احتفاء بالذكرى الـ 47 من رحيله الجزائر تعيد الاعتبار للهرم الفكري الكبير “مالك بن نبي”

تقرير : حكيم مالك

تحتفي الجزائر بأحد الشخصيات الموسوعية التي قدمت الكثير من الأفكار الحضارية للمجتمعات الإسلامية والمتمثل في  طبيب الحضارة مالك بن نبي حيث لا تكفي الكلمات لوصف إنجازاته على المستوى النهضة الفكرية الإسلامية  فهو  يعد واحدا من أكثر المفكرين المعاصرين  ومن الذين   انتشرت أفكارهم  في مختلف أصقاع العالم ،  وبمناسبة إحياء الذكرى الـ 47 من  رحيله ، خصصت  وزارة الثقافة والفنون  ندوة وطنية أولى  حول هذا الفيلسوف الاجتماعي العملاق  من 27 إلى 31 من  أكتوبر الجاري، في  المكتبة الوطنية ومختلف المكتبات الرئيسية للمطالعة ودور الثقافة المتواجدة على المستوى الوطني تحت شعار ” في الإصغاء لشاهد على القرن ”  كوفاء للذاكرة الثقافية للجزائر وإحياء لرموز التفكير والثقافة، وعليه فهذه الخطوة العملاقة  تعد اعترافا رسميا من طرف الدولة الجزائرية وموعدا للتصالح مع  مفكريها والذي يدخل في إطار التغيير الجاد  ضمن بناء ما يسمى ” بالجزائر الجديدة ” ،خصوصا أنه  يعيد الاعتبار لهذا المفكر الجزائري  الكبير صاحب” مذكرات شاهد للقرن ”  ، وعلى هذا الأساس تقربت يومية “الوسط ” من الكتاب والباحثين والنقاد الجزائريين  الذين  سلطوا الضوء على الأفكار النيرة  لهذا الرجل الموسوعي  صاحب  الثقافة المنهجية والذي تطرق لأهم قضايا العالم المتخلف  من خلال معالجته لـ  “مشكلات الحضارة ” إذا أكد  ” أن مفاتيح الحل عند الذات لا عند الآخر.

الباحثة في التاريخ ليلى بلقاسم: مبادرة وزارة الثقافة هي تصالح مع فكر مفكرينا

عادت الباحثة في التاريخ ليلى بلقاسم، لآخر كلمات المفكر المستشرف الجزائري مالك بن نبي لزوجته وهو على فراش الموت سنة 1973″ سوف أعود بعد 30 سنة “هكذا قالها الراحل و هي إذن دورة التاريخ التي تحدث عنها في مؤلفاته وإن قوبلت بالرفض والمقاطعة والتجاهل إلاّ أنه كان متيقنا من أنها ستنشر وتفعل، فقد تهزم الجيوش ولكن لا تهزم فكرة قد حان وقتها، وقد حان وقت أفكار مالك بن نبي فيلسوف الحضارة الذي كتب عن التاريخ والحاضر والمستقبل واستقرأ واقع العالم الإسلامي وكشف حالة تشتته ومنه طرح رؤيته لحل مشكلات الركود والتخلف واقترح مناهج الإقلاع الحضاري.

وفي ذات السياق وصفت  الأكاديمية  عودة المفكر مالك بن نبي إلى الساحة الفكرية والثقافية   برعاية رسمية من طرف وزارة الثقافة والفنون من خلال  فعاليات الندوة الوطنية الأولى في إحياء لرموز الفكر والثقافة الجزائرية وهو الذي كان مغيبا طيلة فترة حياته وما بعدها رغم أنه من أكثر المفكرين اهتماما في العالم العربي تمثلا بابن خلدون لقضايا العمران والتمدن والحضارة والذي دفع ضريبة نقده  العلني المفكر الذي سبق عصره ،دعا إلى مواجهة التحديات بضرورة القيام بتغييرات جذرية فإما أن نقاوم في مجتمعاتنا أو نقاوم التغيير القادم من الخارج بحكم طبيعة تغير العصر  الذي سيفرض علينا فرضا، لا توجد إلى اليوم مؤسسة فكرية سياسية باسم الدولة الرسمية تجسد أفكاره في المشاريع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.  لهذا نجد أن الكثير من الأجيال لا تعرف هذا الاسم ولا مؤلفاته ولا رؤيته الفكرية ولم تقرأ حرفا واحد عن فلسفته وأفكاره، رغم أنه يعتبر رمزا في دول جنوب شرق آسيا ترجمت الكثير من مؤلفاته إلى العديد من اللغات وهو الذي حاول كسر الطابوهات السياسية والفكرية بعد كسر قيود الاستعمار الفرنسي في الجزائر وطرح عقب ذلك فكرة القابلية للاستعمار فلا كرامة لنبي في قومه.

كما أضافت ذات المتحدثة أنه  قد جاء الاهتمام بهذه الشخصية التي تعد  أحد مهندسي الحضارة من أجل بناء فكر إسلامي حر ونهضة اجتماعية أساسها  الاستثمار في الإنسان بعد أن رفع الكثير من الناشطين المثقفين في الحراك الشعبي  وتم تداول اسمه وصوره ومقولاته  في عودة قوية لأفكاره عبر منصات التواصل الاجتماعي والندوات الفكرية صاحبها بث التلفزيون الجزائري لمحاضرة ألقاها سنة 1970 على الحلول المقترحة لأزمة الحضارة الإسلامية للدلالة على الرغبة الواضحة في التأسيس لجزائر جديدة أساسها  الإنسان والوعي لرجل خطط لطريق النهضة من أجل الخروج من مستنقع التخلف.

     واعتبرت صاحبة كتاب “السياسة الاستيطانية العقارية بالجزائر منطقة غليزان نموذجا 1850-1900” ، أن المبادرة الرسمية التي تبنتها وزارة الثقافة هي تعبير عن المضي في نهج التغيير الهادف إلى التصالح مع فكر مفكرينا وهو في حد ذاته رد اعتبار لصاحب “الظاهرة القرآنية” وشروط النهضة و”العفن” و”مذكرات شاهد للقرن” و”مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي” ، و”بين الرشاد والتيه” …  للأفكار التوعوية والفكر المتفتح غير الموجه لجماعة معينة البعيد عن التؤدلج  الأكثر علمية من أجل تشخيص أمراض الأمة ووصف حلول لها بالخصوص أن الجزائر تملك إمكانيات وطاقات بشرية ومادية من أجل نهضة حقة  فعلى النخب السياسية والثقافية  اليوم وحتى العوام إعادة قراءة أفكار مالك بن نبي بدافع الاسترشاد ونشر الوعي في ظل الصراع الفكري المدار من الغرب.

الروائي والناقد فيصل الأحمر: في إعادة اكتشاف مالك بن نبي

 وأكد الروائي والناقد فيصل الأحمر “للوسط” أن “مالك بن نبي” حالة ثقافية نادرة، يمكننا أن نستدل من خلالها على الأمراض المتنوعة التي أصيبت بها الثقافة الجزائرية. أمراض جاءت في سياق تاريخي ما بعد استعماري كان يمكن تبريرها؛ بسياق الصراع الثقافي/ السياسي/ الهوياتي المتوقع والمفهوم في السبعينيات، والقابل للتبرير في الثمانينات، أما أن نجد جسما يجرجر آثار مرض قديم لعشريات سلبية طويلة بلا محاولات علاج، فهذا لا هو منطقي ولا مقبول.

 وقال الأحمر أن مالك بن نبي قد عانى  من تهميش فكري وجامعي كبيرين، بسبب رؤياه السياسية غير المتواطئة مع النظام أيام كان حيا؛ وهو سبب غربته الطوعية التي ختمتها غربة فلسفية تربتها الصمت الجارح داخل الوطن، وعانى كذلك بسبب رؤيته الفكرية التي أرادت الانطلاق من تجديد الخطاب الديني، أو بث روح العصرنة ومقولات التجديد والتحديث في هذا الخطاب، اتجاه قاومه السلفيون بسبب عجزهم المعهود عن التقدم بمقولات الأمس ونصوص الماضي إلى المستقبل، وقاومه الحداثيون بسبب الفقر المعهود في الأفق المعرفي، وسقوط عناوين كبرى براقة في تمذهب دوغمائي قليل التطلعات يميل إلى الترتيب السريع للأفكار والمفكرين، أكثر مما يميل إلى دخول المقولات ومعالجتها بالعقل والمنطق وبتجريب صلاحية الطرح الوارد لدى المفكر من خلال التجريب ومحك الواقع، بدون أحكام قبلية ومحاكمات فيها مصادرة على الشخص والاتجاه دون النظر في المشروع المختزل إلى تهم وتصورات كاريكاتورية.

نسعد كثيرا اليوم ونحن نقرأ عن الرغبة الرسمية (ممثلة في الجهاز الهام والرمزي لوزارة الثقافة) في إعادة الاعتبار لهذا الهرم الفكري الكبير الذي مُدح كثيرا، وانتُقد كثيرا، وذُم مرارا، ولكنه لم يُقرأ إلا قليلا. عسى هذه الدعوة الرسمية إلى الالتفات إلى هذا الرجل المتعدد الهام أن تكون دعوة لدخول عالمه الفكري وإخراج هذه العبقرية الجزائرية إلى الضوء.

وأشار صاحب رواية “حالة حب ” أن قراء “مالك بن نبي”   سيجدون أنفسهم أمام نصوص رجل كبير، وسيطالعون مشروعا بأفكار جديدة في نقد الحضارة وفي المشروع الهام لتجديد الوعي الإسلامي بالعالم، تحت قبة الفكر الإنساني، لا تحت قبة “الفكر الإسلامي” الذي أصبح – للأسف الشديد- عنوانا مثقلا بتراث ماضوي بائس يحيل – كما يظهر جيدا من خلال الحضور الطاغي في شبكة الانترنت- على الفكرة السلفية أكثر مما يحيل على جوهر النص القرآني الذي هو نص يتجاوز السلف بالضرورة، لكي يخاطب الإنسان فيما وراء ظاهر مخاطبة المؤمنين.

الكاتب مسينيسه تيبلالي: ” أيّ مالك بن نبي سنقوم بالإصغاء له يا ترى؟”

 وقال الكاتب مسينسه تيبلالي ليومية “الوسط ” أن كل نقاش في شخص وشُغل وفكر مالك بن نبي، يستوجب لياقة ذهنية ونفسا طويلا، يتطلب استعدادا للخوض عميقا، قابلية لتهافت صور نمطية معينة، وربما تلاطما للمعطيات تنتهي حد التناقض الصارخ، دون ذلك فهو تخندق في “مفهوم” أحاديّ القطب حول الرجل… ذاك هو الحد الأدنى من زاد المُناقش و “دفتر شروطه”، فما بالك عندما يتعلق الأمر بندوة وطنية “تاريخية” ستُعمر لأسبوع كامل، تنظمها أعلى هيئة ثقافية في البلاد ( وزارة الثقافة والفنون)، وقد اتخذت لنفسها عنوانا فاخرا باذخا: “في الإصغاء لشاهد على القرن“…فأيّ مالك بن نبي سنقوم بالإصغاء له يا ترى؟ أقول هذا الكلام الملتوي والغريب عن وعي.. أو على الأقل عن قناعة.. وأنا الذي أحسبني عالما بقدر معين من خبر بن نبي، مُلما بشُغله، وعارفا لشيء لا بأس به مما يُخاض من حوله، لكنني في نفس الوقت أشعر بأنني مضطرب الرأي في فكره، متقلبُ المزاج بشأنه، وجاهل كل الجهل لشخصه..لم أتعرف بمالك بن نبي مرة واحدة وحيدة، بل تكررت لقاءاتنا وصداماتنا مرارا (فكريا) وفي كل مرة تختلف معرفتي به عن سابقاتها.. عرفتُ مالك مُفكرا عبر “مشكلات حضاراته” فَفيلسوفا بصبغة “إسلامية” ونبرة آتية من العالم الثالث، يُناطح بها جهابذة الحضارة العالمية على شاكلة أرنولد تومبي وهيغل وسبانغلار ومحمد إقبال، وفي وقت لاحق اكتشفتُ بن نبي  الأستاذ والمعلم والمؤثر عبر مريديه وأنجب تلاميذه، الوزير الجزائري الأسبق “نور الدين بوكروح”، أول وآخر من طلب منه بن نبي أن يوطئ كتابا له، والوريث الذي أسندت له أسرة الرجل مهمة الاشتغال على سائر ما خلفه المرحوم من أرشيف ومخطوطات ومذكرات ونصوص وكتب غير منشورة، وذاك ما حدث وتجسد يوم صنّف عدة كتب في فكر وشخص الرجل، استحضِرُ من بينها “جوهر فكر بن نبي” في مُجلّديه عن منشورات “سمر”.. تواصلي المنتظم مع السيد بوكروح وقتذاك، رفقة زوجته مترجمة المرحوم، عرفني بابن نبي الشخص أساسا، طموحاته، أحلامه وكوابيسه، الفرد القلق بخصوص اضطراب حضارات المعمورة، وحامل هاجس تقهقر المسلمين سائرتهم، وتحجر العقل المسلم مِن نحو 6 قرون . ثم اطلعتُ في فترة أخرى على “الأسطورة” التي نهضت بالأمم لكن لا أحد يعلم كيف ومتى، مُلهم إندونيسيا وسنغافورة وعرّاب “باندونغ” في “ملحمة” سيئة الحبكة وضبابية التفاصيل، الكاتب الكبير الذي لم يُقرأ البتة، ذاك هو مالك بن نبي كما رأته عامة الناس، “ماركة” مسجلة، علامة تجارية أكثر منها شيء آخر، تتغنى به وتستغني عنه، وتلك أفضل وصفة لـ “التقديس”.. لقد قُدِّس.

  وأوضح صاحب رواية ” تلمود نرت ” ، قائلا معارفي تعددت بالرجل وتعقدت أكثر عندما اكتشفتُ مالك بن نبي وجدل علاقته مع ثورة التحرير، الذي لعب دور المشاهد الحذر من برجه العاجي عوض الفاعل المبادر في “نسخة”، وذاك “المعارض الشرعي للقادة” والذي هُمِّش وأُسيء استغلال قلمه ولسانه في “نسخة مُضادة”.. وبلغ هوسي أوجه بخصوص هذا الجانب عندما اطلعتُ على شهادات الرجل التي ظلت طويلا حبيسة الدرج ولم ترَ النور إلا في وقت متأخر، أي لدى صدور مذكرات الرائد لخضر بورقعة ،مشيرا أن هؤلاء هم “مالك بن نبي” الذي أعرفهم، ومنه رأيي بوجوب حضور اللياقة الذهنية والنفس الطويل في “ندوة الإصغاء”، وجرأة تتحمل التضحية بالصور النمطية و”الماركات المسجلة”، أتمناها ندوةً تُزيح “المقدس” فيه وتستحضر “المدنس والمهمش” منه، ندوة تستعيد “مالك” من غمار العامة.. أتمناها ندوة غير تقليدية مثلها كمثل عقل بن نبي نفسه، لتكون تحقيقا لنبوءته وهو على فراش الموت يومَ همس لابنته “رحمة” قائلا: “أنا عائد ولو بعد 30 سنة“.. إلى ذلك الحين، سأواصل التساؤل وكُلِّي اضطراب: “أيّ مالك بن نبي سنقوم بالإصغاء له يا ترى؟”.

الكاتبة فريحة بوشباط: السعي للنهوض الحضاري يستلزم الاعتراف بإنجازات مالك بن نبي

انطلقت الكاتبة فريحة بوشباط  من مقولة مفكرنا الإسلامي وفيلسوفنا الاجتماعي الأستاذ “مالك بن نبي” : ” الحضارة لا يمكن استيرادها من بلد إلى آخر رغم استيراد كل منتجاتها ومصنوعاتها ، لأن الحضارة ليست تقليدا أو استسلاما أو تبعية كما يظن الذين يكتفون باستيراد الأشياء التي أنتجتها الحضارات الأخرى ، فبعض القيم لا تباع ولا تشترىومن هذا المنطلق نجد أن لكل مجتمع خصوصية مغايرة ، وعليه لبناء حضارة جزائرية عصرية ذات معايير دينية ومرجعية تاريخية لابد من استثمار الفكرة التي ولدت في الجزائر بميلاد هذا المصلح الفذ ، وذلك من خلال تحريك المجهودات الاجتماعية لمعرفة عوامل نشأة مشكلات المجتمع الجزائري وتفككه وأسباب انحلال عوامل نجاح بنائه من جديد ، ودفع الفرد الجزائري لتبني الفكر المالكي وإحياء تفكيره وشحن همته وتوطيد علاقته بالآخر ضمن النسيج الاجتماعي ،وعليه فالسعي  لهذا النهوض الحضاري يستلزم إعطاء أهمية لرجل العلم والنهضة مالك بن نبي والاعتراف بإنجازاته العظيمة والإشادة بها كقدوة للنشء، وككاتبة جزائرية أثمن ما قامت به وزارة الثقافة والفنون لأول مرة بتخصيص ندوة وطنية لهذه الموسوعة الفكرية والشعلة الحضارية وأعتبر هذه الخطوة الثمينة بارقة أمل للرقي بمجتمعنا العريق في مساره الحضاري.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك