الأفافاس والنزاع على تركة الزعيم

عشية عقد مؤتمره

بقلم: احسن خلاص

بعد شهر من عقد حزب جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي مؤتمريهما ها هو الدور هذه الأيام على جبهة القوى الاشتراكية لتعقد مؤتمرا من أصعب مؤتمراتها بعد أن دخل الحزب في دوامة من الصراعات الداخلية أفقدته مكانته كقوة اقتراح ذات وزن في النقاش السياسي الوطني باعتباره أقدم حزب معارض لا يزال على قيد الحياة. وهذا الوضع لا ينطبق على حزب جبهة القوى الاشتراكية فحسب فهو شأن غالبية الأحزاب تقريبا فزيادة على الأزمات الداخلية التي تعيشها هذه الأحزاب فإن الوضع السياسي الذي أنتجه الحراك الشعبي جعلها تركن إلى ركود سياسي في أغلبها لاسيما وأن هذا الركود وجد ضالته ومبرره في تفاقم الأزمة الصحية وغلبة الاهتمامات الاجتماعية والاقتصادية على انشغالات المواطنين.

تظهر التجاذبات التي يعرفها حزب حسين ايت احمد منذ سنوات مدى هشاشة القاعدة السياسية التي قامت عليها الساحة الحزبية في الجزائر، إذ أنها، وهي التي قامت على محاربة الفكر الأحادي والاستبدادي للسلطة منذ الاستقلال، أعادت إنتاج أنماط التسيير السياسي ذاتها باتباعها تنظيمات هرمية عمودية مبنية على بركة الشيخ أو هالة الزعيم. وقد رأينا تبعات هذا المسار في التحول الذي حدث في حركة مجتمع السلم وجبهة القوى الاشتراكية بالأخص وبدرجة أقل في التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية بعد ذهاب زعمائها بالموت أو الانسحاب. فقد دخلت حركة مجتمع السلم بعد وفاة زعيمها الشيخ محفوظ نحناح في دوامة من الأزمات الهيكلية وحروب الزعامات وخلافات حول التموقع إزاء السلطة والمعارضة بعد أن كانت حنكة الشيخ نحناح قد مكنت الحركة من أن تضع رجلا في السلطة وآخر في المعارضة. انشطرت الحركة بعد وفاة الشيخ عام 2003 إلى أجزاء وتفرق الجمع قبل أن يدعي كل وصلا بنحناح. التجربة ذاتها عرفتها جبهة القوى الاشتراكية التي صارت تبحث عن نفسها بعد غياب الزعيم عام 2013 قبل أن يتوفى عام 2015.

في مؤتمر المجلس الوطني للثورة الجزائرية بطرابلس عام 1962 لم تكن الخيارات السياسية والإيدلوجية في صلب المشكلات المطروحة فقد صوت جميع الحاضرين على وثيقة برنامج طرابلس بما فيهم فرحات عباس الذي أبدى تحفظات مما كان يسميه الانزلاق الشيوعي، غير أن الخلافات دبت واشتد لهيبها عندما جاء القوم لمعالجة مسألة المكتب السياسي لتحديد من يقود البلد ويجسد ذلك البرنامج، وقد بقيت جلسات المؤتمر مفتوحة إلى يومنا هذا واضطر مؤتمر حزب جبهة التحرير الوطني عام 1964 لإعادة المصادقة عليها واختيار قيادة جديدة بعد أن انتهت أزمة صائفة 1962 إلى غلبة ميدانية لأطراف على أخرى.

لا تقع مشكلات الأحزاب السياسية في الجزائر، منذ نجم شمال إفريقيا، في برامجها بالدرجة الأولى فبعضها قائم على برامج موروثة أو معدة خارجها وبعضها الآخر لا يمتلك برامج أو لا يرى داعيا لأن يبني خطابه على قناعات راسخة وأهداف واضحة مكتوبة ومتفق عليها. مشكلاتها إذن هيكلية وتنظيمية ومن ورائها صراعات قيادية وحرب مواقع، مثل ما يحدث منذ سنوات في جبهة القوى الاشتراكية التي لا تفتقر للأدبيات السياسية بل لاستقرار تنظيمي بعد أن انهار التنظيم الذي كان يعتمد على الزعيم حتى عندما كان يدير الحزب من موقعه هناك في لوزان السويسرية، وبالفعل عندما قرر أيت احمد مغادرة رئاسة حزبه ليتفرغ لوضعه الصحي بعد انتهاء دورة الحياة على حد تعبيره، بدأ الحزب رحلته نحو مستقر جديد لم يجده إلى هذه اللحظة التي تسبق مؤتمره الاستثنائي الذي سينعقد هذا الخميس.

رأى مناضلو القوى الاشتراكية أن خلاصهم هو في ملء الفراغ الذي تركه الزعيم بقيادة جماعية من خمسة أعضاء وقدم هذا الخيار بأنه تيمن بالقيادة الخماسية (لجنة التنسيق والتنفيذ) التي انبثقت عن مؤتمر الصومام. غير أن التجربة لم تدم طويلا حيث تفككت القيادة الخماسية ودفع ذلك إلى استدعاء مؤتمر جديد لاختيار قيادة جديدة منفصلة عن الإرث العائلي الذي تركه أيت احمد الذي زادت وفاته في تعميق الهوة بين الأطراف المشكلة للحزب فضلا عن ظهور صراعات على القيادة في الوقت الذي تعالت نداءات بعد وفاة الزعيم إلى عقد مؤتمر تاريخي جامع يضم جميع المناضلين والقيادات التي غادرت الحزب طواعية أو بالإقصاء والتهميش وكانت ضحايا للتنظيم الهرمي الذي خلف أزمة عميقة جعلت الحزب يكف عن دوره الريادي في ساحة المعارضة وأصبح مجرد رقم من أرقام القطب الديمقراطي ممثلا بأطراف من الحزب دون أخرى.

قد يكون من السابق لأوانه توقع ما سيسفر عنه مؤتمر زرالدة لكن طبيعة الدعوة إليه وطريقة تحضيره لن تجعل منه منطلقا لحل الأزمة التنظيمية لأقدم حزب معارض فزيادة إلى عدم احترامه القانون الأساسي للحزب الذي يشترط أن تكون الدعوة إلى المؤتمر من قبل ثلثي المجلس الوطني أو القيادة الخماسية التي تجد نفسها اليوم ممزقة، فإنه لم يعد مناسبة لجمع شمل المناضلين القدماء والجدد والتوافق على استراتيجية إنعاش الحزب قبل أن يكون مصيره متحف التاريخ مثل ما كان مصير حزب الثورة الاشتراكية لبوضياف والحركة الديمقراطية للتجديد الجزائري لبلقاسم كريم والحركة الديمقراطية لأحمد بن بله، وهي الأحزاب التي كانت بمثابة امتداد للحركة الوطنية بعد الاستقلال واتبعت النهج ذاته الذي اتخذه حزب جبهة التحرير الوطني.

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك