اختفاء وثائق من الأرشيف الجزائري بفرنسا

دكاترة ومختصون في التاريخ يتحدثون لـ :الوسط

* اختفاء 13 ملف من العلبة 7 SAS 69  

* لا بد من التركيز على أرشيف مدينتي “إيكس أونبروفانس”  و فانسين

* مخططات مخزون الثروات المعدنية تحظى أماكنها بسرية تامة

 

كشف مجموعة من المختصين في تاريخ الجزائر بأن ملف الأرشيف الوطني الذي نهبته السلطات الفرنسية هو دليل إدانة مباشر للسلطات الاستعمارية الفرنسية وما اقترفته في حق الشعب الجزائري منذ دخول وحدات جيشها يوم 14 جوان 1830 إلى غاية 19 مارس 1962م، وما تبع ذلك من جرائم ارتكبتها منظمة الجيش السري إلى غاية إعلان استقلال الجزائر. 

 

 

الدكتور عامر رخيلة

فرنسا تتذرع حتى لا تسلم الأرشيف للجزائر

 

كشف الدكتور عامر رخيلة أستاذ العلوم السياسية وعضو المجلس الدستوري سابقا بأن تحجج فرنسا وتذرعها بحجج قانونية تحول دون السلطات الفرنسية في الوفاء بالتزاماتها مع السلطات الجزائرية وهي التزامات تتمثل في وعود سياسية ليس إلا ودون اتخاذ خطوات جدية لطي ملف الأرشيف.

وأوضح الدكتور قائلا: “وفي تقديري فإن فرنسا مهما كانت طبيعة القوى السياسية التي تتولى مقاليد السلطة في باريس ستكون هناك ملفات مصبوغة بصبغة السري جدا من ذلك مخططات المخزون من الثروات المعدنية التي تحظى مخططات أماكنها بسرية تامة ولا نملك من جهتنا ما يجعلنا نستعملها ثانيا بعض محاضر وأدوات التعذيب…كما أن هناك أرشيف يخص الحركى…أرشيف يخص الجزائريين الذين أسندت لهم مهام بعد الاستقلال وظلوا يمارسون دورا مزدوجا ففي فرنسا هم فرنسيون وفي الجزائر هم جزائريين”.

 

الدكتور فريد نصر الله رئيس قسم التاريخ جامعة العربي التبسي تبسة:

 على فرنسا التخلى عن القوانين الممجدة للاستعمار

 

في سياق حديثه عن موضوع الأرشيف أشار الدكتور فريد نصر الله بأن هذه المسألة تتعلق بالأساس بالذاكرة التاريخية للجزائر خصوصا بعد تسليم السلطات الفرنسية لبعض جماجم شهداء المقاومة الشعبية التي سجنت بقصد في خزائن متحف التاريخ الطبيعي لما يزيد عن 170 سنة بكل ما تحمله من أهداف استعمارية بكون سكان المستعمرات حقل للتجارب، وبعد تكليف الطرف الفرنسي بتعيين المؤرخ بنجامين ستورا والجانب الجزائري لمستشار الرئيس عبد المجيد شيخي بمهمة الذاكرة، هذه الخطوة الهادفة من خلال الخطابات السياسية بين سلطات البلدين الي بعث إعادة كتابة الذاكرة التاريخية للعلاقات بين البلدين بما يخدم توثيق العلاقات المستقبلية في جميع المجالات.

ويعد هذا الموضوع مهم يستدعي من المؤرخين والباحثين تسليط الضوء عليه وتناولها من منظور علمي أكاديمي لمحاولة الوقوف على حجم العوائق التي تواجه هذه الخطوة ومجالات نجاحها على المدي القصير والبعيد خاصة في ظل وجود قانون تمجيد الاستعمار الفرنسي كإطار قانوني ضمن سياسة الأمر الواقع ومطالب الضمير الاجتماعي الجزائري والنخب السياسية والأكاديمية والإعلامية على تجريم الحقبة الاستعمارية نظير ما ارتكبته من جرائم طيلة وجودها والتي أرخ لها حتى الطرف الفرنسي لا سيما خلال الثورة التحريرية.

وأوضح الدكتور بإن من أهم العوائق التي ستواجه المكلفين بملف الذاكرة بين الطرفين يمكن أن تحديدها في قانون 23 فيفري 2005 والذي أصدرته الجمعية الوطنية الفرنسية باقتراح من حوب الاتحاد من اجل الحركة الشعبية القائم على أساس نشر القيم الإيجابية التي جسدها تاريخ فرنسا الاستعمارية وخاصة في شمال افريقيا حيث فرض على المؤسسات التعليمية تدريس القيم الإيجابية للطلاب والتلاميذ وحجب الجانب الاجرامي للمرحلة الاستعمارية، كما ان انه فسح الامر للإعلام وبعض المروخين والسياسيين الفرنسيين الي تجريم جيش وجبهة التحرير في بعض الاحداث بما فيهم المؤرخ بنجامين ستورا من خلال بعض كتاباته التاريخية، أو في رفض الطبقة السياسية النافذة ولوبي الاقدام السوداء في فرنسا لفكرة الاعتذار فوزير الخارجية الأسبق (Bernard Kouchner) عبر على أن رحيل جيل الثورة إشارة للمجاهدين كفيل بالتطبيع الكامل بين الجزائر وفرنسا لنهاء مطلب الاعتذار، هذه الطبقة السياسية التي  تتحكم في أهم وسائل الاعلام الفرنسية وحتى المعتدلة تروج لطرح فكرة معاناة الجزائريين حلال الحقبة الاستعمارية بدل تجريم الاستعمار، وحتى الرئيس ماكرون عندما طرح هذا الموضوع في حملته الانتخابية باعترافه بأن الاستعمار جريمة ووحشية في حق الشعوب المستعمرة، بعد وصوله للحكم تحاشي الخوض في موضوع تقديم الاعتذار الرسمي، ولذلك فالتجربة تؤكد أن الساسة الفرنسيين منذ الاستقلال يستخدمون هذا الموضوع لتحقيق مكاسب انتخابية فقط.

خصوصا بعد إقدام إقدام الجانب الفرنسي 05 أفريل 2016م على إصدار قانون تمجيد الحركي وتعويضهم وفي 21 ديسمبر 2016 علي سن قانون يعترف بمسؤولية فرنسا في التخلي عن الأقدام السوداء والحركي عشية التوقيع على وقف إطلاق النار وهذا تماشيا مع الكتابات الفرنسية بما فيهم المؤرخ بنجامين حيث يطرح وقوع مجازر ارتكبت في حق الحركي والاقدام السوداء من الجانب الجزائري بدون أدلة تاريخية ويتناسى آلاف الأدلة التاريخية لجرائم فرنسا وجيشها في الجزائر منذ 1830.

على الرغم من أن غياب قانون يجرم الاستعمار الفرنسي في الجزائر على الرغم من المحاولات العديدة لتمريره إلا أن حسابات سياسية للسلطة السابقة حالت دون تمريره والا ان أصعب العوائق الموجودة في الجانب الجزائري من خلال وحدة الجزائريين اجتماعيا وسياسيا وإعلاميا وثقافيا، معارضة وسلطة منذ الاستقلال على مبدا تجريم الاستعمار الفرنسي في جميع أشكاله وهذا يمثل صمام صعب علي السلطة الجزائرية اجتيازه وحتى مؤسسات فاعلة في صنع القرار نشأت تاريخيا غلي مبدأ (الحقبة الاستعمارية جريمة في حق الجزائريين).

تاريخ المجازر التي ارتكبتها فرنسا في الجزائر لا سيما خلال الثورة التحريرية أصبحت جزء من تركيبة الضمير الاجتماعي والنفسي الجزائري للأجيال القادمة والقائم على مبدأ الاعتراف والاعتذار الرسمي السياسي كما فعلت إيطاليا مع ليبيا والتعويض وهذا يمثل أكبر عائق في قبول الاطروحات الفرنسية القائمة لتحرير العلاقات بين البلدين من ارث الماضي والتركيز على مصالح الدولتين في المستقبل. 

مبدأ المطالبة بإعادة الأرشيف الذي حولته فرنسا غداة الاستقلال مطلب جزائري ثابت من السلطة الجزائرية منذ الاستقلال يواجه عوائق سياسية وقانونية في الجانب الفرنسي، لا سيما الموجودة بأرشيف ما وراء البحار بمدينةAix en Provence وأرشيف وزارة الحربية Vincennes، كما أن الوثائق الموجودة بالعلب تعرضت للإخفاء منذ بداية 2012 و 2014 و خاصة ما يجرم تاريخ فرنسا الاستعماري و كتجربة مع أرشيف Aix en Provence  وأثناء زيارتي له سنة 2011 تصفحت العلبة 7 SAS 69 التي تتوفر علي 16 ملف و عند زيارتي للأرشيف سنة 2017 وحدت أن العلبة لا تتوفر إلا علي 3 ملفات (correspondance (1955/1962. zones interdites, instructions1955/1962) في حين اخفي منها بقية الملفات (Lutte contre le FLN : opérations, activité militaire, instructions, comptes rendus (1955/1961) ; renseignements, activités du FLN (1957/1962) ; renseignements généraux, police judiciaire, gendarmeries, fiches (1955/1962) ; suspects, individus recherchés, détenus, fiches (1955/1962) ; sécurité militaire) وقس على ذلك عشرات الملفات التي اخفيت من علب الارشيف.

البعد الإنساني القضائي لجرائم فرنسا عائق امام أي تسوية لملف الذاكرة بدون اعتراف الجانب الفرنسي بجرائمه خاصة المرتكبة بعد ظهور القوانين الولية لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية فبعد الحرب العالمية الأولى، أسس الحلفاء سنة 1919، بناء على اتفاقية فرساي، لجنة للتحقيق في جرائم الحرب، استندت إلى اتفاقية لاهاي الصادرة سنة 1907. وبعد الحرب العالمية الثانية تم تشكيل محكمة نورمبرغ الدولية للتحقيق في الجرائم المرتكبة من طرف ألمانيا النازية وحلفائها. وقد حدد ميثاق نورمبرغ في مادته السادسة ” الجرائم ضد الإنسانية في القتل والتصـــــــــــــفية والرق والترحيل، وأفعال لا إنسانية أخرى ارتكبت ضد السكان المدنيين، قبل أو أثناء الحرب؛ أو الاضطهاد القائم على أسس سياسية أو عرقية أو دينية تنفيذاً لأية جريمة، أو لما له صلة بها، تقع في نطاق سلطة المحكمة القضائية، سواء أكانت انتهاكاً لقانون البلد المحلي الذي نفذت فيه أم خارجه”. ويوجد أحد عشر نصاً دولياً تعرّف الجرائم ضد الإنسانية، وتشترك كلها في تحديد مفهوم قضائي للجرائم ضد الإنسانية في العناصر التالية: إشارتها إلى أفعال محددة من العنف ضد أشخاص بغض النظر عما إذا كان الشخص مواطناً أو غير مواطن وبغض النظر عما إذا كانت هذه الأفعال قد ارتكبت في زمن الحرب أو في زمن السلم ويجب أن تكون هذه الأفعال نتاج اضطهاد موجه ضد جماعة من الأشخاص معينة الهوية بغض النظر عن بنية تلك الجماعة أو غرض الاضطهاد. ويمكن لتلك السياسة أن تتمظهر أيضاً في تصرف المنفذين “الواسع أو المنظم” الذي ينتج عنه تخويل بجرائم محددة مشمولة في التعريف. والجرائم ضد الإنسانية التي تتميز بالإبادة في أنها لا تتطلب قصداً لـ “تدمير جزئي أو كلي” لجماعة معينة، كما هو وارد في اتفاقية الإبادة لسنة 1949، بل تستهدف فقط جماعة معينة وتنفذ سياسة انتهاكات “واسعة ومنظمة”. وتتميز الجرائم ضد الإنسانية عن جرائم الحرب أيضاً في أنها لا تطبق فحسب في إطار الحرب، بل في زمن الحرب وزمن السلم كل هذه القوانين تسري على جرائم فرنسا الاستعمارية لا سيما صدور هذه القوانين وفرنسا موقعة عليها.

إن تسوية ملف الذاكرة التاريخية بين الجزائر فرنسا لا يمكن أن يغير من سيرورة الاحداث التاريخية بين البلدين في الماضي لكون الاحداث المأساوية لا يمكن اسقاطها و حذفها من التاريخ الهمجي للاستعمار الفرنسي في حق أجيال من المجتمع الجزائري وانما يجب ان يرتكز هلي قاعدة المحاكمة التاريخية للسياسة الاستعمارية في الجزائر في كل الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والثقافية وأن تسقط فرنسا الرسمية وغير رسمية قوانين تمجيد الاستعمار ولواحقه التي وحتي إزالة استخدام المصطلحات العنصرية في خطابها الإعلامي والتربوي والسياسي كمصطلح حرب الجزائر عوض الثورة الجزائرية وهو ما يجعل إعادة  كتابة تاريخ العلاقات بين فرنسا والجزائر في ظل واقع قانوني فرنسي بتمجيد الاستعمار وايمان راسخ جزائري كامل بتجريم الحقبة الاستعمارية يحتاج الي قرار فرنسي من جانب واحد الاعتراف والاعتذار والتعويض للرسم علاقات مستقبلية هادفة لمصالح الشعبين.

الدكتور مولود قرين أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة الدكتور يحيى فارس المدية:

 الأرشيف مسألة حساسة لأنه يعد جزء مهم من الذاكرة الوطنية

 

من جهته أشار الدكتور مولود قرين بأن أرشيف الجزائر المهجر إلى فرنسا يعتبر من بين أهم المواضيع التي أثارت نقاشاً حاداً، وجدلا واسعاً بين المؤرخين سواء الجزائريين أو الفرنسيين، وامتد النقاش ليشمل أغلب المثقفين وحتى العوام خاصة في الآونة الأخيرة لما طرحت بين الحكومتين الجزائرية والفرنسية مسألة ما أصطلح عليه بـ “الذاكرة المشتركة”. 

والمتتبع لذلك النقاش سيلاحظ بكل تأكيد إصرار الجزائريين على اختلاف مشاربهم الإيديولوجية ومستوياتهم الفكرية على ضرورة استرجاع أرشيفهم باعتباره جزء مهم من التراث الوطني تم السطو عليه من طرف الإدارة الاستعمارية، خاصة وأن القانون الدولي ينص على أن أي أرشيف كتب في بلد ما فهو ملك لذلك البلد. كما أن قضية استرجاع الأرشيف ليست قضية موروث وهوية فقط، بل هي قضية سيادة وطنية، لأن مبدأ السيادة يقتضي ملك الدولة لكل أثارها وشواهدها التاريخية سواء مادية (آثار) أو مكتوبة، حتى يتسنى لها كتابة تاريخها بأقلام وطنية، ولا تنتظر من الغير (الآخر الاستعماري) أن يكتب تاريخها كيف ما يشاء ويوجهه كيف ما يريد. 

إضافة إلى كل ذلك فللأرشيف أهمية اقتصادية هامة، إذ أنه يوفر على الدولة الجزائرية وعلى الجامعات المنح الكبيرة التي تمنح للباحثين من أجل إتمام دراساتهم خاصة الدراسات التاريخية، هذا من جهة ومن جهة أخرى يمكن أن يشكل موردا مالياً جديدا وهذا ما يسمى بالسياحة العلمية كما هو الشأن في فرنسا وفي تونس وغيرها من الدول التي تملك كل أرشيفها، فكل من يشتغل حول تاريخ الجزائر ستكون وجهته دور الأرشيف الجزائرية. 

ولكن إذا فرضنا أن الحكومة الفرنسية سترضخ للمطالب الجزائرية وتقدم نسخ من الأرشيف، فهل الجزائر قادرة على استيعاب ذلك الأرشيف المقدر بألاف الكيلومترات والاعتناء به؟ حتى لا يكون عرضة للإتلاف بكل أنواعه. لذا يجب أن يكون لها إرادة قوية وأن تتعامل مع الموضوع بجدية كبيرة بتوفير كل الإمكانيات للاحتفاظ به وتصنيفه تصنيفاً علمياً دقيقاً، وأن يكون متاحاً لكل الباحثين غير خاضع للإجراءات البيروقراطية التي تعيق استغلاله.

 

الدكتور عبد المالك الصادق أستاذ التاريخ المعاصر جامعة محمد خيضر بسكرة: الأرشيف دليل إدانة لوحشية الاستعمار الفرنسي.

 

كشف الدكتور عبد المالك الصادق بأن الارشيف الجزائري بفرنسا يغطي أكثر من اربعة عقود مضت منذ بدأ تواجد الدولة العثمانية الى غاية استرجاع الجزائر سيادتها التي سلبت منها طيلة تلك الفترات. وتعتبر فترة الاحتلال الفرنسي للجزائر من أصعب تلك الفترات باعتبار ان فرنسا عاثت في البلاد فسادا وخرقت كل المواثيق الدولية وحتى نص اتفاقها مع الداي حسين باحترام الانسان والعادات والتقاليد الاسلامية التي نشأ عليها الفرد الجزائري حيث قابل الشعب الجزائري الوجود الفرنسي بكل شجاعة وبسالة وبروح قتالية عالية الأمر الذي استدعى فرنسا سن قوانين ردعية للقضاء على كل مقاومة مسلحة او أي عمل يقف حاجزا امام تحقيق طموحاتها التوسعية وبسط نفوذها على الانسان والأرض 

أن تطور الاحداث في الجزائر طيلة سنوات الحرب وخاصة مع مطلع القرن العشرين والذي يعتبر البداية الفعلية لمظاهر، المقاومة السياسية الوطنية الحقيقية والذي عبر عنه مجموعة من الوطنيين جعل فرنسا تمارس سياسة اكثر جهنمية لمعاقبة الجزائريين بتطبيق كل قوانينها الاستثنائية التي بقيت تتهاطل وتنظم بناءا على ما يروق لها وبما تقتضيه المصلحة الاستعمارية التي بدأت تزداد مع ازدياد حالة الغليان التي عرفتها الجزائر بعد مجازر الثامن ماي 1945 والتي مهدت الطريق لإعلان الثورة التحريرية المجيدة ليلة الفاتح نوفمبر ،وبالتالي كان ذلك التاريخ بداية النهاية للاستعمار الغاشم الذي جثم على القلوب اكثر من قرن من الزمن. استغلت فرنسا كل الظروف والفرص من أجل مصادرة كل ما تعلق بالجزائريين من ثروات مادية ووثائق هامة وكل الحجج والملكيات الخاصة وهربتها الى أرض المتروبول ولم تكتفي بذلك فحسب 

بل صادرت حتى جثث وجثامين الأبرياء من قادة المقاومات الشعبية سعت قياداتها السياسية الى استغلال الوضع المزري الذي عاشه الشعب من اجل تقويض كل فرص الحلول السياسية التي راهنت عليها بعض القوى الوطنية وبالتالي الزج بكل الأحلام الوردية التي وعدت بها فرنسا الجزائريين غداة نهاية الحرب العالمية الثانية خلف قضبان السجون وتحت المقابر الجماعية والانتهاكات المتكررة. 

مع العلم ان ما تحتويه رفوف الارشيف الجزائري في فرنسا يتجاوز العشرين كيلومتر من وثائق وخرائط ومتعلقات تخص الشعب الجزائري. إن التركيز على بناء الدولة الوطنية العصرية هو مبدأ من مبادئ جيش وجبهة التحرير الوطني طيلة سنوات الثورة وأيضا هو هدف من أهداف رجال ماتوا من أجل الوطن وكان رهانهم الوحيد هو تشييد جمهورية جزائرية مبنية على المبادئ الوطنية والمثل والقيم النبيلة التي تقوم عليها الدولة لقد حان الوقت من اجل شد العزيمة والكتابة والتدوين من جديد باستغلال تلك الوثائق وإركاع مرتزقة الاستعمار من جديد وإعطاء زبانيته دروسا في مفهوم الوطنية وحب الوطن بعد سنوات من اعتماد فرنسا وعملاءها على الأساليب الدعائية المختلفة لنصل في الأخير إلى الإعداد لتدعيم قواعدنا لمواجهة أي مصير محتمل سواء في العقول أو حتى في الميدان إن تطلب الأمر ذلك. 

أما بخصوص مدى إتاحة الفرصة لاستغلال الأرشيف ككل فإنني أرى أن فرنسا لن تكون غبية إلى هذه الدرجة لتمنح الفرصة لكشف عورتها من أجل إدانتها من طرف المجتمع الدولي نعرف جيدا أن فرنسا ومنذ وجودها لم ولن تكون سيدة موقف فكل سياساتها،  القديمة كانت مبنية على عدم احترام الآخر فحقيقة تواجدها في الجزائر اتخذ اشكالا متعددة واتجهت الى الجزائر لتكون مسرحا لتوسعها الاستعماري منتهجة الاساليب العدائية ومحاربة البلد وأهل البلد بهجومها الشرس الذي مازال متواصلا الى غاية كتابة هذه الأسطر، رغم التقارب في الكثير من الأحيان خدمة لمصالحها الاقتصادية. 

إلا أن الجزائر ومن أجل ذاكرتها ومشروعها الوطني لن تقف مكتوفة الأيدي امام ذلك لأن ملف الذاكرة الوطنية هو أولى الأولويات التي تسعى الدولة الجزائرية من أجل استرجاعها والمحافظة عليها أن ترسيخ تاريخ الثامن ماي كيوم وطني هو في حد ذاته حدث تاريخي بالنسبة لنا وحلم لن يكتمل إلا باسترجاع الأرشيف، وسن قوانين تدين الاستعمار الفرنسي في الجزائر وتدين كل ممارساته الاستدمارية، وبالتالي حانت اللحظة المناسبة من أجل الاعتراف أمام العلن بكل ما ارتكب في حق شعب اعزل وتعويضه ولو معنويا عما عاناه طيلة قرن ونصف من الاستعمار، ولما لا المطالبة بالتعويص المادي عن التجارب النووية في الصحراء الجزائرية والتي تمثل فيها الفرد الجزائري كفأر تجربة وهو حي يرزق ويا للأسف أما عن الأرشيف الذي ستمتنع فرنسا عن تسليمه فالكل يعرف ان فرنسا وقبل استقلال الجزائر هربت وسرقت كل ما يتعلق بتاريخنا خاصة فترة الاحتلال، خاصة فيما تعلق بجرائمها.  

 

الأستاذ عادل قواسمية باحث دكتوراه جامعة الأمير عبد القادر قسنطينة

عودة الأرشيف تعني كشف كل الجرائم 

 

في مستهل حديثه أشار الأستاذ عادل قواسمية بأنه يتوجب على الباحث في تاريخ الجزائر الحديث والمعاصر؛ معرفة أهمية تلك الوثائق التي تحويها خزائن فرنسا ما وراء البحار؛ في كتابة المواضيع والبحث في حقيقة الظاهرة التاريخية؛ خاصة إذا تعلق الأمر بفترة المقاومة الوطنية كرد فعل على السياسة الاستعمارية. 

وإن البحث في كثير من المواضيع يدفعنا للبحث في الأرشيف الفرنسي إكس أون بروفانس… عن حقيقة الحدث وتقريب المفاهيم الصحيحة للقارئ والباحث؛ لذا كان من الأجدر أن ينتقل الأرشيف الجزائري بما يحويه من وثائق ومصادر وأشرطة متنوعة؛ من فرنسا التي تكلف الباحث في تاريخنا عناء، إلى الجزائر؛ حيث يسهل الخوض في مختلف المواضيع التاريخية بقلم المؤرخ والموضوعية والحياد.

إن عودة الأرشيف الفرنسي إلى الجزائر هو قضية تهتم بشؤون الوطن، بل وتهم كل وطني غيور على وطنه. ومن ثمة؛ فإن عودة الأرشيف الفرنسي إلى الجزائر سيمكن من: إماطة اللثام عن الحقيقة وإدانة الكثير من الحركى (عائلات وقبائل)؛ إضافة إلى أن بعض هذه العائلات لا تزال على قيد الحياة ويعيش أصحابها مرحلة عودة الأرشيف واقعاكما يمكن الأرشيف من إعادة دراسة مواقف تاريخية لكثير من الأحداث بالمنظور الموضوعي الواقعي الذي حدث به الحدث. فالأرشيف يضيف شجاعة سياسية للمؤرخ وللقارئ والباحث؛ بل ويدفع إلى حياة أكثر ديمقراطية وعلمية متميزة يستفيد منها الباحث والوطن.

هذا وإن الأرشيف بعودته للجزائر؛ سيكشف جرائم المستعمر في كل مراحلها؛ وكيف استغل العنصر الجزائري في هذه العمليات الاستدمارية خصوصا إذ ما تم التحقق وعن قرب؛ من أحداث لا تزال محل دراسة وقيد انجاز عند المؤرخين؛ خاصة ما تعلق بفترة الثورة التحريرية الكبرى العودة لأهم الجرائد والمجلات الأصلية التي تبحث في تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية؛ نشأة وتطورا؛ ووضع نتائج لبعض الخلافات المتراكمة عن الثورة والثورة المضادة فتح المجال أمام تطور البحث العلمي والبحث في مواضيع جديدة تذليل الصعوبات أمام الباحث وخاصة ما تعلق بالمنحة إلى فرنسا ومشكل التأشيرة؛ وهذا ما يعطي للأرشيف بعدا اقتصادي للدولة.

 

الأستاذ فتحي براي باحث دكتوراه جامعة محمد بوضياف المسيلة

إعادة كتابة التاريخ الوطني وتنقيته من الشوائب

 

لا يخفى على المهتمين بموضوع الأرشيف الجزائري بفرنسا ذلك السجال الحاصل منذ طفت القضية على الساحة السياسية حيث غدا معيارا لقياس تذبذب العلاقة بين البلدين. كما أن قضية الأرشيف قضية ذاكرة وطنية ما تفتأ تظهر مع حلول أي من المناسبات الوطنية وفي هذا الإطار تسعى الدولة الجزائرية من خلال مؤسساتها المرعبة قانونا إلى استرجاع الأرشيف والذي تستفيد منه الجزائر في نظرنا على مستويين. المستوى الأول اعتباري معنوي يندرج تحت مسمى بناء شرف وهيبة الدولة على المستوى الرسمي للسلطة.

 كما يبعث على الفخر والاعتزاز بالانتماء للأمة الجزائرية على المستوى الشعبي العام يضاف لذلك المستوى الثاني وهو عملي موضوعي، فاسترجاع الأرشيف يمكن للباحثين من تسهيل المهمة اختصارا وربحا للوقت، وكذا الجهد دون عناء التنقل للخارج، ناهيك عن الإضافة النوعية التي نأمل أن تتحقق باسترجاع الارشيف ألا وهي كتابة التاريخ بأقلام وطنية محلية بعيدا عن سياسة الاملاءات والتوجيه التي عملت السلطة الاستدمارية على توظيفها لكتابة تاريخ الجزائر، إذ أن استرجاع الأرشيف -في اعتقادنا-يفتح الافاق أمام الباحثين والمؤرخين لإعادة الاعتبار التاريخ الجزائري وكذا إعادة استقراء الأحداث وفق المستجد من الوثائق الارشيفية.

في اعتقادنا أن فرنسا ستعمل على تقديم أرشيف لا يمكن أن يكون ضدها يوما ما خاصة إذا ما تعلق الأمر بجرائم الحرب والتي نؤكد في هذا المقام على أنها مارست سياستها الاجرامية ضد مختلف فعاليات المجتمع الجزائري منذ وطأت أرض الجزائر كمستدمرة رسميا سنة 1830م، من هذا المنطلق فقط يمكننا أن نتصور نوعية الأرشيف الذي ستقدمه فرنسا للجزائر في إطار ملف الذاكرة، ولذلك فنحن نراهن على الطرف الجزائري الذي لابد أن يكون في مستوى آمالنا وطموحاتنا.

فرحاني طارق عزيز

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك