الأوضاع العسكرية والسياسة في أوراس النمامشة

من وثائق جيش التحرير الوطني 02

بقلم الأستاذ طارق عزيز فرحاني.

 

أشرت في العدد الماضي من جريدة الوسط إلى أن الدكتور علي تابليت مشكورا قد نشر في السنوات الماضية مقالا تاريخيا اعتمد في كتابة محتواه على توفر لديه من وثائق أرشيفية تعود ملكيتها لجيش التحرير الوطني، وبالنظر لأهمية هذه الوثائق سأقوم بإعادة نشر محتوى تقرير عام حول الحالة العسكرية والسياسية التي كانت تمر بها الولاية الأولى أعده أعضاء الولاية الأولى الذين كلفوا بالقيام بجولة تفقدية في سائر مناطق الولاية وقدموه بمجرد عودتهم من الجزائر إلى لجنة التنسيق والتنفيذ. 

الحالة العسكرية:

 تمركز الجيش: يتمركز جيش التحرير في الجبال والأماكن الإستراتيجية ، يستورد المؤونة ويدخرها في المستودعات تحت الأرض وجميع الضروريات التي يحتاج إليها ويختار الأماكن الإستراتيجية للتمركز ، ويعززها بالحراسة الكافية ومنها تخرج الدوريات التي تتوجه للعمل في التلال والصحراء لأنها لا تقبل كثرة الجيش وهي غير صالحة للمعارك الحربية كما لا يستطيع الجيش المكوث فيها أكثر من ليلة واحدة ويتطلب التنقل دائما والتنكر باللباس وتقوم الأفواج أو نصف الأفواج بنصب الكمائن في الأماكن التي يتئمن فيها العدو ونصب الألغام ومصاحبة المسؤولين السياسيين ليقوموا بأعمالهم. ولجان التموين، وتبقى الاتصالات مستمرة بين الأفواج والمراكز أي القيادة.

ويتمركز في المدن والقرى أفواج الفدائيين الذين يقومون بالأعمال الفردية أو الجماعية إن كان الأمر يتطلب ذلك.

أما في الجبال فينظم الجيش معارك حامية الوطيس تستغرق يوما أو يومين على حسب قوة العدو.

عدد الجنود: بلغ عدد الجنود الحاضرين في الولاية 6890، والفدائيين 1870، والمسبلين 2965. وتتراوح أعمار الجنود بين 20 و50 سنة. ولم يبق من الجنود الأوائل الذين شاركوا في المرحلة الأولى إلا القليل لأن أغلبهم قد استشهد. ومعنوياتهم مرتفعة والطاعة للمسؤولين ملموسة والسلوك بينهم ومع الشعب جد حسن، ويحترمون المبادئ الإسلامية والتقاليد.

المسؤولون: المسؤولون الحاضرون في وسط الجيش، مخلصون للقضية تمرنوا على حرب العصابات وعلى مناورات العدو والتكتيك الذي يستعمله في الحرب، وهناك ارتباط وثيق بينهم وبين الجنود والشعب، يظهرون التواضع والمساواة في اللباس والأكل والعمل مع الجنود. ينقصهم التكوين من جهة التنظيم بسبب كثرة الجيش كما لا يستطيعون الخروج من حرب العصابات لأجل ابتكار أسلوب آخر ليبغتوا به العدو، كما تنقصهم الخبرة في استعمال الأسلحة الثقيلة.

أما المسؤولون السياسيون ضعفاء من حيث التكوين السياسي الثوري ليشرحوا للجنود أسباب الثورة والأهداف التي ترمي إليها والارتباط الموجود بين الشعب والجيش والغاية التي أسست من أجلها الجبهة ويبينون الفوائد التي يحصل عليها العدو من البلاد، كالفلاحة، والمعادن ومعاملة العدو للشعب. ومهمة الجيش في الحاضر والمستقبل، والمسؤولون ضعفاء من جهة مقاومة الدعاية الاستعمارية التي يبثها ضباط الشؤون الأهلية وغيرهم من الضباط المتخصصين في الدعاية النفسية، غير أن هذا الضعف لا يتسبب في دعاية العدو بصفوفه بل الروح الثورية المتأصلة في نفوس الشعب والجيش والبغض النهائي للمستعمر قضت على دعاية العدو.

السلاح: الأسلحة الموجودة بين أيدي المجاهدين مختلفة، وهي: بنادق الصيد، أستاتي، أربعيات، أخماسي ألمان، اسباعي انجليز، 7.15 بنادق ماص فرنسي، المتريات استان، ابرطا طاليان، اعشاري انجليز، كربين بقلة، اكموسي ماريكان. 

الرشاشات: 24 فرنسي، ابران انجليز، ويلس انجليز، مدافع الهاون، عيار-45-80-81 أنجليز.

وتوجد كذلك المسدسات، ومفرقعات وأنيرقا.

هذه الأسلحة منها ما هو موجود من أول الثورة مثل أستاتي، واربعيات واخماسي المان، واسباعي انجليز. أما ما ص فرنسي ومتريات استان والكربين والرشاشة 24 دخلت صفوف الثورة إما بسبب الجنود الذين فروا من صفوف العدو، أو غنمها جيش التحرير من المعارك والكمائن والمراكز التي خربها واستولى على ذخيرتها. 

 وأما الباقي دخل من تونس إلى الجزائر بواسطة الدوريات، وهذه الأسلحة المتنوعة تحتاج إلى أنواع الخراطيش التي تناسبها. ويعاني المجاهدون، الآن، مشقة كبيرة في الذخيرة الحربية وبالأخص، خراطيش لخماسي المان، واستاتي طليان، أما بنادق ماص، واستان، والرشاشة 24، هذه البنادق خراطيشها موجودة عند العدو، إذ نجد عدد من رجال الحركى والقوم يسعون دائما في تزويد المجاهدين بالذخيرة من هذه الأنواع، وهناك بعض المناضلين من يقوم بالشراء من جنود اللفيف الأجنبي. كما يجب دراسة مشكلة ذخيرة البنادق الأخرى التي بعثت من تونس مثل لبريطة، والعشاري إنجليز وغيرها لأن الجنود يحتاجون إلى ذخيرة كبيرة، وإذا انقطعت ذخيرتها فإنها لا تصلح لأي شيء ويبقى الجندي عديم السلاح، لأن القوافل لم تكن تستطيع اجتياز الخط المكهرب مثل السابق، ومع هذه الأسلحة كلها بقي الجيش يحتاج إلى السلاح بسبب كثرة المناضلين، والمسبلين الذين يلتحقون بصفوف الجيش. وقد تحسنت الحالة منذ ابتداء تكوين دوريات من الجنود العزل من السلاح وبعثها إلى تونس لتتسلح، إن هذه القوافل لإمداد الداخل بالسلاح والذخيرة. هذا الإمداد الخارجي أفاد من جهة لأن الجنود العزل كانوا يتسابقون إلى جيش العدو ليتسلحوا من بنادقهم وآخرون يتسابقون إلى الكمائن ليتسلحوا بإرادة قوية وتضحية، ولما سمعوا بالتسلح الخارجي ضعفت إرادتهم من حيث التسلح من العدو وصاروا يفكرون في الذهاب إلى تونس ليتزودوا بالسلاح.

أساليب الحرب: 

لازال المجاهدون يطبقون أساليب حرب العصابات وبالأخص في الأماكن التي لا تناسب الحرب مثل التلال والصحراء وأما في الأماكن الإستراتيجية مثل الجبال. وهناك كمائن ومعارك حامية الوطيس تدوم يوما كاملا او يومين ، كما ينظم الجيش هجوما منسقا على المراكـز في مستوى المنطقة أو الولاية او الناحية في تاريخ واحد وساعة واحدة، وتتواجد في نفس الوقت فرقا من المناضلين والجنود لتخريب الطرقات الرئيسية أو التي تعرقل نشاط وتحركات العدو، وأعمدة الهاتف والكهرباء إلى آخره من أنواع التخريب ، ونصب الألغام في الممرات وقوافل التموين ، وتدريب فدائيين في المدن ليقوموا بالأعمال الفردية ورمي القنابل في الحانات التي يقصدها الضباط والجيش الاستعماري وغلاته، وإدخال الرعب والخوف في صفوف الأوربيين وإظهار قوة جيش التحرير ونشاطه في كل مكان ، والتضحيات اللازمة، وقد تضاعفت العمليات الحربية في المدة الأخيرة بسبب كثرة السلاح والذخيرة اللذان وصلا إلى الجزائر بواسطة الدوريات والقوافل . وقد فتك جيش التحرير بقوة العدو، وقام العدو بعمليات تفتيشية في جهة باتنة وغنم من صفوفنا مدفع الهاون عيار 81. ووضعه في ساحة عمومية ليظهره إلى الشعب انه جرد جيش التحرير من مدفعه. وهذه العملية زادت قوة وحماسا ونشاطا في صفوف الشعب الجزائري لأن العدو كان يقول إن هؤلاء العصاة بين أيديهم بنادق الصيد ليس إلا. كما أدخلت هذه العملية الرعب على المدنيين الأوربيين عندما شاهدوا بأنفسهم مدفع الهاون وتحققوا من أن جيش التحريـر يملك وسائل الدفاع العصرية.

التنظيم العسكري الحالي: 

كان جيش التحرير عند بداية الثورة قد قسم إلى أفواج، وكل فوج مكون من ثمانية إلى إثني عشرة مجاهدا ثم تضاعفت إلى الأفواج على حسب ما يغنمون من السلاح أو ما يجمعونه من الشعب وتجنيد مناضلين، وكل فوج يسيره مسؤول ونائبه وهو كاتبه.

وقسمت الأرض إلى مناطق ثم إلى نواحي وكل ناحية يرأسها مسؤول تحته فوج أو فوجان.

ولما تكونت الولاية وطبقت النظام المقرر في مؤتمر 20 أوت 1956 وهو إدخال تحسينات على التنظيم القديم بسبب كثرة الجنود الذين يتطلبون إطارا قويا ليستطيع أن يتغلب على العراقيل والمشاكل وتقسيم المسؤوليات مع تحديدها وإدخال جهازا جديدا في صفوف الجيش ليجابه قوة العدو وسياسته وليتولى تنظيم الشعب وتنسيق الأعمال بين الجيش والشعب ومواجهة العدو تحت قيادة واحدة.

وهذا التنظيم يتمثل في تكوين الكتائب وجعل على راس كل ناحية ملازم أول وثلاثة مساعدين، وعلى المنطقة ضابط أول وثلاثة مساعدين، ومسؤولون سياسيون يتولون تنظيم الشعب والقيام بدفع المنح العائلية والإعانات للفقراء إلى آخره. لقد استحسن الجيش كل هذه التنظيمات وتأكد أنه جيش منظم ذو معنويات مرتفعة.

تنظيم الرقابة: 

يقوم عضوان من قيادة المنطقة برقابة النواحي كلها في كل شهرين إن أمكن وهو أقصى مدة. ويقوم عضو من قيادة الناحية برقابة الأقسام في كل شهر، ويتولى المسؤول السياسي مراقبة المجالس الشعبية والاتصال بالشعب.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك