الأفلان يتبرأ من النظام

على هامش عرض مخطط الحكومة

بقلم: احسن خلاص

قبل أن نواصل سلسلة القراءات “ما بين السطور” لمخطط عمل الحكومة استوقفتنا جملة من ملاحظات ومواقف تكون قد استرعت اهتمام الكثير من المتابعين لجلسة عرض المخطط أمام نواب المجلس الشعبي الوطني وما تلاه من تدخلات أولى ضمن مناقشة نيابية له، تمتد ليومين. وإذا كان الوزير الأول قد استغرق في تلاوة عرض كلاسيكي لبرنامج الحكومة الذي قدمه تحت عنوان: “العقد الجديد من أجل جمهورية جديدة” فإن أولى التدخلات التي تلت العرض لم تتردد في الخروج عن النص لاسيما تدخلات بعض نواب حزب جبهة التحرير الوطني.

 

يبدو أن نواب حزب جبهة التحرير الوطني قد عادوا إلى قاعة جلسات مبنى زيغوت يوسف مثل الوحش الذي تعرض لطعنات ولجروح لما تكبد حزبهم “خسائر سياسية” امتدت على سنة كاملة ولا تزال آثارها ماثلة إلى اليوم بما يتعرض له من اتهامات تضاف إليها دعوات متكررة لوضعه في متحف التاريخ بدل وضعه بين أيدي لم تعد أمينة.

لقد كان حزب جبهة التحرير الوطني ولا يزال الواجهة السياسية للنظام بامتياز ولا يمكن الطلاق بين هذا الحزب والسلطة مهما بلغت المشاحنات أو حاولت أي سلطة التخلص من عبئه من أجل تقديم صورة جديدة للمجتمع بأنها تمثل القطيعة مع المنظومة السياسية التقليدية ومهما حاول الحزب كذلك التخلص من عبء أخطاء السلطة وانحرافاتها السابقة.

لقد كان حزب جبهة التحرير الوطني أحد الأهداف التي صوب الحراك الشعبي سهامه ضدها في انتفاضة هي الثانية التي استهدفت الحزب ورموزه بعد انتفاضة أكتوبر 1988، وقد نال “حزب السلطة” حقه من الانتقاد إلى حد الرفض التام لوجوده بالنظر إلى ارتباطه الوثيق بالرئيس السابق ونظامه. ولأن الشارع مغلق في وجهه، ولأنه جمد نشاطه منذ أشهر بسبب أزمة داخلية لم يخرج منها بعد، ولأنه لا يملك إلا منبر البرلمان الذي تنقل مناقشاته مباشرة على التلفزيون العمومي، فإنه لم يفوت بعض نوابه هذه الفرصة لمحاولة المرافعة لصالح حزب جبهة التحرير الوطني من أجل إنقاذه من الغرق وسله من الأزمة كما تسل الشعرة من العجين.

ولا يمكن اعتبار هذه الانتفاضة الحزبية إلا طبيعية بعدما وجد الحزب نفسه بين مطرقة الشارع وسندان السلطة التي تحاول تجاوز “الرجل المريض” ولو إلى حين يشفى من مرضه ويستعيد عافيته بعد أن يدخل الامتحان الانتخابي على قدم المساواة مع بقية الأحزاب.

حاول نواب حزب جبهة التحرير الوطني تبني خطاب يوفق بين واجب تأييد برنامج الحكومة نزولا عند المصلحة العليا للوطن وبين ضرورة تذكير الوزير الأول وبعض الوزراء الذين أدلوا بتصريحات مستفزة في الأيام الأخيرة بفضل المؤسسة العسكرية وعلى رأسها رئيس أركانها الراحل قايد صالح في إعادة قطار الدولة إلى السكة والخروج برئيس جمهورية منتخب وأنه، حتى إن لم يكن لحزب السلطة السابق فضل في ذلك بالرغم من انتماء عبد المجيد تبون إليه، إلا أن لسان حالهم يقول إن وصول تبون إلى سدة الحكم لم يكن بفضل قوى سياسية أخرى كذلك. وذهب النائب عن الحزب إلياس سعدي، إلى حد إعلان البراءة التامة لحزب الرئيس بوتفليقة من العواقب الوخيمة التي أدت إليها سياسات الحكومات المتعاقبة فقد ذكر بما أصبح مألوفا وهو أن حزب جبهة التحرير الوطني لم يحكم يوما إنما كان يحكم به ورافع النائب ذاته من أجل عودة الحكومات السياسية معبرا بشكل غير مباشر عن امتعاضه من إقصاء حزبه من التواجد في التشكيلة الحكومية الجديدة. وذهب إلى أبعد من ذلك باعتبار التقنوقراطيين سبب البلاء في هذه البلاد وأن أكبر حزب في الجزائر هو الإدارة التي أهلكت الحرث والنسل.

وتواصل هجوم نواب الأفلان على حكومة جراد برفض اتهام المجلس الشعبي الوطني الذي يمثلون فيه الأغلبية بضعف الكفاءة والنزاهة وهم يستحضرون إعلان الرئيس تبون قرب موعد حل المجلس وتنظيم انتخابات تشريعية جديدة وفق قانون انتخاب جديد قد يرافقه قانون آخر للدوائر الانتخابية. ولم يكن لهذا الإقرار أن يمر دون أن يثير تحفظات نواب الأفلان وهم يرون أن حكومة لم تكتف بتجاوز الحزب بل دخلت في حملة استفزازية ضده لا يمكن السكوت عليها بالرغم مما يجتازه من أزمة هيكلية لن يقدر له أن يخرج منها إلا بمؤتمر جديد.

لقد كانت هذه المناوشات وتلك النيران الصديقة منتظرة بالنظر إلى السياق الذي تعرض فيه الحكومة مخطط عملها، سياق لم تهضم فيه تداعيات الحراك الشعبي، لاسيما وأن الرأي العام لا يزال يستحضر تجمع القاعة البيضاوية في 9 فبراير 2019 الذي رفع فيه الحزب “كادر” الرئيس بوتفليقة معلنا مبايعته لولاية خامسة.

ويبقى التساؤل ماثلا: هل يمكن أن نتصور يوما فكا حقيقيا للارتباط بين السلطة وحزب جبهة التحرير الوطني، وهل الجفاء غير المعلن بينهما اليوم دائم أو مؤقت وما تلبث أن تعود “العروة الوثقى” بينهما. وإن كان العتاب قويا إلا أن نوابا آخرين مثل عبد الحميد سي عفيف فضلوا الإبقاء على حبل الود قائما وأعلنوا التأييد المطلق للحكومة بطاقمها وبرنامجها.

      

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك