الإتصال العصب الحيوي

الأزمة و التآزم

بقلم: الوليد فرج

 

لما كانت عملية الاتصال في الأزمة تبادلية ، و طريقها مزدوج ذو اتجاهين ، أي أن أطرافها المرسل و المستقبل يتبدل دورهما بطريقة تلقائية ، فالمرسل قد يغدو مستقبلا و المستقبل مرسلا ، عبر وسيلة الاتصال التي تنتقل بها الرسالة تتراوح بين الاتصال المباشر أو بواسطة قناة أخرى ، أن الخطر في عند استلام الرسالة يكمن في التغذية العكسية Feed-Back وهو نتاج و فهم المستقبل للرسالة ، الذي تلخصه تلك الأسطورة المتداولة في جزر المالديف ، التي تقول أن رجلين فصل بينهما جدار ، طليت واجهتيه باللون الأسود و الأخرى باللون الأبيض ، فنادى الرجل الذي تقابله الواجهة البيضاء ، مقرا أن الواجهة بيضاء ، فصاح الآخر أن الواجهة سوداء ، فاتهمه الآخر بالكذب ، فما كان على الآخر الآن أن استّل سيفه ، لغسل الإهانة اتهامه بالكذب ، فتقاتلا ليقتل كل منهما الآخر ، بدلا من أن يعاينا واجهتا الجدار .

الدلالة العميقة لهذه الأسطورة ، تبيّن أسباب وخلفيات الأزمات التي مردها اختلاف المنظور او الزاوية التي ينظر منها كل واحد لموضوع الاتصال ، التي في الغالب تتأثر بأصباغ الخبرة الشخصية الخاصة ، و التجربة الذاتية و المعتقدات و المستوى الثقافي ، و التقلب النفسي ، و الحوافز الشخصية و الدوافع ، و الخلفية الأخلاقية و الهدف ، وهو نا يطلق عليه بالعدسات الفكرية ، وهذا كله يعكس أهمية الاتصال بين أطراف الأزمة ، حيث أن الاتصال الواقعي الصحيح المبني على الحقائق يصحح المفاهيم ، وتلعب أجهزة الاتصالات دورا محوريا في نجاح إدارة و تسيير الأزمة . 

في الغالب تبدأ الأزمة كالحزن تبدأ كبيرة و سرعان ما تبدأ في التصاغر ، لأسباب شتى مباشرة و غير مباشرة ، غير أن ما نعيشه اليوم مع هذا الوباء الذي بدأ بإصابة رعية إيطالي حتى بلغ إلى أعداد كبيرة كادت ان تتجاوز سعة المستشفيات ، فهناك أزمات تبدأ صغيرة الحجم و التأثير ، لكنها سرعان ما تتفاقم و تتوسع ، ككرة ثلج ، تكبر كلما تتدحرج في المكان و تقدمت في الزمن ، لذا لا يمكن أن يكون التصدي للازمة مهمة فردية تقوم بها جهة واحدة بل هي عمل مجموعة متكاملة سياسية اقتصادية اجتماعية أمنية شعبية ، تبعا لتطورها و تأثيرها و انعكاسها على مناحي الحياة الإجتماعية . 

مازالت مناهج و أساليب التعامل و التصدي للأزمات تختلف من جهة لأخرى حسب العدسات الفكرية الصناعة لمنظار الأزمة ، فالمجالات الأكاديمية الحديثة تفتقر إلى نظرية أو نموذج لإدارة الأزمات متفق عليه او يلقى إجماعا المهتمين بهذا المجال علميا و عمليا ، رغم القواسم المشتركة بين الأزمات مع بروز الاهتمام بهذا الميدان ، حيث حاول الدارسون تحديد النموذج الأمثل لإدارة الأزمات من خلال تحديد مراحل أو مستويات للتعامل مع الأزمات ، كنورمان أوجستين الذي حصر هذه المراحل في ستة : (- تجنب الأزمة – الإعداد لإدارة الأزمة – الاعتراف بوجود الأزمة – حل الأزمة – الاستفادة من الأزمة . ) أما محسن أحمد الحضيري فيرى أن النموذج المثالي للتعامل و التصدي للازمات فيتشكل من المراحل التالية : (- الاختراق – التمركز – التوسيع – الانتشار- التحكم – السيطرة- التوجيه) . ومازالت الاجتهادات مستمرة للوصل لتصميم  النموذج الأمثل للتعامل مع الأزمات.

يبقى النموذج الأمثل لإدارة الأزمات يرتكز على ثلاثة أبعاد تشكل المراحل الرئيسية و هي : 

1/ مرحلة التلطيف والتحضير 

2/ مرحلة المواجهة 

3/مرحلة إعادة الأوضاع .

تخصص الكثير من المنظمات و المؤسسات موارد بشرية و مالية و مادية ، لاستشعار الأزمات و اكتشافها ، للسيطرة عليها و تسهيل التعامل معها واحتوائها للحد من إضرارها . في دراسة لباوتشاونت و ميتروف جرت سنة 1988 حول المنظمات المالية ومدى استعدادها لتجنب الأزمات حيث تمت مقابلة ثلاثين مديرا في 23 منظمة ، تبين أن 19 شركة يرون أنفسهم أكثر عرضة للأزمات ، بينما 10 شركات فقط لديهم خطط لإدارة الأزمات في حين 13 شركة لديهم محاولات جزئية أو لا وجود لأي مخطط لإدارة الأزمات .  

تعتبر مرحلة تلطيف حدة الأزمة واحدة من أهم المراحل ، للحيلولة دون وقوع الكارثة أو تخفيف حدة آثارها التدميرية في حالة عدم القدرة على درئها . 

تشمل مرحلة تلطيف الأزمة على متحركين الأول تحليل المخاطر و الثاني تقدير و تقييم الإمكانيات و الوسائل المتوفرة و تحديد الإجراءات مع التركيز على الاستفادة من التجارب السابقة .

أن استقراء الاحتمالات المتوقعة و تحديد الإمكانيات و الأدوات المتوفرة مع تأمين شبكة من الاتصالات الفعالة مع ضبط الأساليب المنظمة للعمليات (التنبيه و الإنذار . التعبئة . الجلاء . إعلام الرأي العام . أو فرض أو توجهيه باتخاذ بعض التدابير الوقائية )

إن إنشاء وحدة لإدارة الأزمة يعتبر من البديهيات و في الغالب يكون منسجما و متناسبا مع تنظيم الأجهزة ذات العلاقة بالتصدي للأزمة ، والتي، يجب أن ترتبط وظيفيا من خلال التنسيق لغرض التكامل في الأداء ، كما يفترض أن تكون هناك غرف عمليات مصغرة في بؤر الأزمة ترتبط مباشرة بغرفة العمليات الرئيسية مع تحديد مستوى الصلاحيات . 

يتبع …       

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك