استمد الشرعية من التجربة التاريخية

الدستور والشعب العظيم

  • “الشعب الجزائري شعب حر ومصمم على البقاء حرا”

 

هكذا انطلقت ديباجة الدستور الجزائري، وهي انطلاقة لها دلالة جزائرية خاصة، إذ لم تكن مقدمة الديباجة بوصف الأمة أو الدولة مثلا. ويظهر تصميم الشعب على البقاء حرا في تاريخه الذي هو تاريخ كفاح وجهاد قاده أبناء الجزائر، رواد الحرية والوحدة والرقي، وكانت ثمرته عبر العصور إنشاء دول ومساهمة في التراث الحضاري الإنساني.

لا يكتفي الدستور بالنظر إلى الشعب بأنه مصدر السلطة والسيادة التي يمارسها عن طريق المؤسسات والاستشارات الشعبية كما ورد في المادتين السابعة والثامنة بل يعتبره المبرر التاريخي لوجود الدولة ذاتها بالنظر إلى الشرعية التي اكتسبها من تجربته الطويلة في مقاومة الغزاة آخرها تجربة الثورة التحريرية التي أبلى فيها البلاء الحسن بعد أن تجمع حول الحركة الوطنية وجبهة التحرير الوطني التاريخية وتوج تضحيات جسام مكنته من التكفل بمصيره الجماعي واسترجاع حريته وهويته الثقافية وتشييد مؤسساته الدستورية الشعبية الأصيلة.

وأسهبت ديباجة الدستور بالقول بأن تحقيق الانتصارات مصيرية واسترجاع الثروات الوطنية وبناء الدولة المستقلة السيدة البعيدة عن الضغط الخارجي كان بفضل عزم الشعب الجزائري وذلك التصميم على أن يبقى حرا وغيورا على حريته ووحدته التي عززتها مقاومته لكل المحاولات العنيفة لتهديد وحدة واستقرار الدولة في إشارة إلى العشرية الدموية التي اجتازتها الجزائر خلال التسعينيات من القرن الماضي، فبفضل الشعب إذن تحقق السلم والمصالحة الوطنية بعد أن استفتي فيهما مرتين فصمم على جعل الجزائر بمنأى عن الفتنة والعنف وكل تطرف وعن خطاب الكراهية وكل أشكال التمييز، تضيف ديباجة الدستور.

ويعتبر الدستور أن الشعب أكد دوما، عبر هذه التجارب التاريخية التي توجها بالحراك الشعبي الذي عبر به عن حرصه على ترجمة طموحاته في إحداث تحولات اجتماعية عميقة، أنه أهل لأن يكون مصدر شرعية مؤسسات الدولة ومبرر وجود الدولة نفسها التي ما وجدت إلا لرعايته وخدمته وحماية المكسب التاريخي للشعب وهو الاستقلال والسيادة.

وينطلق التمجيد الذي يحظى به الشعب في الدستور الجزائري من منطلق أن الاستقلال الوطني لا يمكن أن تدعي تحقيقه فئة أو طبقة أو جهة أو أية شخصية قيادية خلال الثورة التحريرية مثل ما هو الحال في تونس الذي تعتبر لحبيب بورقيبة سابقا عن الشعب التونسي الذي كان يعتبره “غبارا من الأفراد”، فاستقلال الجزائر إنجاز للشعب الجزائري بأكمله بما فيها الفئات التي لم تنخرط في الثورة ولم تشارك فيها، ثم أن السلطة الموروثة عن حرب التحرير كانت تتكون من الجيل الثاني من ضباط جيش التحرير الوطني الذين كانوا يفتقرون للشرعية التاريخية التي كان يتمتع بها القادة الأوائل المفجرون للثورة الذين بقوا أحياء بعد الحرب، لذا قام هؤلاء الضباط بعزل العديد منهم على غرار محمد بوضياف وكريم بلقاسم وأيت احمد وغيرهم واستعين ببن بله وخيضر وبيطاط لقيادة دولة شعبوية جماهيرية تحت شعار من الشعب وإلى الشعب، ولا بطل إلا الشعب الجزائري قبل أن ينقلبوا عليهم أيضا، وباسم حماية الثورة الشعبية.

وليس هذا التوجه نحو تقديس الشعب حكرا على الجزائر بل هو سمة جميع الأحزاب الوطنية التي قادت سياسات الدول في العالم العربي وكل الدول التي انتهجت النهج الاشتراكي والتي كانت دوما تخاطب “شعوبها العظيمة” وتقوم على التعبئة العامة المتواصلة لفئات الفلاحين والعمال وطلبة الجامعات وتحرص على أن تكون هذه الشعوب متناغمة مع المواقف والقرارات التي تتخذها السلطة داخليا وخارجيا.

لكن الدستور ذاته يدعو هذا الشعب الجزائري السيد والحر إلى تبني التزامات الدولة الجزائرية تجاه المجموعة الدولية لاسيما في مجالات مكافحة الفساد وقد ذكرت ديباجة الدستور ثلاثة مراجع في هذا الشأن وهي اتفاقية الاتحاد الإفريقي لمنع الفساد ومكافحته واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد والاتفاقية العربية لمكافحة الفساد وهي اتفاقيات قد تتعرض للتغيير في أي لحظة من التاريخ كما يدعوه أيضا إلى التمسك بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الذي يعود صدوره إلى عام 1966 والميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب الذي يعود إلى عام 1981 والميثاق العربي لحقوق الإنسان الصادر عام 2004 وهي معاهدات مثالية انخرطت فيها جميع الدول المعنية بها دون أن تكون بحاجة إلى أن تعزز انخراطها بتعبير شعبي صريح في الدستور.

وفي موقع آخر، ودون ذكر أي مرجع دولي لاسيما اتفاق باريس لعام 2015 حول المناخ الذي يدخل حيز التنفيذ ابتداء من هذه السنة، فإن التعديلات الدستورية تقترح كذلك أن يظل الشعب الجزائري منشغلا بتدهور البيئة والنتائج السلبية للتغير المناخي وحريصا على ضمان حماية الوسط الطبيعي والاستعمال العقلاني للموارد الطبيعية والمحافظة عليها لصالح الأجيال القادمة.

ويبقى التساؤل مطروحا حول الدافع من تحميل الشعب الجزائري التزام الدولة في فترات متباينة باتفاقات إقليمية ودولية ويتأكد هذا التساؤل لما ندرك أن المعاهدات التي يوقعها رئيس الجمهورية تسمو على القانون الذي يفترض أن يعكس الإرادة الشعبية عن طريق ممثلي الشعب في البرلمان بموجب الدستور نفسه.

بقلم: احسن خلاص

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك