اشتباكنا مع النظام الدولي.. سينتهي بنهضتنا!!

استبصار

بقلم: صالح عوض

الثابت في الصراع الكوني منذ خمسة قرون أن امتنا غير قابلة للانزواء ولعلها هي الأكثر إثارة وحيوية في معارك لم تنته في التحرر والتحرير.. لقد أفلت إمبراطورية بريطانيا، و إمبراطورية فرنسا، كما انهار الاتحاد السوفيتي، وهاهي الإمبراطورية الأمريكية تخطو بتثاقل نحو خطوتها الأخيرة لتبدأ مرحلة الانهيار.. لن تكون الصين بديلا حضاريا عن الحضارة الغربية فهي تعاني نقصا رهيبا على الصعيد الإنساني.. هم فقط العرب والمسلمون من يستطيع المحافظة على عبقرية العقل الغربي وما توصل إليه، و يعززون قيم الحرية والكرامة والعمل والإنسانية وينشرون السلام، بعيدا عن صراع المادة والأنانيات ليكون المستقبل عربيا إسلاميا. 

نحن وحركية العالم:

الموضوعية تقتضي منا القول: إن أمتنا جزء من عالم لها به روابط من عقيدة أو تاريخ او مصالح وفي هذه العلاقة تجارة وسياسة وصداقة وحروب، ولم يعد مقبولا الانعزال عما يجري في العالم فهو لا يضر في حقيقة الأمر إلا من يسعى إليه.. فلقد أصبحت الكرة الأرضية قرية تجوبها الخدمات المعلوماتية وأدوات الاتصال وتفرض عليها سياسة تطور الأسلحة والتكنولوجيا وأنماط الحياة واقعا معينا إلى مدى كبير، وقد أصبح التبادل بين الدول والشعوب للمصالح والمنافع بحق أو باطل أمرا بالغ الأهمية والضرورة.. ويتحرك هذا العالم بقوة مذهلة وباندفاعة شديدة، ونتيجة التطورات التكنولوجية المذهلة المكثفة والمتلاحقة أصبح للزمن قيمة إضافية.. في هذا العالم لا نستطيع ان نغلق على أنفسنا الحدود ونتصرف كيفما شئنا وبعيدا عن التوازنات الدولية ومعرفة أين هو موقعنا في الخريطة؟ ولا يمكننا أن نبقى على إجاباتنا السابقة التي صرفتنا بعيدا عن تيار الحياة المنساح نحو مستقبل معقد وخطير.

ففي الحين الذي كان الانهيار يتكرس دولا وطنية ومناهج غريبة عن حس الأمة وضياعا لثرواتنا كانت الدوائر الاستعمارية تتوسع في التكامل وترسم خرائط العالم وسياساته وتؤسس منظمات ومؤسسات سياسية وأمنية وقانونية للتحكم في العالم.. وغني عن القول أننا لم نكن شهودا في تلك الحركية أو مساهمين بل كنا دوما في دائرة المقموع والمحاصر والمعاقب وفي كثير من الأحيان سلمنا قراراتنا الاقتصادية والسياسية لدوائر استعمارية.

  القوى الخفية المتحكمة في ثروات العالم من بنوك عملاقة وشركات عابرة للقارات ومصانع كبرى يمتلكها عشرات الأشخاص معظمهم في أمريكا يخططون للحرب والسلام وهم يتحكمون في كبريات المؤسسات الإعلامية والفنية ويسيطرون على المؤسسات السرية كالماسونية وسواها وهم يمتلكون عشرات مراكز الأبحاث والفكر يصنعون الأفكار والديانات والمذاهب والدعاية يحركون العالم بقوة المال بشكل شبه كامل.. وهذه القوى العالمية التي تتحكم الآن في أمريكا لها سلوك وحيد تجاه الأنظمة والمثقفين والإعلاميين في العالم انه أسلوب شراء الذمم لصنع المخيال الشعبي في سياق الانهيار الروحي وفقدان الشعوب خصوصياتها ليصبح العالم يسير في المسلك الذي تريده لهم تلك القوة الخفية

تمترست هذه القوة الخفية خلف الحكومة الأمريكية ومؤسساتها فأنشأت الحربين العالميتين الأولى والثانية والحروب العديدة في كل مكان لكي تفتح للاستثمار والمصانع والشركات الأبواب على مصاريعها.. من هنا يصبح الانتباه ان الواقع الدولي يسير بعكس ما تضج به الندوات الدولية والقانون الدولي والعلوم الإنسانية المدرسة بالجامعات.. فالحروب الكبرى والنهب والعدوان تلو العدوان يسير وفق قوانين أخرى تلك التي تفهم ولا تكتب ينفذها كبار المجرمين من أعضاء الحكومة السرية.. ومن خلال تتبعنا لسير حركة الإدارات الأمريكية وحكوماتها تتكشف عن قدرتها حيث تتحرك كل المؤسسات في الإدارة الأمريكية حسب خطة تلك القوة السرية وتصبح الدولة أداة من أدوات هيمنتها وفعاليتها.  

لقد كانت ساحة الوطن العربي وما جاوره من أوطان المسلمين ودول العالم المستضعف الميدان الطيع لتقاسم النفوذ والمصالح الاستعمارية.. وبعد عشرات السنين من الحرب الباردة وانتهائها بما آلت إليه -وقد دفع فيها العرب والمسلمون من أموالهم وأبنائهم لتحقيق النصر الأمريكي-   انتفخت الإمبراطورية الأمريكية فطردت شركاءها عن مائدة تقاسم النفوذ كما تجلى في حرب الخليج الثانية حيث بدأ التسجيل لتهميش الدور الأوربي على الصعيد العالمي..  

محاولاتنا السابقة:

وهنا يصبح النظر ضروريا إلى رحلتنا الأخيرة لاسيما عندما انفرط عقدنا الى قوميات ووطنيات وعلمانية منذ ثلاثية العدوان ” التجزئة المفروضة وإسقاط الخلافة ووعد بفلور” والتي هيأت لها الثورات القومية في تركيا وبلاد العرب بتفعيل مباشر من الدوائر الاستعمارية في بريطانيا وفرنسا.  

رحلة طويلة تلك التي مرت بها نخبنا العربية منذ مطلع القرن العشرين وبحساب الواقع فهي قد خسرت معظم الجولات على الصعيد السياسي والنهضوي.. فلقد انتهت الثورة العربية بقيادة الشريف حسين ضد الخلافة العثمانية 1916-1918 بسايكس-بيكو وباغتصاب فلسطين، وجاءت حركات القومية العربية الناصرية والبعثية من خلال انقلابات العسكر في مصر وسورية والعراق لتنتهي بنكبات على أكثر من مستوى تكرست التجزئة وسقطت القدس وتمدد الكيان الصهيوني وقمعت الحريات وتم فتح الباب للغزو الثقافي والتبعية السياسية.. وعلى خط مواز مع إرث تلك التوجهات واستمرار الدولة البوليسية جاء الربيع العربي الذي دشنه الاحتلال الأمريكي لبغداد والإتيان بنخبة مرتبطة بالتوجه الأمريكي ليكون الثمن باهظا لا يقل عما خلفته الثورة العربية الكبرى ليكون هو كما كانت الثورة العربية الكبرى بداية مرحلة جديدة من تنفيذ المخطط الاستعماري فلقد هز الدولة الوطنية بعنف وضرب حلقاتها المركزية وكاد يقضي على نسيجها الاجتماعي وشبكة علاقتها الاجتماعية.. دمرت بغداد وتم تهميش دمشق وحرقت صنعاء ومزقت اليمن ولازالت تونس فاقدة القدرة على التوازن والتماسك فيما توزع دم ليبيا ونفطها على الدول الطامعة وتخلفت مصر وعزلت وتراجع دورها،..، ولحق بالربيع العربي موجة ارتدادية فيما عرف بالحراك يجتر بعضا من الربيع ويحمل مشكلاته ونقاط ضعفه ويتقدم لتكريس الخطاب الشعبوي ثم يعود إلى حيث بدأ رغم أنه كان أقل خطرا من الربيع وتم التعامل معه بسرعة فائقة وتمت الاستفادة منه بإنهاء أوضاع سياسية تعفنت وفتحت أبواب احتمالات للإصلاح.. ومن الملاحظ أن الخصم الحضاري هو الذي رسم خريطة المراحل المتلاحقة وغطّاها إعلاميا وأوجد لها مناخها ودفع إليها الأطراف الموالية والمعارضة بالمباشرة أو بالإيحاء.. هنا لابد من ملاحظة تشبت أمريكا بالتسيد على العالم وذهابها لإعادة ترتيب البيت في أمريكا اللاتينية وتكريس حالات الرداءة السياسية في الوطن العربي وبلدان عديدة لتسهيل إجراء عمليات النهب والهيمنة.. فيما يواصل الاقتصاد الأمريكي انهياره وشيخوخته في ظل بروز قطبية دولية منافسة كما هو حاصل من الصين تفرض عليه معركة متنوعة وشرسة بل تفتح للعرب والمسلمين فرصة التحرر من أحادية الخيار وتفسح لهم في التعامل في هوامش تفيدهم عن الاصطفاف الدولي الى التشكل الجديد الذي قد يجد له مكانا كاملا بقطبية متميزة.

أسئلتنا الغائبة:

لماذا غاب الحديث -في الثورة العربية الكبرى ومن جاء بعدها الأنظمة الإيديولوجية والربيع العربي والحراك- عن الجامعة ومراكز البحث العلمي والاقتصاد العلمي البعيد عن الديماغوجية والتصنيع التكنولوجي والتكامل بين قوى الدول العربية وإمكاناتها وتحقيق الاكتفاء العربي الغذائي وبناء سوق عربية مشتركة تحرر دولنا وشعوبنا من التبعية للدوائر الاستعمارية و بناء بنية تحتية صناعية والترقي على سلم التطوير والتقنية.. أليس ملفتا أننا لم نسمع أي شعار حضاري خلال هتافات الربيع والحراك في مصر واليمن وتونس وليبيا وسورية والسودان..؟ حيث لا كلام عن عدد المستشفيات، ومراكز البحوث العلمية، وتطوير الجامعة، وربطها بالمجتمع واحتياجاته المرحلية والإستراتيجية، والعدالة الاجتماعية ومنسوب الحريات والحقوق وكيفية توظيف إمكانات البلد و العودة إلى الوحدة العربية والإسلامية.. وأخذت الدوامة الأنظمة في اتجاه الدفاع عن نفسها متنازلة عن مقولاتها الأيديولوجية.

النخب الثقافية والسياسية سواء كانت متمثلة في أفراد أو أحزاب وحساسيات سياسية وفئوية تنشغل دوما بعناوين سياسية وينصب حراكها على عناوين سياسية أو معيشية ولا تنشغل من قريب أو بعيد بمقومات المجتمع الحقيقية.. فكم من حزب جعل بناء جامعة عصرية ومراكز بحث علمي من أولوياته؟ وكم من حزب سياسي قدم رؤية اقتصادية لتنمية حقيقية في الصناعة والتكنولوجيا؟ وكم من حزب له رؤية للتكامل الاقتصادي والعلمي بين الدول العربية لتحقيق الوفر والاستقلال والتخلص من التبعية الاقتصادية للدول الاستعمارية؟ كم من حزب يستند إلى مراكز بحث ودراسات وتحليل تزود كوادره وقياداته بالمعلومة والرؤية و الخطة؟.

.. نسلط الضوء مجددا على الأسئلة الملحة: ما هو الموقف من صندوق النقد الدولي وشروطه؟ وما هو الموقف من القطاع العام و الخاص؟ وكيف يتم تحريرهما من الاستغلال؟ وما هي البنية العلمية الضرورية لبناء اقتصاد وطني؟ وهل يمكن الاعتماد على البعد الوطني اقتصاديا في ظل التكتلات الكبرى في العالم؟ وما هي النظرة للتكامل الاقتصادي والعلمي العربي لبناء ضمانات حقيقية لانجاز اقتصاد قوي وتحقيق الرفاه الاجتماعي.

  الانحراف التاريخي:

دخلت نخبنا السياسية والثقافية الناصرية والبعثية والإسلامية التيه وحرب الشعارات الدامية فيما بينها والتآكل الذاتي والصراع العدمي وفي معارك الإقصاء المتحكمة والمتعسفة غابت عنا القدرة والفرصة لإيجاد الأجوبة على الأسئلة الحقيقية المتعلقة بأسباب النهضة والانتصار والحياة الكريمة والسيادة الوطنية والحضارية من خلال تعامل واع و بندية مع الآخر الذي قفز قفزات بعيدة على سلم النهضة والتكنولوجيا والعلوم بشتى أنواعها فيما تم تكرار الأسئلة الإيديولوجية والشعاراتية والثأرية في ساحتنا والانسياق خلف الدعايات في التكتلات والأحزاب والأنظمة والنخب؟

 وبرغم أن الأنظمة العربية المعاصرة التي ورثت الحكم عن الملكية ذات الصلة بالاستعمار بشكل سافر استندت إلى شعارات الوحدة والقومية إلا أنها هي من كرس الدولة الوطنية وثقافتها بعد أن نزع من العروبة روحها –الإسلام- ضامن التوحيد والسيادة.. وقد ترافق هذا مع فشلها في إيجاد حلول ناجعة على صعيد السيادة والاستقلال والنهضة.. الأمر الذي يعني ان هناك خللا جوهريا في برامجها فضلا عن الخلل الذريع في إدارة مشاريعها ورغم ان بعضها طرح قضايا مهمة كالإصلاح الزراعي والضمان الصحي وإجبارية التعليم ودعم المواد الغذائية وبناء بنية تحتية للصناعة إلا أن كل ذلك انتهى إلى فشل واسع ولم يصمد أمام هزات تعرض لها النظام والمجتمع وهنا ينبغي ان يدعونا إعادة النظر في طبيعة المشاريع المطروحة للمرحلة القادمة.

لكن في الوقت نفسه لابد أن نشير إلى أن تجربة الأحزاب “المعارضة او المخالفة” في الحكم في بلداننا العربية أثبتت أنها غير مكترثة بعناصر تنمية المجتمع الحقيقية في الصناعة والاقتصاد والتعليم وجعلت من التنافس على مقاعد البرلمان أو التوظيف في الحكومة سبيلا لأعضائها في الحضور وتحقيق امتيازات شخصية آو حزبية والأمر نفسه ينساق على كثير من أفراد النخبة الذين يتحركون بديماغوجية أيديولوجية وبشعارات تقود المجتمع للاصطدام بالحائط.. هذا فضلا عن الممارسة السياسية العدمية برفض كل شيء من الاخر الوطني والانصراف عن البحث عن نقاط مشتركة، او برامج تأوي اليها طموحات الجميع، و حصر التنافس في دائرة المكتسبات الحزبية.

لقد تقدمت قوى التغيير في عملية الربيع والحراك دون مراجعة حقيقية للتجربة الوطنية على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي بل دون طرح محدد للأهداف السياسية والاجتماعية وبدون قيادة ولا برنامج وكأن الحراك مقصود في ذاته لخلق أجواء يتم في ظلها ترتيبات جديدة في البلد والإقليم، وتكمن الخشية من تكرار هذه التجربة الفاشلة بعد وقت قصير..

تخلفنا ليس قدرا:

التقدم نحو الواقع لن يكون برفع شعارات عدمية ولكن بروح الإصلاح للواقع من جذوره بنظرية الإحلال والاستلام وبسلوك توافقي تدرجي إصلاحي علمي يحدث تراكمات واعية في اتجاه النهضة، وهنا تكون البداية أن يذهب الناس للاحتكام لمعيار شفاف لبناء المؤسسات بشرعية شعبية حقيقية وعلى أرضية من هذه الشفافية تتقدم البرامج العلمية العملية المنبثقة عن ورشات أهل الاختصاص للشعب كي يختار أيها يتقلد المسئولية التشريعية والتنفيذية.. إننا بحاجة إلى تغيير ذهنيات بالأهمية نفسها التي نطالب بتغيير أوضاع.. فليس المهم تغيير الأشخاص إنما النفسيات واللياقات ليأتي من هو مسكون بالغيرة على شعبه وأمته ومنهجها ولسانها المبين ويمتلك روحا نهضوية يأخذ بيد الشباب إلى التقدم والرفاه والاكتفاء الذاتي.. المطلوب هنا ليس فقط الجيل، بل وأيضا البطل.. نحتاج إلى جيل على قدر المسئولية كما نحتاج إلى الرجل البطل الذي يمثل القدوة والقادر على بعث الروح.. بمعنى أننا نحتاج الى جيل من الأبطال.

 يحاول البعض جعل صعوبة الفكاك من الاستغلال الاستعماري لنا قدرا مستحكما يقيد إرادتنا ووعينا، لقد كسرنا إرادة المستعمرين مرات عديدة رغم ما بذلته شعوبنا من تضحيات كبيرة.. فليس من المعقول بعد ان قدمنا التضحيات الكبيرة من اجل التحرر والتحرير نصبح مساهمين في تضخيم قوة الشر العالمي فما تفعله الآن حكومة الإمارات وشركاؤها محض شذوذ بتحويل اليمن مؤقتا إلى مرتع للصهاينة في سوقطرة وشبوه وخليج عدن وبغواية الضعاف من حكام الأمة نحو الارتماء أذلاء على أعتاب الصهاينة.. ففي اليمن رجال كما في كل مواقعنا سيطهرون الوادي من رجس الفاسدين والله غالب على أمره.

 

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك