الإجراءات القانونية لعزل الرئيس

ما لم يرد في مسود لعرابة

بقلم: الوليد فرج

 

عند ذكر شرعية رئيس الدولة، أول من يتبادر لذهن المطلع المختص، الفيلسوف (جون لوك) و كتابه (الحكومة المدنية) ، الذي أورد فيه أفكاره الفلسفية محاولا من خلالها بسط طرق الحد من سلطات رئيس الدولة المطلقة ، منطلقا في ذلك من تجاربه الشخصية ، وما  عايشه في بداياته، باعتبارها بدأ حياته كرجل دين ، اصطدم مرارا مع أسرة آل ستيوارث، التي خلفت في نفسه رفضا مطلقا لفكرة السلطة المطلقة ، كما كان انتصار البرلمان على الملك تأثير كبير على أفكاره.

تتولد الصراعات حول السلطة ،  متى تبنت القوة كأداة لشرعية رئيس الدولة ، التي تولد حتميا الاضطهاد والفساد في البلاد ، فتدخل في أتون الفوضى ، التي سوف ترهقها ، فتدفعها إلى البحث عن أساليب أخرى تنظم بها حياتها السياسية ، لاختيار رئيس لها ، فلن تكون غير الانتخابات وسيلة لهذه العملية الرئيسية التي يعبر من خلالها المواطنون عن إرادتهم في اختيار رئيسهم ، وهو الأساس الأول لشرعية رئيس الدولة ، وهو السبيل الأوحد الذي يكفل لهم الحق في المشاركة في إدارة الشؤون العامة للبلاد ، و تغيير السلطة ، ولم يكن التنصيص على هذا المبدأ حصرا على الدساتير الوطنية فقط بل تناولته حتى المواثيق الدولية كالمادة 21 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان : (لكل شخص حق المشاركة في إدارة الشؤون العامة لبلده ، إما مباشرة أو بواسطة ممثلين يختارون بحرية ، وأن إرادة الشعب هي مناط سلطة الحكم .) و نفس المعنى أتت به الفقرة الثانية من المادة 25 من العهد الدولي للحقوق السياسية و المدنية .

ينتخب الشعب الرئيس الذي يرتضيه ويمثله  فنظمت الدساتير و القوانين طرق و شروط انتخاب رئيس الدولة ، ومنها الدستور الجزائري ، الذي أغفل وهو بصدد تناول حالات شغور منصب الرئيس التي حصرها في الاستقالة و الوفاة و حدوث المانع ، حالة (الاستفتاء على ولاية الرئيس) ، كطريق برلماني يعرض من خلاله اقتراح عزل الرئيس من منصبه قبل انتهاء ولايته ، على الشعب للاستفتاء فيه ، وهذا الوضع الدستوري تناولته عدة دساتير ، منها دستور (فايمر) الألماني لسنة 1919 وما جاء في نص المادة 43 منه ، والتي تضمنت جواز عزل الرئيس قبل نهاية عهدته باقتراح من (الريخستاغ/المجلس الشعبي) بأغلبية أعضائه (ثلثين) ، أو طلب عدد معين من الناخبين ، ولهذا الغرض يجدي استفتاء ، يتم من خلاله عزل الرئيس ، إذا تحقق النصاب اللازم من الأصوات في الاستفتاء ، بيد أنه إذا لم ينجح العزل ، يعتبر ذلك تعزيزا لشرعية الرئيس ، و يتم حل مجلس الريخشتاغ وجوبا و انتخاب بديل له . 

كما نجد أيضا الدستور النمساوي لسنة 1920 والمعدل سنة 1929 ، دستر هذا الإجراء في الفقرة 6 من المادة 60 التي أباحت لمجلس النواب ، اقتراح عزل الرئيس في جلسة يلتئم فيها نصف أعضائه ، و يصوت ثلثي الحضور لصالح العزل ، ليعرض هذا القرار على الشعب ، فإذا صوت الشعب في استفتاء عام و مباشر على العزل ، عزل الرئيس عن منصبه قبل نهاية ولايته الرئاسية ، غير أنه تم تجديد الثقة في الرئيس بفشل الاستفتاء في عزله حل مجلس الشعب .  

ونحت المادة 82 من دستور اسبانيا لسنة 1931 نفس المنحى ، حين اشترطت ثلاثة أخماس أعضاء المجلس النيابي ، لتمرير اقتراح عزل رئيس الدولة ، والتي أضافت عن سابق الإجراءات ، أن الرئيس يتوقف وجوبا عن أداء مهامه بمجرد صدور اقتراح العزل ، الذي يعرض على الهيئة الخاصة المكونة من أعضاء المجلس النيابي و عدد مماثل لهم ينتخبهم الشعب في غضون 8 أيام من تاريخ الاقتراح ، لإجراء التصويت على اقتراح العزل فإذا وافقت تلك الهيئة عليه (أعضاء المجلس النيابي ومثلهم منتخب من الشعب) ، عزل الرئيس قبل استكمال عهدته الرئاسية ، وإذا لم يصوت على عزل الرئيس حل المجلس النيابي .  

كما جاء الدستور الفنزويلي لسنة 1999 المعدل سنة 2009  بنفس الإجراءات التي بينها في مادته 71 حيث نصت صراحة بقولها : (يمكن أن تعرض القضايا ذات الأهمية الوطنية الخاصة على استفتاء استشاري بمبادرة من رئيس الجمهورية في مجلس الوزراء ، او باتفاق الجمعية الوطنية المصدق بتصويت أغلبية أعضائها أو بطلب عدد لا يقل عن عشرة بالمائة من الناخبين المقيدين في السجل المدني و الانتخابي …) ، رغم أن المادة لم تتضمن  صراحة مسألة عزل الرئيس قبل نهاية عهدته ، الآن المشرع الفنزويلي اعتبرها من قبيل القضايا. الوطنية ذات الأهمية الخاصة ، و فعلا تم تفعيل هذا الإجراء الدستور من طرف المعارضة سنة 2004 ، حين جمعت ملايين التوقيعات لعزل الرئيس (هيغو شافيز) حسب موجبات القانون ، إلا أنها فشلت في ذلك ، فقد أسفرت نتائج الاستفتاء عن 60% ضد العزل .

نجد أيضا أن الدستور الروماني لسنة 2003 ، أقرت مادته 95 على تعليق مهام رئيس الدولة في حالة ارتكابه افعال خطيرة يتجاوز مت خلالها أحكام الدستور ، ويتم التعليق بواسطة أغلبية أعضاء مجلس الشيوخ مجتمعين في جلسة مشتركة ، غير انه يكفي ثلث أعضاء النواب و مجلس الشيوخ لاقتراح التعليق ، الذي يبلغ للرئيس فورا ، وإذا وتمت الموافقة على تعليق المنصب ، يجرى وجوبا استفتاء شعبي بإقالة الرئيس خلال 30 يوما على أقصى تقدير .   

وقد تم تنفيذ هذا الإجراء الدستوري فعليا سنة 2009 عندما علق البرلمان الروماني مهام منصب الرئيس (ترايان باسيسكو) ، وتم عرض الاقتراح على الاستفتاء الشعبي ، إلا أن الرئيس نجى من مقصلة العزل ، بسبب عدم توفر النصاب القانوني للمستفتين ،  الذي لم يصل إلى 50% من مجموع الناخبين ، حيث لم يشارك في الاستفتاء إلا 45،95% مما يعني فشل عزل الرئيس .   

وجاءت إجراءات عزل الرئيس قبل نهاية عهدته الرئاسية في دستور إيسلندا ، بسيطة لا تتطلب سوى ثلاثة أرباع من أعضاء البرلمان ليتم تمرير الاقتراح على الاستفتاء الشعبي للعزل . 

استشعر المؤسس الدستوري المصري ، أهمية  إجراء عزل رئيس الدولة ، قبل نهاية ولايته ، حمايةً للإرادة الشعبية باعتبارها صاحبة السلطة التأسيسية وصونا للعملية الديمقراطية. فجاء دستور 2014 خلافا للدساتير السابقة ، متضمنا إجراء الاستفتاء على ولاية الرئيس في مادته 161 التي نصت : (يجوز لمجلس النواب اقتراح سحب الثقة من رئيس الجمهورية و إجراء انتخابات رئاسية مبكرة ، بناء على طلب مسبب من أغلبية أعضاء مجلس النواب على الأقل ، و موافقة ثلثي أعضائه . ولا يجوز تقديم الطلب لذات السبب خلال المدة الرئاسية إلا مرة واحدة ، و بمجرد الموافقة على سحب الثقة ، يطرح أمر سحب الثقة من رئيس الجمهورية ، و إجراء انتخابات مبكرة في استفتاء عام ، بدعوة من رئيس مجلس الوزراء ، فإذا وافقت الأغلبية على قرار سحب الثقة يعفى رئيس الجمهورية من منصبه و يعد المنصب خاليا ، و تجري الانتخابات الرئاسية المبكرة ، خلال ستين يوما من تاريخ إعلان نتائج الاستفتاء و إذا كانت نتيجة الاستفتاء بالرفض ، عد مجلس النواب منحلا ، و يدعو رئيس الجمهورية لانتخابات مجلس جديد للنواب خلال ثلاثين يوما من الحل) .

تعتبر هذه المادة ثمرة من ثمار انتفاضة الشعب المصري ، التي نجحت في الحد من تغول الرئيس ، و استبداده بالحكم و رادع حقيقي عن انتهاك الدستور.

فما هو موقف المؤسس الدستوري من هذا ؟ وهل تضمنت مسودة لعرابة إجراء عزل الرئيس قبل نهاية عهدته ؟ 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك