اتفاقية “أبراهام”.. لتدمير دولنا وتمزيق مجتمعاتنا

خيانة

بقلم: صالح عوض

يقول الفلسطينيون في أمثلتهم: “قالوا للخيل مد قدميك ليحدوها، فمد الفأر رجليه!!”.. هذا حال الصغار الذين أعلنوا عن علاقات رسمية وتطبيع مع العدو الصهيوني الغاصب لفلسطين.. إنهم لم يقرأوا تاريخ فلسطين الحضارة والانتصارات وأنّى لهم وهم ما عرفوا للحضارة طعما ولا للانتصار مذاقا إنما الهوان والدعة.. ولم يعرفوا أن فلسطين تسكن قلوب العرب والمسلمين والأحرار في العالم، وأنّ لها شعب حضاري عرك الكفاح وصارع الأهوال ولا يوجد فيه من يتنازل عن حبّة تراب من أرضه المباركة ومقدساته ولا يضره من تخلى عنه أو خذله.. أما الكيان الصهيوني فهو لا ينتظر منهم إلا دورهم في إثارة الفتن داخل الأمة وتقديم الخدمات للصهاينة في أكثر من مكان.  

الموقف الإماراتي:

 سيل التغريدات التي تناول من خلالها إعلاميون وسياسيون خليجيون إماراتيون وسعوديون يشتمون فلسطين ويشيطنون الفلسطينيين وتاريخهم ويقدسون إسرائيل ويقدمون الدلائل على شرعية وجودها ويمجدون الصهاينة ويظهرونهم بمظهر إنساني مظلوم.. تم تصعيد هذا التطبيع الثقافي حيث خاضت فضائية ال “م بي سي” مسلسل “أم هارون” و”مخرج7″ في شهر رمضان الكريم حملة للتطبيع الرسمي مع الصهاينة والتركيز في الحديث عن الأذى من الفلسطينيين كانوا يمهدون لهذا اليوم.. كانوا يسيرون في خطوات شيطانية بإقامتهم البيت الإبراهيمي والكنيس اليهودي والمعابد المتنوعة والاستقبال لليهود في المساجد وإقامة الأصنام في الإمارات كل ذلك كان تمهيدا للإعلان عن العلاقة الرسمية.. لقد مهدوا المناخ الإعلامي،

 ان ما أعلنته الإمارات عن إقامة عهد سلام صنعه الرجال مع الكيان الصهيوني”اتفاقية أبراهام”-كما قال محمد بن زايد- تثير السخرية لأنها ليست اتفاقية بين متحاربين او مختلفين أو متجاورين وإنما هي اتفاقية تنظيم علاقات بين بلدين بينهما علاقات أمنية وسياسية واقتصادية عميقة منذ سنوات طويلة وبينهما شراكة سياسية وأمنية إستراتيجية في التصدي للوحدة العربية والنهضة العربية وفلسطين..

صحيح انهم يريدون من الاتفاقية مزيدا من الضغط على الفلسطينيين ليقبلوا بما تريده إسرائيل من ضم القدس والأرض والاحتلال وهذا هو المطلب الصهيوني ذلك لان الكيان لا يريد إلا الاعتراف بدولة إسرائيل  من قبل الفلسطينيين وفقط.

ولكن لابد من النظر الى الخطوات الإماراتية  إنها موطئة للاستمرار نحو مزيد من الخطوات و لعلاقة الإمارات بالكيان أمنيا في أكثر من ملف كما هو واضح في اليمن ومضيق باب المندب وحيث تبدي الإمارات كل حرص ورعاية للمصالح الصهيونية في باب المندب بعد أن تمت السيطرة للإمارات على عدن وإقامة كيان سياسي بمثابة ألعوبة بيد الإمارات وكذلك كيفية التخادم بينها والكيان الصهيوني في ميناء العقبة الأردني الذي وضعت الإمارات يدها عليه وكذلك استحواذها على مشروع قناة السويس بل والأكثر قيام جواسيس إماراتيون بشراء بيوت وأراض في القدس الشريف والأردن وبيعها من ثم الى الصهاينة والآن تحاول الإمارات التحرك في منطقة شرق المتوسط حيث تبرز سيولة كبيرة لإعادة تركيب الخرائط فالإمارات تعمل منذ مدة على ان يكون لها دورا ولهذا وجدنا تصديها لأي حالة قوة في المنطقة العربية فكان تصديها لثروات الربيع العربي في ليبيا واليمن وتونس ومحاربتها العلنية الشرسة ضد الأخوان المسلمين في أكثر من مكان وكما أنها قامت بادوار أخرى في الاتجاه نفسه.. وان هذا النمط من العلاقة يدفع إلى الانتقال نحو تنسيق أعلى ضد تركيا وتقسيم النفوذ ضد إيران وتحييد إيران إزاء الطرفين والإضرار بمصالح تركيا في المتوسط من خلال انتقال نفوذها إلى الموانئ على المتوسط رغم أنها ليست في منطقة المتوسط.. تستفيد القيادة الإماراتية من وضع الدولة الذي يبدو فيه الحكم مستقرا بلا مشكلات داخلية مع معارضة ولا مشكلة عرش كما الحال في السعودية.

 ولكن للإمارات مشكلة حدودية مع عمان وقطر، وحتى السعودية مستقبلا، وهي في هذه المشكلات تحتاج لدعم بالذات ضد عمان فهي تحتاج الإعانة من الصهيوني مقابل خدمات في اليمن وليبيا وتونس وعلاقة تخادمية تجاه تركيا وايران وأما الخطوة التالية بعد ترسيم خطوط الاتفاقية انها ستكون اخطر نوع من المعاهدات لتحقيق هذا النمط من التواصل السياسي الأمني والاستراتيجي للتدخل في عديد من الدول العربية والإسلامية لن يقف عند حد المنطقة بل سيمتد ضد باكستان والاقتصاد الماليزي… والفلسطينيون رغم ان العنوان المرافق للاتفاقية فإنهم لا يعدون ان يكونوا رقما على الهامش بالنسبة لسياسة الإمارات ورغم انه سيكر المسبحة حيث البحرين وعمان مرشحتان للمهمة إلا أنهما غير مهيأتين للقيام بدور شبيه بدور الإمارات..

الموقف الفلسطيني:

“خيانة للقدس والأقصى وفلسطين هو ما قامت به دولة الإمارات العربية” كلمات حاسمة واضحة أعلنها المستوى الرسمي الفلسطيني.. إنها حلقة في صفقة القرن وتطبيع العلاقات مع العرب على أرضية صفقة القرن لم يتردد الموقف الفلسطيني في إدانة ما تم الإعلان عنه في البيت الأبيض الأمريكي من اتفاقية بين حكومة الإمارات والكيان الصهيوني بتطبيع شامل على أكثر من مستوى.. ولقد أسرع كل القادة الفلسطينيين من كل مواقعهم الإدانة الخطوة الإماراتية وهذا الموقف مسنود بموقف شعبي فلسطيني غاضب ومن المتوقع ان يتطور التفاهم الفصائلي إلى ترتيبات إدارية داخلية تحد من حالة التشظي والانقسام.. ورغم أن الخطوة الإماراتية لم تكن مفاجئة إلا أن الفلسطينيين ظلوا دوما يبتعدون عن التصريح بالامتعاض عن سلوك دولة الإمارات العربية تجاه الكيان الصهيوني.. و قد سبق للفلسطينيين قبل ثلاثة أسابيع برفض مساعدة إماراتية وصلت الى مطار تل أبيب بدون تنسيق مع الفلسطينيين.

ومن هنا توحد الفلسطينيون لإدانة الاتفاقية الإماراتية الصهيونية مؤكدين انهم في مواجهة التحديات الخطيرة يجدون أنفسهم في صف واحد.. وفي السنوات الأخيرة أدى تشتت الموقف الفلسطيني الداخلي الى تقديم فرصة لبعض النظام العربي الذي يخبئ نياته في رغبة جامحة للالتقاء العلني مع الصهاينة.. ولعل الفلسطينيون الآن أدركوا أنهم بما اقترفوه من تلهي دامي قد أساءوا إلى قضيتهم أيما إساءة..

ولعل هذه الاتفاقية الجديدة بين دولة عربية والكيان الصهيوني توفر المناخ لإنهاء الاحتدام بين حماس السلطة و التوجه نحو تصليب الموقف الفلسطيني سياسيا وامنيا.. وهذا يعني بناء إستراتيجية فلسطينية جديدة ولم تعد مراهنة التفاوض مع إسرائيل بديلا للكفاح بل لابد من إعادة الاعتبار للكفاح بكل أدواته بدءا بقيادة وطنية موحدة وتثبيت الفلسطينيين على أرضهم و فتح كل جبهات التصدي.. لاسيما بعد ان بلغ عدد الفلسطينيين داخل فلسطين التاريخية أكثر من عدد اليهود الأمر الذي يعتبر في حد ذاته قوة حقيقية لدى السياسي الفلسطيني.. ويرى الفلسطينيون إن تحلل القيادة الصهيونية من حل الدولتين يعني بوضوح إن هناك معركة ضد الابارتايد الصهيوني وفرض أمر واقع دولة ديمقراطية لن تكون إلا لصالح الفلسطينيين..

وهكذا يرى الفلسطينيون أن لا تعامل مع صفقة القرن  بأي شكل من الأشكال ولا تفاهم مع المبادرات التي يتم تقديمها ولا يفيد أي شيء الكلام عن مبررات للاتفاقات العربية الصهيونية في ظل وجود مبدأ أساسي للقانون الأساسي في الكيان الصهيوني بحيث أصبحت يهودية الدولة قاعدة أساسية للسلوك الصهيوني نحو الآخرين.

الموقف الصهيوني:

تزينت بلدية “تل أبيب” بعلم الإمارات العربية الليلة السابقة بعد الإعلان عن الاتفاقية وكان ذلك مصحوبا بترحيب واسع في وسائل الإعلام الصهيونية.. وأما الموقف الصهيوني فلقد أكده نتنياهو مباشرة بعد تصريحات محمد بن زايد بان حيث عرض إن الاتفاق هو سلام مقابل سلام ولا ينبع من واقع تنازلات ونفى ما ادعته الإمارات أنها اشترطت إيقاف الضم.. وانه فقط يوقف مؤقتا التصرفات بضم الضفة الغربية من اجل إنجاح الاتفاقية.

ولكن ماذا تريد المؤسسة الصهيونية من الاتفاق مع الإمارات؟ هل فقط تحاول تقوية أوراقها في المفاوضات القادمة؟.. في الواقع استطاعت الدبلوماسية الصهيونية ان تقلب المعادلة حيث وضع النظام العربي قاعدة أن التطبيع مع إسرائيل ألا بسلام مع الفلسطينيين فأنجزت القيادة الصهيونية قلب المعادلة بحيث أصبحت تطبيع مع العرب يؤدي إلى تسوية مع الفلسطينيين.

بعيدا عن الضجيج فان القادة الصهاينة لاسيما المستوى الأمني يفكر بطريقة أخرى ويدركون ان لا قيمة لكل عمليات التطبيع المقامة في المنطقة وذلك لوجود قوى اجتماعية صلبة في المجتمعات العربية ويضربون مثلا باتفاقية السلام مع مصر والأردن حيث لا يحظى التطبيع بأي قبول شعبي وظل السفير الإسرائيلي في القاهرة يسكن في فندق محروس بكثافة ممنوع من الحركة وان لا وجود لعلاقة طبيعية مع الدولة المصرية.. فهذا الجانب الشكلي يعني لهم أنهم لم يجتازوا بعد خط الكراهية رغم وجود أنظمة تقمع أي محاولات للتصدي للأمن الصهيوني.

ولكن الخطير الذي تنشغل به المؤسسة الأمنية الصهيونية هو الجيوش العربية وتطور تسليحها وفي حساباتهم إن عشرة سنوات قادمة ستكون كفيلة بانقلاب استراتيجي في المنطقة نتيجة ارتباك سياسات الولايات المتحدة و محاولات تدخل الروس في تركيب المنطقة وعناد إيران وتصميمها على مواصلة امتلاك القوة وكذلك الجيوش العربية ومصر بالذات والجزائر والسعودية.. والجيش التركي وطموح تركيا للتمدد في المنطقة والتغيير الحاصل في سياساتها تجاه الدولة العبرية.

إن القيادات الصهيونية تولي كل الأهمية للجيوش العربية على اعتبارين، الأول: أنها عماد الدولة  العربية وان انهياره يعني بالتلقاء انهيار الدولة العربية، الثاني: التطور الحاصل في التسليح والتجييش العربي بحيث كانت الانتصار الأول والثاني للكيان الصهيوني عسكري ولا قيمة له بدون قوة السلاح الصهيوني وضعف السلاح العربي، ومن هنا يرى القادة الأمنيون الصهاينة أن تزايد التسليح العربي يرسم معالم المرحلة القادمة، ويضعون لذلك مدى زمنيا اقل من عشرة سنوات..

ومن هنا فان النظر إلى الاتفاقية الحالية بين الإمارات والكيان الصهيوني لا تقف عند حدود اعتراف دولة عربية بوجود الكيان الصهيوني فهذا غطاء باهت وهو لو وقف عند هذا الحد فلا قيمة له لدى الصهاينة إنما هو يتعلق بتوظيف مكتسبات الإمارات الإستراتيجية من سيطرتها على الممرات والموانئ لصالح المؤسسة الأمنية الصهيونية ضد تركيا وايران و تونس وليبيا واليمن.. وفي مرحلة لاحقة مصر والسعودية.

الموقف الأمريكي:

سيستقبل البيت الأبيض وفودا من الإمارات والكيان الصهيوني بعد ثلاثة أسابيع لتوقيع عقد اتفاق أطلقوا عليه اتفاقا تاريخيا باسم “عقد أبراهام”.. فيما أعلن الأمريكان عن أن هناك خطوات شبيهة ستبهر الأمريكان ستأتي من المنطقة العربية بعد خطوة الإمارات، ولكن لا بد من وضع الاتفاق في سياق التسابق نحو البيت الأبيض بعد عدة أشهر بين قطبي السياسة الأمريكية الجمهوريين والديمقراطيين وحرص الرئيس ترمب على تحقيق بعض النجاحات لتعزيز جبهة اليمين المتطرف والمسيحيين الإنجيليين حوله.. وفي المقابل فان فريق جون بايدن المرشح الديمقراطي يتحدث عن حل الدولتين والذي يعتبر خطابا تقليديا للرؤساء الديمقراطيين السابقين أوباما وكلينتون بعكس ترمب الذي وضع خطة لتدمير احتمال حل الدولتين كما أن بايدن تكلم عن العودة للنووي والتحرك بعيدا عن الصلف الذي مارسه ترمب تجاه الخارج وكذلك فان الاتفاق مع الإمارات سيدفع الإدارة الحالية إلى مكافأة الإمارات بالتضييق على قطر وستتجه البحرين.. وهكذا فإن المسألة ستظل معلقة بالانتخابات الأمريكية القادمة.

لا يرى الأمريكان في التوقيع على أي اتفاق بين أي دولة عربية والكيان الصهيوني تحقيقا للسلام لكنهم يريدونها لتحقيق أغراض مجتمعة فلقد جربوا تماما في كامبديفد الثاني مع كلينتون وكما تبين أيضا للرئيس ترمب بعد أن طرح صفقة القرن ونقل سفارته إلى القدس وخطى خطوات نحو تنفيذها فكان رفض الفلسطينيين قادرا على جعلها بلا قيمة و أن لا إمكانية لتجاوز القرار الفلسطيني ولذلك فهم يمارسون الضغط  الآن على الفلسطينيين باتفاقات عربية مع إسرائيل لكي لا يجد الفلسطينيون أمامهم إلا الانصياع للاتفاق مع الصهاينة وأمريكا.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك