فيما تعاني من مديونية تزيد عن 23 تريليون دولار جاءها كورونا ليرفع المديونية الى 30 تريليون دولار ويغرق البلد في أسوأ وضع اقتصادي.. فلن يكون أمام عاصبة المال العالمية إلا إذكاء الصراعات والحروب في العالم مستغلة إنتاجها من السلاح والمعدات وأدواتها الإعلامية. 

لغز كورنا:

 ان تهاطل الثلج أمام ستالينجراد تسبب بشكل أساس في انهيار النازية وانتصار الشيوعية عام 1942.. كذلك فان كورونا يتحرك ليكشف طبيعة الدولة لاسيما في الولايات المتحدة الأمريكية حيث يظهر ضعفها في إمكانية استيعاب المصابين وإنتاج علاجات تقضي على الوباء ففي حين نحصي إنفاق بتريليونات الدولارات في حرب غبية في أفغانستان والعراق فإن الدولة تقف بلا مبالاة أمام احتياجات ضرورية للإعداد لمواجهة الوباء.. والأسوأ بروز فلسفة لدى بعض رجال المال في مؤتمر روما كما في لندن بضرورة فناء قطاعات واسعة من البشر بحروب او بأوبئة.. وهكذا تقود الحضارة الغربية الحياة والطبيعة نحو التخريب و الهاوية بعد أن أصبح كل شيء في عرفها خاضع للربح والمصلحة.. جاء كورونا ليكشف حجم الخواء و الخديعة، ويعري النظام والمنهج على حقيقته. ويلحق خسارات عميقة بالاقتصاد الغربي والأمريكي بالذات وهذا يعني ان المجتمع الغربي كما شبّهه بنيامين فريدمان، الخبير الاقتصادي السياسي “بالدراجة الثابتة التي يُسيّر عجلاتها النمو الاقتصادي، فإذا ما تباطأت هذه الحركة الدافعة إلى الأمام أو توقفت، ستهتز ركائز المجتمع، مثل الديمقراطية والحريات الفردية والتسامح وقبول الآخر”

الإسلام هو البديل:

 يشير صمويل هنتغتون في كتابه المعروف (صدام الحضارات) إلى استمرار الصراع بين الشرق والغرب، حيث يتمثل الأخير بالعالم المسيحي الذي يدمج معه اليهودية أيضا، وفي مقابله تقف الإسلام في مواجهة بدأت ولن تنتهي.. وفي المعركة المفروضة صنعوا جماعات وأفكار باسم الإسلام لتعطيل تقدمه، وتحركت قوى النفوذ في الغرب بعنصرية متنامية لمنعه من النهوض من خلال حروب استباقية كما فعل في أكثر من مكان في العالم الإسلامي، فيما انهمك نفر من المثقفين الغربيين في الترويج لنمط معين حسب صناعة الاستشراق كما يرصد ذلك المفكر الفلسطيني العملاق إدوارد سعيد في كتابه “الاستشراق”.. إلا أن هذا كله لم يصمد أمام المتعرفين الغربيين على الإسلام.. و تجلت لنا طبيعة الإسلام: أنه كلما حورب اشتدّ، وكلما حوصر امتدّ، وكلما منعوه انتشر بأكثر من معنى وعلى أكثر من صعيد.

 الإسلام هنا ليس المقصود به مجموعة مواعظ وترانيم، أو أحكام الحلال والحرام فقط إنما هو منهج لحياة مضبوطة في كل مناشطها بقيم ومفاهيم تدور حول حرية الإنسان وكرامته.. يقدم الإسلام رؤية حضارية شاملة وتصورا متكاملا حول الإنسان والكون والحياة وتكيفها في وحدة متداخلة مجيبا على الأسئلة الصعبة التي يواجهها الإنسان الغربي على الصعيد الفردي، وهو على الصعيد الاجتماعي فكرة تحررية شاملة تجعل من منظومات العلم والاقتصاد والسياسة والتشريع مقيدة بمصلحة الناس، وتضبط حركتها بالقيم وتمنعها من الجنوح رافضة الاستعباد بأي مسمى كان اقتصاديا او سياسيا.. وهو في هذا يمثل النقيض المنهجي للحضارة المادية الغربية ولكنه وفقا لطبيعته يرحب بكل انجازات الحضارة الغربية التي فيها منفعة للناس في شتى المجالات ويحرسها وينميها كما فعل سابقا مع التراث الإغريقي والفارسي والبيزنطي وفنون الشعوب وعطاءاتها المتنوعة.. 

  لم يمارس الإسلام جنوحا في أي بعد من أبعاد حضارته، فمع كل  التقدم الذي صنعه في حياة البشر على صعيد العلم والنظم إلا انه لم يدفع أتباعه إلى تطوير الأسلحة وأدوات القتل ولم يسمح بإفساد الطبيعة من قطع شجر وأذى لحياة الناس شاهرا بقوانين صارمة في هذا الصدد، ولم يسمح للعلم ان يتجاوز حدود الخير والمنفعة للناس ولم يقبل لجيوشه القيام بتطهير عرقي وتغيير ديمغرافي،أو تجاوز على القيم وظلت حرية الاعتقاد مكفولة ومحمية.. وكان هو الأول في تأسيس نظام المواطنة مع اختلاف العقائد والأعراق.. وأثبتت مسيرته الحضارية إنها إنسانية بجمعها للتراث البشري الماضي والحاضر واعتنائها به دونما تحريف.

والإسلام كيان جغرافي وسياسي يمثل القارة الوسط على خطوط عرض متقاربة بكتلة بشرية متماسكة مترابطة تصل إلى ما يزيد عن مليار ونصف نسمة وتشهد نموا ديمغرافيا متفردا، تعيش انتماء روحيا عميقا ورغم كل ما مورس عليها من حروب ظلت متمسكة بعناصر هويتها الحضارية.. وأظهرت أنها تتفاعل مع قضاياها كأمة واحدة كلما هزت أحد أجزائها مصيبة.

والإسلام يمتلك قوة مذهلة من حيث الثروات الهائلة في البلدان التي تنتمي إليه تكفي تماما لتشغيل العجلة الحضارية لقيادة المسيرة البشرية ولديه من الأبناء المتوزعين على مجالات العلم والتقنية ما يمكن اعتباره قاعدة أساسية للنهوض.

من هنا لابد ان يتقدم الإسلام ليس فقط لتقديم طمأنينة روحية أمام القلق الإنساني على الصعيد النظري وإنما على صعيد إيجاد ضمانات الحياة الآمنة من خلال بنيان حضاري مادي يحمي القيم وينشرها ويحتكم إليها.. والإسلام يمتلك كل المؤهلات للقيام بهذه المهمة كما يذكر ذلك العالم “جون ل. إسبوزيتو” أستاذ العلاقات الدولية في جامعة “جورج تاون”، في كتابه (التهديد الإسلامي: أسطورة أم واقع؟): “أساطير وخرافة تهديد الإسلام للغرب أو العكس”، وتناول الوجه الحضاري للإسلام تاريخياً.

عوائق أمام الإسلام:

نعم ان كورونا وفر الظرف التاريخي للإعلان عن بداية انهيار النموذج اللائكي، ولكن هذا لا يعني تلقائيا تقدم الإسلام لقيادة البشرية.. فصحيح أن الإسلام يمتلك قوة ذاتية معجزة لكن ذلك يحتاج إلى فعل منهجي برؤية حضارية يبرز قيمه بجلاء للإنسانية.. وهنا لابد من التأكيد على أن المعطلات الذاتية هي التي تمّكن للتحديات الموضوعية حسب نظرية مالك بن نبي”القابلية للاستعمار”.. فعلى الصعيد الذاتي  يمكن تشخيص عناصر المرض في الفوضى والعبثية المتسببة في إهدار الثروات وطرد الكفاءات.. غياب الإحساس بضرورة التكامل العربي والإسلامي لتحقيق النهضة في البلد، فتكررت التجارب والأخطاء، وفي الدائرة نفسها تقف القوى العلمانية فاقدة الإحساس بدور الإسلام كناظم لوحدة الأمة وباعث لنهضتها.. كما أن كثير من الحركات الإسلامية تفتقد الرؤية الحضارية فأصبحت قوة معطلة بعد أن تجاوزت منظومة قيم الإسلام ومفاهيمه بممارساتها السياسية الفوضوية.. كما أن المشاريع التفسيخية العرقية والطائفية أصبحت معطلا كبيرا.. 

إن العمل المنهجي لإحياء محور طنجة-جاكرتا يبدأ بالتفكير خارج كل تلك المعطلات وذلك لإحداث انتعاش الروح في المنطقة العربية بمراكز فعلها ملتزمين بمنظومة قيمنا.. ان هذا هو الرد المنطقي على التحدي التاريخي وهكذا نستطيع أن نقول إن الإسلام يتقدم ليكون البديل الحضاري وهو جدير بذلك.. والله غالب على أمره.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك