الأمن السيبراني.. الخاصرة الرخوة

خطر متنام وتهديد متعاظم

بقلم: وداد الحاج

 

كشفت أزمة كورونا هشاشة أمننا التكنولوجي حيث أثبت الواقع أننا بعيدون جدا عن تحصيل الحد الأدنى من الأمن السيبراني،الذي تقتضيه خصوصية الوضع الراهن،فشلت وزارة التربية في تأمين عمليات التعليم عن بعد و تكرر نفس السيناريو في وزارة التعليم العالي  فكنا مضطرين للعودة إلى التلقين الكلاسيكي و يبدو أننا مضطرون لتوفير أقسام لمحو الأمية التقنية لعدد كبير من الأطراف المتدخلة في العملية التربوية فضلا عن غياب بنية تحتية مؤهلى لاحتضان هذا النوع من التعليم المعتمد أساسا على التفاعل الافتراضي.

الوباء المستشري كشف عورتنا ،و فضح ما يوزعه بعض المسؤولين من أوهام وصلت إلى حد التفكير في تصدير الأنترنت ولم يستح هؤلاء من كون الجزائر تحتل ذيل الترتيب العالمي في جودة الأنترنت و سرعة تدفقها.

ويعتبر من الترف هنا الحديث عن توظيف الذكاء الصناعي في تحقيق التنمية الاقتصادية و الصناعية ،حيث لا تستفيد بلادنا من المشاريع التي تنتجها مخابر البحث في الجامعات و يبقى الرهان على خلق البيئة الحاضنة للمبادرات مجرد نوايا حسنة لم تجد طريقها للتطبيق ميدانيا ،وفي كل تغيير حكومي تتكرر نفس العدة السيئة التي تشي بوجود انيميا في ثقافة الدولة لدى الكثيرين ، أين يقوم المعينون الجدد على القطاعات التقنية ب”مسح الموس” في من سبقهم و يت تكرار نفس الأسطوانة المشروخة…سنعمل على …و سنقوم بكذا وهلم جرا.

تحسين البنية التحتية الحاضنة للاتصالات و الأنترنت يمكنه أن يلعب دورا فاعلا في مكافحة الارهاب ،و التنبؤ بالأعمال الارهابية ،و التخريبية  أين يورد تقرير صادر عن مركز المستقبل للدراسات والأبحاث المتقدمة في بداية أكتوبر2019 أن الدراسات الحديثة أثبتت يقينا أن ” تقنيات الذكاء الاصطناعي ” لها دور بالغ الأثر في رصد أي خطوات تخريبية عبرتحليل البيانات ولا يـاتى هذا طبعا دون التوفر على البيئة اللائقة تقنيا و بشريا.

وهذا ما تصدت له ورقة بحثية صادرة عن معهد “تشاتام هاوس” في أوت 2019، بعنوان: “تنبؤ الذكاء الاصطناعي ومكافحة الإرهاب” للكاتبة “كاثيلين ماكيندريك” (رائد بالجيش البريطاني).

تشير “ماكيندريك” إلى أن هناك طريقتين لمنع الهجمات الإرهابية؛ الأولى هي الردع، من خلال حماية البنية التحتية، وتطبيق الضوابط الأمنية. ويساهم التنبؤ في الحماية المادية للبنية التحتية، كما أنه يمكن أن يكون وسيلة لتحسين تخصيص الموارد للمواقع التي من المحتمل أن تكون أهدافًا للإرهابيين.

أما الثانية فتتمثل في الحرمان من القدرة على شن هجمات، وذلك عن طريق القبض على الإرهابيين قبل أن تنفيذ مخططاتهم، ومكافحة تجنيد الإرهابيين في المستقبل وتطرفهم، وفرض قيودٍ على حركة الأفراد وحريتهم. ويساعد التنبؤ الفعّال في استخدام القوة أو القيود القسرية ضد الإرهابيين العنيفين، بينما يتم استخدام التدابير التصالحية مع الأفراد المعرضين للتطرف.

تؤكد “ماكيندريك” أن التنبؤ بمكافحة الإرهاب يتطلب نوعًا من الذكاء الاصطناعي الذي يتيح استخراج المعرفة والتنبؤات من البيانات الرقمية المتنوعة الضخمة. فالخوارزميات التي تدعم النماذج التنبؤية هي مبرمجة ذاتيًّا على أساس التعامل مع البيانات. وفي العديد من الحالات، يكون من المستحيل تحليل البيانات بدون مثل هذا النهج، كما سيكون من المستحيل بناء النماذج بدون بيانات.

وتكمن المشكلة في أن التنبؤ بالعمليات الإرهابية يفرض ضرورة توسيع مساحة المراقبة للأشخاص بما يتعارض مع حقوق الإنسان، ويُعرِّض الحكومات والأجهزة الاستخباراتية لمشكلات حقوقية، ومن ثمّ يمكن في المستقبل القريب أن تُساهم التنبؤات الجيّدة المبنية على تقنيات الذكاء الاصطناعي حول من أو ما يجب مراقبته في الحد من إساءة الاستخدام بالجملة لوسائل المراقبة التقنية.

تُشير “ماكيندريك” إلى أنه يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لعمل تنبؤات حول الإرهاب من خلال تحليل البيانات الوصفية للاتصالات والمعلومات عن المعاملات المالية وأنماط السفر وأنشطة تصفح الإنترنت، فضلًا عن المعلومات المتاحة للجمهور مثل نشاط وسائل التواصل الاجتماعي، والذي يُمكِّن من تحديد الإرهابيين عبر التفرقة بين ما يميز نشاط مجموعة فرعية معينة على هذه الوسائط.

حسب تقرير مختص نشر قبل أيام في موقع “دويتشه فيله”تحتل الجزائر 130 فيما يخصّ الانترنت المتنقل، والرتبة 173 في الانترنت الثابت، أي الرتبة ما قبل الأخيرة!

ماهو المبرر المقنع لدى مسؤولينا الذي يجعل دولة بحجم الجزائر تقبع في أسفل الترتيب خلف مدغشقرو كينيا حيث تصدّرت دولة مدغشقر القائمة متقدمة على جميع الدول الإفريقية وجاءت في الصف الـ 22 عالميا بسرعة تحميل وصلت إلى 24.87 ميغابايت/ ثانية حيث تقدمت بـ5 مراكز قاريا و97 عالميا، وحلت دولة كينيا ثانية وجنوب إفريقيا رابعة وفق ذات الترتيب.

و لو أوغلنا في عالم الارقام لاتضحت لنا مساحات واسعة من تأخرنا و عجزنا عن توفير أمننا السيبراني الذي يتجاوز مفهومه حاليا الحماية من الاختراقات إلى تغيير مفهوم جودة الاتصال التي يتحصل عليها المواطن.

التشخيص أعلاه ليس إمعانا في جلد الذات ،و إنما تنبيه لخطورة ما نحن مقدمون عليه في ظل تسابق إقليمي ودولي محموم على منطقة الشمال الافريقي وخصوصا الجزائر.

إن الأمن القومي ليس مهمة الوحدات القتالية أو أجهزة المخابرات على الصعيد العملياتي فقط و إنما هو التحكم في ناصية التكنولوجيا الحديثة وبلوغ أعلى مستويات التحكم في التقنيات الحديثة وتوفير بيئة حاضنة للمبادرات و الأفكار وحجز الزاوية هنا تحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال جودة الأنترنت و سرعة تدفقه…وللحديث عودةوبقية.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك