الارسيدي بين إدارة السياسة وسياسة الادارة

بقلم: احسن خلاص

شكلت الرسالة التي بعثت بها الإدارة السياسية ممثلة بوزارة الداخلية إلى حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية منعطفا هاما من منطلق أنها أخرجت إلى السطح إشكالية ظلت مطروحة من بدء العمل الرسمي بالتعددية الحزبية مع بداية عام 1989، وتتعلق بالحدود بين مرونة السياسة وثبات البيروقراطية. وبالرغم من محاولة إظهار هذه المراسلة على أنها سابقة وموجهة بالتحديد ضد الحزب المعارض إلا أنها تعبر عن نمط العلاقة بين الإدارة والحياة السياسية منذ البداية ومن صميم مهام الإدارة تجاه الأحزاب السياسية والحركة الجمعوية غير أن الظرف السياسي الذي جاءت فيه جعلها تأخذ طابعا سياسيا خاصا وتصبح مادة خصبة للاستثمار السياسي على أصعدة متعددة.

 

قبل التفصيل في ما تقدمنا به، لنقف عند هذه المراسلة التي تضمنت إعذارا أثار رد فعل عنيف لدى قيادة الارسيدي واستنهض همة إطاراته ومناضليه والمتعاطفين معه عبر مواقع التواصل الاجتماعي وذهب إلى حد إحياء الحمية حوله من قبل قيادات تاريخية مثل القيادي السابق نور الدين ايت حمودة ومؤسسة القيادي المؤسس للحزب مصطفى باشا وأطياف سياسية أخرى تدور في فلك قوى البديل الديمقراطي.

 

نبهت مراسلة وزارة الداخلية على لسان أمينها العام الإرسيدي منذ البداية أن هذا الإعذار وإن كان شديد اللهجة ويحمل نبرة تهديدية بإجراءات قانونية لم يحددها بوضوح، إلا أنه يأتي تبعا للمهام الروتينية التي تقوم بها مصالح الوزارة وهي “المتابعة الدائمة لنشاط التشكيلات السياسية” لتوحي بذلك أنها لا تأتي ضمن تحرشات ومضايقات سياسية خاصة موجهة إلى الإرسيدي بل رأى صاحب المراسلة أن من واجب الإدارة لفت انتباه قيادة الحزب إلى ما بات ملفتا للانتباه بتكرار خرق الدستور وقانون الأحزاب والقانون المتعلق بالاجتماعات والمظاهرات العمومية وهي الخروقات التي قدرت الداخلية أن من شأنها أن تمس بالنظام العام وسلامة المواطنين. وذهبت الداخلية إلى حد تعداد جملة الخروقات دون أن تقدم تفاصيل عن الزمن والمكان والجهات المسؤولة عنها غير أن الأرسيدي اعتبرها ضمن نشاطاته العادية التي دأب عليها منذ سنوات دون أن تكون محل اعتراض من قبل الإدارة.

 

وترى الداخلية أن الحزب انتهك خصوصيات الدولة ورموزها، وهو اتهام خطير يمكن ربطه برفع الراية الأمازيغية بجانب العلم الوطني في الاجتماعات الرسمية للحزب كما يمكن ربطه بما اعتبر مساسا بالرئيس تبون أو المؤسسة العسكرية، وقد تبين لنا الأيام القادمة تفاصيل أخرى نجهلها. وتتهم الداخلية الإرسيدي كذلك باستغلال مقره ونشاطاته لإقحام تنظيمات غير قانونية وغير معتمدة ولإيواء أفراد قصد تعبئتهم لنشاطات تمس بالنظام العام إلى جانب خرق قانون الاجتماعات والمظاهرات بالدعوة المتكررة لتنظيم تجمعات ومظاهرات دون ترخيص من الإدارة كتلك التي نظمت بولايتي تيزي وزو وبجاية بالرغم من المنع الكلي للمظاهرات بسبب انتشار وباء كورونا. وفي الختام تؤاخذ الإدارة على الإرسيدي سعي منتخبيه المحلييين إلى عرقلة السير العادي للمؤسسات العمومية والتحريض على غلقها في إشارة إلى رفض المجالس البلدية التعاون مع الهيئة المستقلة لتنظيم الانتخابات لضمان السير العادي للعملية الانتخابية لرئاسيات ديسمبر الماضي.

 

هي سبع خروقات إذن تراكمت قبل أن تعددها الداخلية بنبرة التهديد باللجوء إلى إجراءات يكفلها القانون وهو ما استقبله الإرسيدي قيادة ومناضلين ناشطين ومنشقين بأنه إيذان بدفع الحزب نحو الحل بعد 31 سنة من النشاط القانوني والرسمي. فتحركت آلة الإرسيدي للتصدي لما اعتبرته مؤامرة سياسية مبنية على تخمينات فضفاضة تهدف إلى تصفية حسابات مع الحزب بسبب مواقفه المعارضة للسلطة وحرصه على استقلالية قراره كما عبر عن ذلك مناضلوه والمتعاطفون معه على شبكات التواصل الاجتماعي، ويدعم هؤلاء موقفهم بمبرر تزامن هذه المراسلة مع استدعاء الدرك الوطني رئيس الحزب محسن بلعباس في قضية تدخل ضمن الحق العام ولا شأن لها بالسياسة إلى جانب “مضايقات” أخرى كان مصدرها ولاية الجزائر تتعلق بمقرات الحزب.

 

ويرى الإرسيدي أن مراسلة الداخلية لا تستهدفه كحزب فحسب بل تستهدف الحريات العامة الخاصة بالصحافة والتجمع وانتهاك حقوق الإنسان وإعادة النظر في التعددية الحزبية من خلال مخالفة الدستور والقوانين التي تحكم ممارسة النشاطات السياسية والحزبية لأي حزب شرعي. وذهب الإرسيدي إلى تحذير ضمني للسلطة من المساس بالإرسيدي كتيار فكري وتاريخ حافل بالنضال الديمقراطي ومشروع مجتمع.

 

ويعد الإرسيدي الحزب الوحيد الذي بقي على قيد النشاط من بين الأحزاب التي نشأت مع بداية التعددية الحزبية الرسمية عام 1989 بعد حل الجبهة الإسلامية للإنقاذ. وقد عاش مثل بقية الأحزاب مشاركات ومقاطعات لأجندات النظام وعرف هزات وانشقاقات داخلية بعضها كان نتيجة صراعات داخلية على القيادة والزعامة وبعضها الآخر كان بفعل عوامل خارجية على رأسها تدخل المخابرات والإدارة في حياة الأحزاب السياسية التي شهدت في عهد بوتفليقة العشرات من “الحركات التصحيحية”  حيث كان للإدارة دور هام في إعلاء هذا الطرف على ذاك من قيادات الأحزاب وفق درجة الولاء للسلطة والتواطؤ مع سياساتها. وهو ما جعل الإرسيدي يأخذ تهديدات الداخلية على محمل الجد ويدرجها في خانة المناورات السياسية لاسيما وأنها حملت سلسلة من الاتهامات التي قد ترقى إلى رفع دعوى قضائية من أجل حله إذا لم يلتزم بإعذار الداخلية، وقد يكون هذا الإعذار، في نظر الإرسيدي حلقة في سلسلة من الضغوط الإدارية أمام انعدام التنافس السياسي.

 

ويلاحظ أن نظام التصريح الذي اقترحته التعديلات الدستورية الجديدة يسري على الجمعيات دون يشمل تأسيس الأحزاب السياسية التي لا تزال تخضع لنظام الاعتماد القائم وهو ما يشير إلى أن عهد حرية إنشاء الأحزاب لم يحن بعد وهو ما تعززه التحذيرات التي وجهتها الداخلية إلى الإرسيدي وتذكيرها أنها تتابع دائما نشاط الأحزاب السياسية. فتدخل الإدارة لا ينحصر في مراقبة مطابقة اجتماعات الأحزاب للقانون بل إلى متابعة جميع نشاطاتها وإصدار البطاقات الصفراء والحمراء في حال ما ارتأت أنها خالفت القانون.

 

ومهما كان تطور ملف الداخلية مع الإرسيدي فإنه يشكل حالة ذات أهمية كبيرة تفيدنا في معرفة حدود التداخل والاستقلال بين السياسية والإدارة في الحياة السياسية والمدنية في الجزائر.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك