إيران.. و محاولة البحث عن دور كبير!

قلق تاريخي

بقلم: صالح عوض

إيران إلى أين؟!! ما هو حجم الدور الإقليمي المتاح دولياً لها في المنطقة؟! وهل بمقدورها تغيير شروط المجالات الحيوية وصناعة مجال حيوي يليق بطموحها في دور ما؟! هل تكفي الأمنيات والشعارات والمواقف لصناعة واقع؟ محاولة النحت في الصخر والمصابرة الطويلة هل تعوض حجم الخسارات في الميدان؟ جبهات مفتوحة تحت كل العناوين في أكثر من ساحة ما هي مآلاتها؟ ماذا أثرت فيها الإجراءات الأمريكية بعد الانسحاب من الاتفاق النووي إلى العقوبات المتوالية؟ هل تصمد في مواجهة تحديات الداخل الناتجة عن الحصار؟ هل تنجح إيران في المنافسة على الإقليم بجوار آبار النفط حيث فشلت دولة عظمى كالاتحاد السوفييتي؟ وهل يكون هناك تفاهم استراتيجي مع تركيا و الروس في تحديد حجم النفوذ؟ ما هي نتيجة تدخلها في الملف العراقي و السوري واليمني؟ ماذا تريد إيران أن تكون؟ دولة قوية قطرية أم إمبراطورية؟ إلى أي مدى استطاع الأمريكان الاستفادة من الطموح الإيراني في ابتزاز المنطقة؟ لقد كانت إيران في صراع مع جوارها العربي عندما كانت حليفة للأمريكان والصهاينة فلماذا استمر صراعها مع جوارها بعد أن أصبحت خصما لأمريكا والصهاينة؟

في محاولة الاقتراب من الإجابات على هذه الأسئلة نستحضر صورة إيران في العصر الحديث والمعاصر.. لإدراك الخرائط التي سترسم المعالم الجيوسياسية في الإقليم كله بالقرب من الكيان الصهيوني .

إيـران الحديثـة:

  تعرضت إيران وباقي قلاع الأمة (تركيا، مصر، المغرب العربي) منذ مطلع القرن التاسع عشر والثلث الأول من القرن العشرين لحملة منظمة من الاختراق والتغريب، لسلخها عن تاريخها الإسلامي وعزلها عن الأمة بعد حملات عسكرية مجهزة بجيوش من المستشرقين.. ولقد سقطت هذه القلاع واحدة تلو الأخرى: الجزائر، تركيا، إيران، مصر،.. ولئن اتجه بالتدرج مبتدئا باختراق الوعي والثقافة صانعا جيل التغريب في الأمة وإيصاله إلى ناصية التحكم في المجتمعات العربية ومن ثم ربطها باتفاقيات فلقد اتجه المشروع الغربي ضمن حسابات إستراتيجية إلى حسم الصراع بعجلة وعنف بالغين في الجزائر لتحطيم شخصيتها ومن ثم محاولة إلحاقها بالكامل وتغيير معالم الديمغرافيا و الهوية.

منذ تسلم الصفويون الحكم في إيران بدأ الاتجاه نحو الغرب للاستعانة بخبراته في مجال التصنيع العسكري لمواجهة الخلافة العثمانية.. و ارتفعت وتيرة الاندفاع بعد معركة (جالدران) التي وقعت بين الشاه إسماعيل الأول والسلطان العثماني سليم في 23 أغسطس 1514، والتي انتهت بانتصار القوات العثمانية واحتلالها مدينة تبريز عاصمة الدولة الصفوية، 

تسعة وعشرون طالباً كان قد أرسلهم (عباس مبرزا) سنة 1811 إلى أوروبا عادوا ليؤسسوا (دار الفنون) التي جلبت إليها أساتذة فرنسيين وكان نظام التدريس والمادة الدراسية فيها فرنسيين. وكان معظم المتخرجين من هذه الكلية  من أبناء الأعيان والأشراف والملاكين.. ومن هذه الطبقة تكون رواد حركة الدستور.. ولقد تخرج من هذه المدرسة في المرحلة الأولى (1100) شخص شكلوا النواة الأولى للمثقفين الإيرانيين المتغربين.. وبالإضافة إلى هذه المدرسة فتحت مدرسة تعنى بالترجمة وأخرى بالعلوم السياسية. 

أما مرحلة التغريب المنظم فقد بدأت عام 1828 أي بعد هزائم إيران المتتالية أمام الروس.. اتجه البلاط الإيراني إلى الغرب لاستيراد السلاح وبعض الأساليب العسكرية والنظام التعليمي والإداري وهكذا بدأت في إيران المرحلة الأولى من التغريب أي منذ عهد (فتح علي شاه)، وبلغت ذروتها بإصلاحات (أمير كبير) الذي استدعى لإيران مستشارين فرنسيين برئاسة (مسيو جاردان) المرافق الخاص لإمبراطور فرنسا فقام هؤلاء المستشارون بوضع خرائط للطرق والشوارع والموانئ، ووضع الخرائط العسكرية وتدريب أفراد الجيش وقد أرسلت الحكومة الإنجليزية عدداً من الوفود العسكرية إلى إيران للمشاركة بتدريب أفراد الجيش.. كما دخلت المطبعة الحديثة والتلغراف.. ونشطت عملية الترجمة للآداب والثقافة الأوروبية.

ويمكن اعتبار الفترة التي انطلقت فيها ثورة (الدستور) بين عامي 1905 و1907 بداية مرحلة التغريب بشكل رسمي واضح في إيران.. فرغم أن علماء الدين شجعوا الدعوة إلى دستور يحكم البلاد في البداية إلا أن التيار العلماني تمكن من السيطرة على التيار وتوجيهه، وكان على رأس هذا التيار (ملكم ويفرم) ألأرمني الذي خاض عملية واسعة منظمة لتغريب البلاد بدعم غربي واسع وقام بإسناده في ذلك جيل من المثقفين المتغربين وتمكنوا من إقامة برلمان شكلي للبلاد.. وقد تسلم رضا خان السلطة مدعوماً من الإنجليز بموجب برلمان (المشروطة الدستور) وقد أنشأ (ملكم ويفرم) الذي أكمل دراسته في باريس محفلاً ماسونياً في طهران ضم إليه أبناء الأعيان والملاك والمثقفين المتغربين.. وكانت دعوتهم إلى ربط الاقتصاد والثقافة بالغرب إلى آخر مدى.. وطرحوا فكرة تغيير الخط العربي إلى لاتيني كما فعل أتاتورك في تركيا.. إلا أن علماء الدين الإيرانيين نجحوا في أن يظل الحرف العربي هو حرف اللغة الفارسية على عكس ما تم في تركيا فيما بعد.

  وتواصلت مرحلة التغريب وبلغت ذروتها في عهد كل من رضا خان وابنه محمد رضا بهلوي.. فلقد كان معظم مستشاري نظام التعليم الجديد والمعلمون في هذا النظام فرنسيين حتى إن الطلاب الإيرانيين كانوا يرسلون إلى فرنسا في البداية. من هنا صارت اللغة الفرنسية منذ ذلك الحين اللغة الشائعة في محافل المثقفين وطبقات المجتمع العليا.. ترافق هذا الخط الثقافي الفرانكفوني بتوجهات سياسية حيث تم ربط البلاد بأوروبا فيما يخص اتفاقيات النفط، والعلاقات المتطورة باضطراد نحو الغرب بزعامة أمريكا.

في هذه الحقبة حددت إيران موقعها بوضوح انه التحالف مع القوى الاستعمارية الغربية في مخططاتها الإقليمية في تكريس الكيان الصهيوني وفي تعزيز الحالات الانفصالية في المنطقة  وتشكيل تحد مستمر ضد الأمن القومي العربي.. ونتذكر في هذا الشأن مؤامرة الشاه مع الحركة الانفصالية الكردية في العراق وتجميدها وفق معاهدة الجزائر سنة 1975 بوساطة الهواري بومدين الرئيس الجزائري الأسبق. 

شهدت إيران حركات مقاومة من قبل علماء الدين لمشاريع الإلحاق فكانت ثورة (التمباك) سنة 1890 م، حين منح الملك القاجاري “ناصر الدين شاه” حق بيع التبغ وشرائه في إيران لصالح شركة بريطانية ولقد كان نحو 20% من الإيرانيين يعملون في قطاع التبغ الأمر الذي اضر بمصالحهم مباشرة.. وبعد ما يقارب نصف قرن جاءت محاولة تأميم النفط بقيادة رئيس الوزراء مصدق سنة1951 مدعوما من علماء دين على رأسهم الكاشاني بهدف تأميم الصناعة النفطية التي كان يسيطر عليها آنذاك البريطانيون منذ عام 1913 من خلال شركة النفط الأنجلو-إيرانية. فأصاب الذعر عموم المعسكر الغربي فنظمت وكالة الاستخبارات الأمريكية انقلابا ضده وأعادت الشاه إلى الحكم.. 

  جاء التغيير بقيادة الخميني برؤية شاملة خاض غماره علماء دين ومفكرون متميزون يتساوقون مع  رواد النهضة: الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا ومع روح حركات التحرر في المنطقة العربية حيث أثر الإنتاج الفكري الإسلامي والتحرري في مصر والمنطقة العربية تأثيرا بالغا في تنمية الوعي الإيراني بضرورة العودة إلى الذات.. تصاعدت هذه الحركة حتى بلغت درجة الغليان في 5 يونيو 1963 في المدن الإيرانية مطالبة برحيل النظام السياسي الثقافي الاجتماعي وطرد النفوذ الأمريكي والصهيوني.. قمع الشاه بقسوة المحاولة إلا أن المواجهات أسست لوجود قوة رفض سياسية بامتداد شعبي يزداد اتساعا.

إيران المعاصرة:

تزعم الإمام الخميني هذه المرحلة وهو لم يكن شيخ دين بالمعنى التقليدي.. كان يحمل مشروعا سياسياً وثقافياً برؤية خاصة للداخل الإيراني والإسلامي وللخارج، فعلى المستوى السياسي خرج الخميني عن المألوف لدى الشيعة فكسر الإطار الفكري والفلسفي لمفهوم “إنتظار المهدي”، و “التقية” بمفهومها التقليدي.. وخرج عن المألوف لعالم الدين المسلم التقليدي إلى إعلان (ولاية الفقيه) أي أن قيادة المجتمع إنما هي للعلماء.. ورأى أنه لابد من حكومة تقيم حدود الشرع وتحيي قيم الإسلام وتزيل الفوارق بين المسلمين فتكون منهم قوة تتمكن من فرض وجودها لحماية المسلمين ومصالحهم في العالم، ونصرة المستضعفين، وجعل القدس والعمل على اجتثاث الغدة السرطانية -الكيان الصهيوني- عنوانا لأطروحته.. لهذا اعتبر إسقاط الشاه ليس فقط بشخصه بل كل نظام الحكم.. وتحرك لجمع الأدلة واستنباط الأحكام الشرعية لأهم مسلمات نظرية جمعت إليها عشرات العلماء والمثقفين والمفكرين في تيار انتشر بين الشباب الإيرانيين تمكن من إزاحة المتغربين عن قيادة الثقافة في المجتمع والعلماء الخاملين من المرجعية،وأظهر حيوية وحضورا في عاصمة كانت تعتبر من أكثر عواصم المسلمين تغربا.

إلا أن الثورة التي تكللت بالانتصار المدهش في 12 فبراير1979 واجهت تحديات كبيرة على المستوى الدولي: عدم اعتراف بشرعية الحكومة الجديدة و عدواناً أمريكياً مسلحاً مباشراً.. واقليميا: وقف المال العربي ومعظم النظام العربي لإسقاط النظام  في إيران من خلال حرب استمرت ثماني سنوات مهلكة، وداخلياً كانت مجموعات (مجاهدي خلق) ومن خلال دعم لوجستي أوروبي وإقليمي تشن حملة منظمة لتصفية قادة الثورة وكوادرها الرئيسيين كرئيس الجمهورية (رجائي) ورئيس الوزراء (بهنوار) ومفكر الثورة (مرتضى مطهري) ورئيس البرلمان (بهشتي) وأكثر من ثلاثين برلمانيا ومئات الكوادر وتعرضت الكثير من المؤسسات الإيرانية في إيران وخارجها للتخريب.

البحث عن دور:

1990-2003 .. إنها مرحلة الخروج من قيود الايدولوجيا إلى دائرة الحسابات ومجالات النفوذ، فترة تحولات دولية وإقليمية إستراتيجية.. في هذه الفترة، سقط الاتحاد السوفييتي و الكتلة الاشتراكية وحاصرت أمريكا العراق ثلاثة عشر عاماً، وأرست قواعدها العسكرية في الجزيرة العربية بشكل محكم، واحتلت أفغانستان، وأتت بالأردنيين إلى معاهدة صداقة مفضلة مع إسرائيل؛ وألزمت الفلسطينيين باتفاقية حكم محلي محدود حسب اتفاقية “أوسلو“.. ثم حاصرت الفلسطينيين وقد أفقدتهم ميزات أوسلو. 

غزت جيوش أمريكا العراق سنة 2003 فتحركت إيران للإفلات بمشروعها النووي الذي أصبح عنوانا كبيرا لتحدي منظومة العلاقات الدولية.. وكما صرح الشيخ رافسنجاني عن تنسيقات بين الأمريكان والإيرانيين في ملفين خطيرين الملف الأفغاني والملف العراقي.. ولعل تعامل إيران في الملفين كان هو جسر العبور لنجاح الملف النووي الذي وقعت عليه أمريكا فاعتقد الإيرانيون كما صرحوا بذلك أنهم أصبحوا شريكا أساسيا في ترتيب المنطقة.. ثم جاء ترمب ليلغي الاتفاق ويشن حملة عقوبات اقتصادية تتصاعد ضد إيران.

دخلت إيران الملف السوري وهذا بالنسبة للأوربيين والأمريكان تجاوز الخطوط الممكن الاعتراف بها للإيرانيين.. فهنا سورية المتاخمة لفلسطين وحيث جوهر الصراع الكوني.. والأمر الأمريكي يقتضي تفتيت سورية أو  تفريغ الدولة السورية او تركيعها للقبول بما يملى عليها.. وأدركت إيران أن الدفاع عن دمشق هو حماية لطهران من السقوط.. فدفعت إيران بكامل قوتها في سورية وحركت أمريكا أصدقاءها في المنطقة ليجعلوا سورية مستنقعا يغرق طموح إيران ومن ثم إخراج إيران من سورية ضمن تفاهمات روسية إسرائيلية أمريكية..

وفي محاولة جمع أوراق القوة دخلت إيران في الملف اليمني للوصول إلى باب المندب وجعله ورقة قوة في حماية تصديرها لنفطها فكان مستنقعا آخر وكانت الإدارة الأمريكية تستغل الوجود والطموح الإيرانيين كابتزاز للمنطقة وتخويف لها تجعله مسوغا لبيع الأسلحة وربط المنطقة بالتبعية التامة لأمريكا.

وكان المستنقع العراقي وكيفية تعامل إيران مع الغزو الأمريكي للعراق ووقوفها الى جانب مجموعة من السياسيين المرتزقة العملاء الذين جاؤوا خلف الدبابة الأمريكية فدمروا الدولة ثم استمرارها في التدخل الفج في تشكيل الواقع الطائفي وتكريسه فمهما كانت نواياها بريئة فان هذا كان  من اخطر ما اثر على سمعة إيران بين العرب والعالم الإسلامي وقلل من حظوظ قبولها في تفاعلات المنطقة حيث أصبحت شريكة في كل أزماتها وهذا فضلا على انه يفتح عليها جبهات لاستنزاف إمكانياتها فهو كذلك صنع أمامها حواجز طائفية وقومية لن تستطيع اختراقها..

من الظلم إغفال دعم الدولة الإيرانية للمقاومة الفلسطينية بما جعلها رقما صعبا في المعادلة ووفر لها حدودا من قوة الردع في مرحلة تخلي النظام العربي عنها.. إلا انه ومن الواضح ان إدارة العلاقة مع فلسطين اكتنفها شيء من الفوضى وعدم التقدير السليم الأمر الذي أفقد إيران الإجماع الفلسطيني الذي يناله من يقف مع قضيتهم كما هو الإجماع الفلسطيني نحو الجزائر. 

إيران الآن في مرحلة حرجة وفي مواجهة جبهات عديدة مرهقة ويبدو أن كثيرا من معاركها انتهت إلى خسارة بشكل أو آخر.. وأصبح من الضروري أن تجري عملية مراجعات عميقة لتجاوز ما صنعته العشريات السابقة من آثار.. وفي الجهة المقابلة لابد من التذكر دوما ان إيران دولة محورية في المنطقة وهي  في الوضع الصحي قوة للأمة ومن العبث التفريط بها لدوافع قومية أو مذهبية.. فلقد أصبح واضحا انه ليس بإمكانها اختزال الأمة في مشروع قطري أو في مذهب معين، فالأمة تمتلك رصيدا كبيرا من الرموز والمرجعيات والتاريخ الكفاحي.. كما ان الجميع مدعو إلى تخفيف الضغط عن إيران وليس مبررا أبدا مشاركة الكيان الصهيوني والأمريكان في محاصرتها فلن يستفيد من هذا إلا أعداء الأمة جميعا.. وعلى هذا لابد من تجسيد تفاهمات عميقة وإستراتيجية وسلوك وحدوي حكيم عاقل فوق الطائفية والعرقية والشعوبية لتجنب مزيد من الخسارات المجانية.. والله غالب على أمره. 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك