الإخوان المسلمون.. بين النور والظلام

إنصاف

بقلم: صالح عوض

الحركة الأوسع انتشارا في الوطن العربي، والأكثر تأثيرا في شباب الأمة لم ينل حركة عربية سياسية جدل مثلما نالها، حول منطلقاتها وعلاقاتها وتحالفاتها وأهدافها.. وفي حين لم يصل خصومها من البعثيين واليساريين إلى الحكم إلا بالانقلابات العسكرية، كانت هي الحركة العربية الوحيدة التي وصلت بالانتخابات إلى سدة الحكم وحرمت منه غصبا.. رفعها بعض محبيها إلى درجة العصمة والقداسة لا يسمحون لأحد الاقتراب منها بنقد،  ويفسرون الخيبات والمآسي أنها ابتلاءات من الله، و لم يقبل خصومها بأقل من سحقها، وإخراجها من مسرح الحياة، يتهمونها بالاقصائية ويمارسون ضدها أقسى أنواعه.. تصر على أنها وسطية وتتهمها تيارات العلمانية بالإرهاب. 

ملاحظات ضرورية:

لم تقدم حركة عربية ضحايا  مثلما قدمت، وما امتلأت السجون بحركة بمثل ما امتلأت بأبنائها، حركة امتزج فيها الصوفي القدري بالبرجماتي السياسي، عارضت أنظمة وهادنت أخرى، غازلت الغرب واصطدمت معه، يفتخر أحبابها بقتالها في قناة السويس ضد القواعد الانجليزية وفي فلسطين ضد العصابات الصهيونية، وقتالها في غزة ضد جيش الاحتلال كما لم يقاتل أحد، و يأخذ عليها خصومها حربها على الدولة السورية معرضة البلاد للتمزق والشعب للضياع.. يأخذون عليها حربها ضد الاتحاد السوفييتي في احتلاله لأفغانستان فيما وقفت مكتوفة الأيدي عمليا من احتلال الأمريكان للعراق، ويعيب عليها خصومها سكوتها عن أنظمة الخليج صديقة الأمريكان فيما لم تتردد في مهاجمة الأنظمة الجمهورية لاسيما صديقة السوفييت، ولكن يقول أحبابها: أنها لم تختر ذلك بل فرض عليها العداء من دول، وتم الترحيب بها من دول أخرى، فلقد حرمتنا الأنظمة الديكتاتورية حق الكلام والحركة والمشاركة مثل النظام السوري واستسهلت زجنا في السجون لأننا القوة الاجتماعية الأكثر تنظيما على مستوى المجتمع والنخبة، ولم يترك لنا باب للعمل. 

لماذا نجحت الحركة في الدعوة والتنظيم والانتشار حيث أصبح أكبر القوى السياسية الاجتماعية في الوطن العربي؟ وفشلت في الوصول إلى الحكم، أو في إدارته؟ أحبابها يرون أنها تفعل المستحيل في مواجهة العلو الإسرائيلي، وخصومها يستدلون على  فشلها بالمعاناة التي يعيشها الشعب في غزة جراء حكمهم وتعسفهم مع خصومهم وتضييقهم على الناس، رفضوا الدعوات العرقية والطائفية واعتبروها جاهلية فكان أن أصبحت الفكرة وطنهم والعالمية إطارهم، لقد حسب هذا لهم ولكنه أيضا حسب عليهم حيث فقدوا حس الوطنية والقومية، إلا أن واقع حالهم يقول إنهم أكبر قوة ثقافية دافعت عن العربية الفصحى وعملت على الالتزام بها في أوساط المتعلمين، وتصدت لتيارات التفسيخ الثقافي والتجزئة وحافظت على المجتمع العربي من الغزو الثقافي ونشرت مفاهيم الإسلام والأصالة والدفاع عن الهوية.. قيل عنها الكثير واختلط حابل القول بنابله وصحيحه بباطله، حتى أصبح وجودها في المسرح السياسي للبعض أزمة، وتهميشها للمجتمع أزمة، من المفيد طرح عدة عناوين لفهم الحركة.

الإخوان المسلمون وفلسطين:

 المواقف الإستراتيجية التي لا تخضع للمناورة هي الفيصل الذي يخرجنا من دائرة الكلام غير المسئول.. تميز الإخوان المسلمون منذ البداية باهتمامهم بالشأن الإسلامي العام وقضايا المسلمين في شتى بقاع الإسلام وقد جعلوا عودة الأمة لاستئناف حياتها الأستاذية هدفا لهم منذ البداية.. فلقد كانوا بيتا كريما في مصر لكل الوفود الإسلامية التي تحل بمصر من بلاد المسلمين والعرب فلقد وجد الأمير عبد الكريم الخطابي و الشيخ البشير الإبراهيمي والفضيل الورتلاني والحبيب بورقيبة كل الاحترام وقد تحولت دور الإخوان ومقراتهم منابر للحركات التحررية المغاربية.. وانطلقت صحف الإخوان ومفكروهم وشيوخهم في التحريض نصرة لإخوة العقيدة.

اما الكفاح ضد الاستعمار عمليا فكان للإخوان قبل الثورة المصرية نشاط بارز في التصدي للسياسة الاستعمارية كما ذكر أنور السادات في خطابه الأخير: “كنا نتعاون نحن والشيخ البنا في محاربة الانجليز” الأمر الذي ترجمته قيادة الثورة الناصرية بإعادة الإخوان المسلمين والى العمل فور انتصار الثورة وفاء لحسن البنا الذي قام عبدالناصر بزيارة قبره..أما فلسطين فكان لها مكانة لم ترتق لمثلها قضية في وجدان الإخوان وفعلهم.. ففي لحظة خاطفة تحول شباب الأخوان وطلاب الجامعة والأطباء والمهندسون إلى متطوعين في الجهاد لصد العصابات الصهيونية والدخول معها في معارك اثبت الأخوان فيها ان القضية بالنسبة لهم قضية وجود وعقيدة.. ويذكر أهل فلسطين في بئر السبع والخليل وسور باهر والفالوجا وغزة كيف كان الإخوان المسلمون يسجلون بطولات فدائية نادرة حتى اتخذ الحكام العرب يومذاك قرار الهدنة وفرض حدودها وبعدها تعرض الإخوان إلى حملة عاصفة في مصر انتهت بمقتل زعيمهم.. وانبعث فيما بعد نشاط الأخوان لعقد مؤتمر إسلامي بالقدس بقيادة البشير الإبراهيمي ونيابة سيد قطب وحضور قيادات عربية وإسلامية رفيعة المستوى..وظل حضور الإخوان في معركة الدفاع عن فلسطين وقضيتها مسألة مبدئية ولقد خاض الإخوان الدفاع عن استقلال مصر من خلال عمليات الفدائيين على قناة السويس.

وهذا ثابت كبير وامتحان صعب يقف أمام حركة سياسية اجتماعية عربية ففي حين لم نر في البعثيين ولا اليساريين العرب ولا أحزاب العلمانيين أي تبنيا للقتال في فلسطين إلا بعد أن وصلوا الى الحكم وجدنا الأخوان يتدافعون إلى ساحات القتال في فلسطين يضحون بحركتهم التي لم يتم الهجوم عليها من الملك وحكومته والانجليز إلا بسبب موقفها من فلسطين.. فهذا الثابت الكبير يحسب لهم ويعبر عن احد أهم خصائصهم ويعود لجهودهم في الوطن العربي مع الحركات الوطنية والقومية التركيز على حضور قضية فلسطين في وجدان الآمة.. ومن الجدير بالذكر انه من رحم حركة الإخوان ولدت حركات المقاومة الفلسطينية فتح و الجهاد الفلسطينية وحماس. وهنا لا يمكن أن يحتج احد بموقف مسئول هنا أو شخص أو جماعة يتسرب الى موقفها التردد والارتباك.

الإخوان المسلمون.. والوحدة:

أدرك حسن البنا أن أحد أسباب هوان الأمة الفرقة المذهبية والقومية، فانطلق يشق طريق الوحدة بفكره ومبادئه وبجماعة ينشئها على الوحدة ويجعل أحد أصول البيعة فيها “التعهد بتوحيد فرق الأمة وطوائفها”.. فكان له الدور البارز في التأسيس لدار التقريب بين أهل السنة والشيعة. 

يقول محمود عبد الحليم عضو اللجنة التأسيسية للإخوان المسلمين: “وقد رأى حسن البنا أن الوقت قد حان لتوجيه الدعوة إلى طائفة الشيعة، فمد يده إليهم أن هلموا إلينا.. ولو كانت الظروف قد أمهلت حسن البنا لتم مزج هذه الطائفة بالطوائف السنية مزجا عاد على البلاد الإسلامية بأعظم الخيرات”.

يقول آية الله القمي الإيراني، وهو أحد مؤسسي دار التقريب: “كان حسن البنا جبلا شامخا فى همومه وتحركه ونشاطه وتخطيطه وإخلاصه. كان يحمل همّ التقريب بين مذاهب المسلمين انطلاقا من هدفه الذي كان يعيشه بكل وجوده، وهو عودة الأمة المسلمة إلى عزتها وكرامتها ومكانتها على الساحة التاريخية، فهى الجماعة السلفية الوحيدة التي ترفض التعصب الطائفي وتقيم علاقاتها على أساس الإسلام وحده لا المذهب، ولا تعير أهمية للخلافات المذهبية. الشيخ البنا هو الذي سمّى الدار، دار التقريب، وحملت الجماعة والدار اسم التقريب، بناء على اقتراح هذا الشيخ التقي المجاهد”.

وكما قال من قبل “هادى خسرو شاهي”، رئيس مركز البحوث الإسلامية الإيرانية: “كان نشاط حسن البنا ونهضته فى المبادئ ومفاهيمها المطروحة فى الواقع مكملا للتيار الإسلامي السابق له، والذي كان قد بدأه السيد جمال الدين الحسيني المعروف بالأفغاني، فى أواخر القرن التاسع عشر”. فبعد إجراء البنا الكاشاني الحوار بينهما في موسم الحج قرَّرا عقد مؤتمر إسلامي في طهران تشارك فيه شخصيات من العالم الإسلامي”.. 

  أما “علي أكبر ولايتي”، مستشار “خامنئي” فى مقابلة له مع وكالة أنباء مهر الإيرانية يقول: “طبعا كان لإيران ومصر أثر متبادل، فكما كان للسيد جمال الدين دور في نشوء الصحوة الإسلامية في مصر، فكذلك ترك الإخوان المسلمون فى وقتهم أثرا على الحركات الإسلامية فى إيران.. إن سماحة قائد الثورة قام قبل الثورة بترجمة عدد من كتب سيد قطب إلى الفارسية”.

في دراسة أعدها السيد محمد على آزرشب، وهو مفكر إيراني مشهور، كشف عن ذكريات الشيخ محمد تقي القمي مع حسن البنا: “بعد حادثة إعدام السيد أبو طالب اليزدى فى الحجاز عمدت دار التقريب إلى نشر مناسك الحج على مذاهب أهل السنة الأربعة ومذهب الشيعة الإمامة، من أجل إزالة ما علق فى الأذهان تجاه الشيعة إثر التشويش الذي حدث بعد إعدام السيد الإيراني وما كان بالإمكان إدخال هذه المناسك إلى السعودية لتوزيعها فى موسم الحج، لولا ان الشيخ حسن البنا وجد الطريق إلى ذلك، فطبع كل هذه المناسك في صحيفته، وأدخلها فى موسم الحج إلى السعودية، وتوزعت بين الحجاج،”. ويضيف هذا الباحث: “قد ظل التأثير والتلاقح الفكري يسير على قدم وساق بينهما خصوصا أن سيد قطب قد ترك تأثيرا كبيرا في كتابات العالم الشيعي الكبير محمد باقر الصدر، خصوصا عندما كتب كتابه “فلسفتنا” وكتابه “اقتصادنا”.. 

هكذا لابد أن نسجل للإخوان المسلمين موقفهم الفكري والسياسي والعملي من مسألة وحدة الأمة وتصديهم لأفكار حزب البعث العربي الشوفينية فلقد كانوا سباقين لأمر رأوا خطورته أن لم يتم معالجته.. وهنا يجب ان لا يحتج بمواقف أشخاص من الأخوان هنا او هناك او مجموعات تخلت عن موقف الحركة المبدئي الذي يعتبر أحد أركان البيعة لها. فوحدة الأمة ورفض الدعوات العرقية والطائفية أول امتحان أمام حركة الإخوان المسلمين وأمام سواها وإن النجاح فيه يصنف صاحبه ويمنحه صفة الحرص على الأمة

أخطاء الإخوان:

 لابد أن أنوه مباشرة أن حركة الأخوان ألحقت هزيمة بالغة بالفكر العلماني وأهله لذا فمن يقصي الإخوان ويشيطنهم يفعل ذلك ليس لأخطائهم إنما رفضا للفكرة الإسلامية.. فحركة الأخوان بشرية تصيب وتخطيء ولعل غيرها من الحركات القومية والوطنية ارتكب من الموبقات الشيء الكبير ولا أحد يطالب بإقصائها.. ليس هناك أخطاء في دائرة الأفكار والحركة والمنهج فالأفكار إسلامية قائمة على صحيح الإسلام ومنهجهم التربوي والتعبوي أظهر نجاعته إنما الأخطاء فتقع في مجال الإدارة وصناعة المواقف السياسية مثالا نموذج الإخوان في مصر وتونس وسورية وفلسطين.. لقد كان في تجربة الإخوان مع عبدالناصر خطأ تاريخيا لرفضهم التعاون معه  و الدخول في حكومة الثورة بعد رفضه مطالبهم، وان كان هذا حقا لهم، إلا أنهم لم يتوقفوا عند الرفض فذهبوا للتصدي لمشروعيته، ولأفكاره فيما كان ينادي: بتعميم التعليم والطبابة والقضاء على الإقطاع وتحرير البلد من الوصاية الأجنبية، وجعل مصر معقلا لحركات التحرر العربي.. لقد استغلت الموقف قوى أيديولوجية علمانية تغلغلت في النظام المصري بالإضافة إلى نزق الأجهزة الأمنية وقوى متسترة في النظام فتم تأجيج الصراع بين الأخوان وعبدالناصر وكان الكارثة بفعل: قسوة عبدالناصر غير المبررة مع الأخوان وتنكره لنصرتهم للثورة وإعدامه لقيادات الحركة ولكوادر ممتازين يقابله غياب الوعي السياسي لدى قيادة الأخوان وتعنتهم في مسائل هامشية كان يمكن تجاوزها.

كما أظهرت ممارستهم السياسية في مصر بعد أن فازوا بكل انتخابات تحصل عدم قدرتهم على التعامل بروح السياسة وعدم معرفتهم للواقع من حولهم فادخلوا أنفسهم في قفص أمعن خصومهم من شتى الفرق والمواقع في ظلمهم والحمل عليهم بباطل.. لقد كانوا في إدارة السياسة على غير إدراك لشروطها فكانت الكارثة التي لحقت بهم وبمصر.. إنهم لا يقتربون من فهم القوانين والشروط ليتحركوا بموجبها بدقة والتزام وموازنة بين موازين القوى ورغباتهم وهم لا يزالون غير قادرين على إيجاد مبادرة للخروج من المأزق.. ويحسب لهم بلا شك عدم تورطهم في العنف وبقاء حركتهم سلمية في مصر وتونس عكس ما تورط فيه الأخوان في سورية الذين دفعوا للخروج عن نهج الأخوان.

وكان سقوطا سياسيا ذريعا إعلان الإخوان بمجرد وصولهم لسدة الحكم في أكثر من بلد إنهم يلتزمون بكامبديفد ورفضهم في أكثر من مكان تمرير تجريم التطبيع.. وفيما لم يتخذ قرار في حق السفارة الإسرائيلية في مصر تورط الأخوان في مصر وتونس بإغلاق سفارة سورية وطرد السفير..كما أن سلوك حماس السياسي والإداري في غزة أرهق الشعب وكرس تمزيق الجسم الفلسطيني وعلى الصعيد الإداري لم يكونوا أقل إساءة من سواهم وهذا لا تبرره بطولات المقاومين.

وهناك خلل سياسي انساق إليه الإخوان في نصف القرن الفائت بعلاقة تحالفية مع السعودية والآن مع قطر وتركيا.. يغيب عنهم أن دول الخليج تتلقى أوامر في الاستقبال والرفض.. كما أن العلاقة بتركيا الى درجة التماهي تفقدهم القدرة على التمايز الضروري، فتركيا دولة لها مصالح حيوية في المنطقة وهي جزء في الأطلسي، هنا ليس المطلوب فتح صراع مع أي دولة أو إدارة الظهر للعالم فالحركة كبيرة وكانت قد وصلت الى سدة الحكم فالتفاهمات مطلوبة لكن مع الحفاظ على الجغرافيا السياسية والتشبث بالوطن وصناعة مبادرات حقيقية للخروج من المأزق..والله غالب على أمره.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك