الأزمة بين إعلام الضجيج و تهور العامة

الأزمة و التآزم

بقلم: الوليد فرج

 

الإنسان كائن فضولي بطبعه ، لا يتوقف عن البحث للوصول للمعلومة ، و الإستعلام عنها ، و البحث فيما حوله من أحداث و وقائع ، لا سيما اذا كانت تمس حياته اليومية ، و يزداد هذا الفضول إذا كان يتعلق بشأن العام و من الطبيعي أن يحتدم إذا كانت له علاقة بالسلامة العمومية ، فالبحث هنا عن المعلومة هو البحث عن الحقيقة و موجبات اتقاء الضرر و تجنب الخطر ، فيستغل لأجل ذلك كل الوسائل المتاحة لأجل الوصول إلى المستجد من الخبر.

قد يكون اهتمام الجمهور بمعرفة ما يحدث من باب الفضول أو بحثا عن التثاقف ، لكن حرصه اليومي هو متابعة الأحداث التي لها علاقة بحياته اليومية والتي تؤثر عليه بشكل أو بآخر ،  ويتصاعد هذا الاهتمام بتصاعد قوة و مساحة هذا التأثير .

لهذا يعتبر إعلام الجمهور و الرأي العام بالمعلومة و إخبارهم بالأحداث و المستجدات أثناء الأزمات يعزز من الثقة والمصداقية بين الجهات الرسمية و الشعب و يدفع إلى الاطمئنان ، مما يسهل تسيير الأزمة ، ويبعث على مرونة تنفيذ التعليمات و القرارات المسيِّرة لها والتي في الغالب تتسم بالشدة و التضييق .كما يقول د . عبد الرحمن الشبيلي : (إن قيام وسائل الإعلام المحلية بالتزام الموضوعية و تقديم أكبر قدر من المعلومات لا يخدم المواطنين فحسب ، لكنه في الواقع يخدم أهداف الدولة وعلاقتها بمواطنيها) .

يعتبر التنيسق و التحاقل حول نفس الأهداف بين إدارة الأزمة و وسائل الإعلام ، من بين أهم أسباب النجاح في تسيير الأزمة ، غير أنه يجب أن تتسم هذه العلاقة بالحيطة و الحذر ، وفي هذا الصدد يجب أن يكون ضمن تشكيلة إدارة الأزمة متحدث رسمي باسمها ، يتولى تنظيم النشاط الإعلامي ، وبث المعلومات و الحقائق ، لتفادي تضارب المعلومات و تجنب التناقض ، لهذا يجب أن يكون ملما بالأحداث و مجريات أمور الأزمة .  

في الغالب في زمن الأزمة ينقسم الإعلام الى ثلاثة جبهات ، فمنها من يؤيد قيادة تسيير الأزمة ، ومنها من يكون معاديا لها ، و طرف آخر يكون محاديا يبحث عن الحقيقة . وأمام هذه الأطراف الثلاثة على قيادة الأزمة أن تواجهها معا بالحقيقة و في الزمن المناسب ، تفاديا و تصديا لأي شائعة ، فلا توجد وسيلة فعالة لمواجهة الشائعات حول الأزمة سوى نشر الأخبار الصحيحة وفقا لتصريحات رسمية معدة بإحكام على أن لا تؤثر في سلبا على مسار سير العمليات . (أن التصريحات الرسمية ذات الطبيعة الأساسية لا بد من تحريرها بشكل دقيق و محدد وأن تلتزم أجهزة الرأي العام بإذاعتها أو نشرها كما قدمت علما بأن أي تعديلات فيها كما تشير التجارب فد تقود إلى إيحاءات و استنتاجات مربكة قد يصعب أن لم يستحل تلافيها) حسن أبشر الطيب . لذا يجب أن يتحرى المتحدث الرسمي الدقة و الحذر و الإلمام بالحقائق و تفاصيلها ، كما أن الاعتراف بالأخطاء المرتكبة أثناء عمليات المواجهة يعزز من الثقة ، فاكتشافها من طرف وسائل الإعلام أو الجمهور قد يؤدي إلى تضخيمها على ما هي عليه في الواقع مما يزعزع الثقة في الجهاز الرسمي . إن السرعة مع التثبت في نشر وإذاعة الخبر و المعلومة كفيل بالتصدي لنشر الشائعات التي تتناسل مع التعتيم . لذلك يجب على القائمين على إدارة الأزمة متابعة وسائل الإعلام المختلفة و الوقوف على تفاعل الجمهور أو الاطلاع على ما تبثه لدحض ما قد تسربه من إشاعات. 

توفر الأزمات بيئة خصبة لنمو الإشاعات ، فلا تكاد تنقطع شائعة ، حتى يبث خبر أو تعليق كاذب ، لذا لزاما على إدارة الأزمة التعامل مع هذا الوضع برابطة جأش و اعتباره من طبيعة الأزمة ، فلا يمكن التغاضي عن الشائعات بل يجب  تتبع مصدر انطلاقها و رصدها و تحليلها و معرفة سرعة انتشارها و الجمهور المستهدف بها . وهذا من أجل تحديد الأسلوب الأنجع للرد على الشائعة لتفريغها من مضمونها ، الاستعانة بالخبراء و المختصين لمواجهة موضوع بعض الشائعات و دحضه بطريقة غير مباشرة . 

تبقى العملية الإعلامية للأزمة ذات حساسية كبيرة ، بسبب ما تواجهه من مخاطر و مصاعب من حيث المضمون أو حساسية الموضوع ، بالإضافة للغموض و الضبابية التي قد تكتنف الأزمة مما يغشي بعض جوانبها ، وفي الغالب عدم معرفة الأسباب يؤدي الى صعوبة تحديد و رسم إستراتيجية المواجهة . كما يزيد غياب التنسيق بين أطراف إدارة الأزمة ، من صعوبة عمل الإدارة الإعلامية للأزمة .

يعتبر النقص في المورد البشري المؤهل و الكفء من بين الأسباب المؤدية إلى الفشل في رسم سياسة و خطة إعلامية لتسيير الأزمة .

 إن فراغ الساحة من فواعل إعلامية موضوعية محترفة لا سيما في زمن الأزمات ، يعتبر أزمة أخرى قد تعطل سير مواجهة الأزمة بل تعيق حلها ، من خلال بث المغالطات و الإشاعات ، التي تؤدي إلى تعطيل و إضعاف نفاذ القرارات و التنظيمات المتعلقة بتسيير الأزمة ، فما نشاهده اليوم من تسييب و تهور في التعامل مع التدابير الوقائية و استهتار بالإجراءات و الاحترازات مرده الأول نقص الوعي و الضعف الإعلامي ، مما أدى إلى اللجوء إلى فرض عقوبات على المخالفين للتدابير الوقائية خاصة خرق حظر التجوال ، فعلى سبيل المثال لا الحصر ، نقلا عن مصادر إعلامية ففي الأيام الأخيرة فقط لشهر ماي ، في وهران وحدها تم توقيف ما لا يقل عن 10984 شخص و حجز 2152 سيارة و636 دراجة نارية  شخصا لعدم احترامهم تدابير الحجر الصحي ، والتي اليوم تشهد انتشار رهيب للعدوى بهذا الفيروس الفتّاك فثمن التهور فاتورة الحياة .    

 وفي ظل هذا الفراغ الإعلامي في الغالب يملأه   إعلام الضجيج و إعلام الانفعال ، فمن السخريات الإعلامية في خضم الحرب و في بؤرة الوباء الأولى البليدة نرى على منابر إعلامية و نسمع من يناقش هندسة المستشفى. 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك