إيران ومشروعها.. بين تكريس التجزئة وطموح الوحدة

تناقض

بقلم: صالح عوض

انتقدوها دون أن تفقدوا ضمائركم وناصروها دون أن تفقدوا عقولكم.. بهذه الروح نتقدم لقراءة الملف المشتبك.. في ثورة شعبية قل نظيرها استطاع الشعب الإيراني إسقاط الشاه عميل الأمريكان وصديق الصهاينة وعدو العرب ومثير الفتن ضد الأمة، وكان الخميني ومجموعة من القادة الماهرين في لياقة عالية لإدارة ثورة شعب في موقع جيوسياسي خطير مما حقق نجاح الثورة وإسقاط الثورة المضادة.. ومباشرة أعلنت الثورة أنها ضد الكيان الصهيوني وأنها مع الشعب الفلسطيني وقطعت علاقتها بمصر بسبب كامب ديفيد وأكد قادتها إصرارهم على الوحدة في مواجهة التجزئة بكل عناوينها تشرع كفها أمام المخرز في مواجهة مفتوحة منذ أربعين عاما داخليا وخارجيا، ومنذ خروجها من ربقة الولاء لأمريكا ورجالها لم يخلعوا عنهم بزة الحرب، شنت أمريكا حربها منذ اللحظات الأولى انتقاما لرحيل نظام الشاه وقطع يد الوصاية على إيران، و استنفرت الأجهزة الأمنية الصهيونية بعد أن طردت من إيران، اغتالوا كبار علمائها وقادتها وفجروا مؤسساتها وحشدت أمريكا حكام الخليج يشنون حرب شيطنة تجند فيها رجال دين وحركات سلفية ضد إيران وخاض العراق حرب السنوات الثماني على الثورة الوليدة كانت في منتهى القسوة..

السلوك الإيراني:

ولكن لابد من سرد وجهة النظر الأخرى التي ترى في السلوك الإيراني شيئا آخر نعرضها لنظهر أن هناك مشكلة حقا وتستدعي حلا.. نظهر وجهة النظر تلك لأنها لسان حال كثيرين في النخبة العربية ثم نبحث عن أصلها لنحدد حجم المشكلة مؤكدين أن هناك أزمة حقا ولكن نؤكد كذلك أن تعميق الأزمة ليس من مصلحة أحد في الأمة إنما هي خدمات مجانية للكيان الصهيوني والاستعمار.. فكثيرون يرون أن الثورة أخذت بالانسحاب شيئا فشيئا لتحل محلها مصلحة الدولة كما أن شعارات الوحدة وخطاب الوحدة الإسلامية الذي أطلقه الخميني أصابه عطب مؤلم لصالح الشعار الطائفي، ليتقدم مشروع حماية أبناء الطائفة وتوحيدهم، و بناء حالات تابعة في البلدان مقيدة بسياسات إيران، ورعاية تشييع منظم في بعض المناطق، وبدل حماية بلدان الأمة والحفاظ على استقرارها كان للثوار الإيرانيين دور واضح في تفجير التناقضات والصراع الدامي في العراق وسورية ولبنان واليمن والقيام بتغيير ديمغرافي طائفي في هذه البلدان.. ويذهب البعض إلى القول بأن هناك تفاهمات أمريكية إيرانية في الملف العراقي كما في الملف الأفغاني..

و بعيدا عن تفاصيل السلوك الإيراني في الملفات السابقة يجب التنبيه أن حكومات الخليج دفعت بكل قوة مالية لتحطيم الثورة مستخدمة الدين والمال والسلاح بدفع أمريكي وفي ظل حصار وعقوبات أمريكية وأوربية منذ اللحظات الأولى للثورة، منذ اللحظة الأولى ولعل هذا كان أحد أسباب اضمحلال الخط الثوري ومبرراته لصالح تنامي الخط البراغماتي والوطني ومبرراته..

كان الامتحان الأكثر صعوبة إلى أي مدى تصمد الثورة بشعاراتها التي استقبلتها الأمة بتفاعل كبير؟ و ما هي علاقة هذه الحكومات الايرانية ومؤسسات الدولة الإيرانية بانتشار مؤسسات نشر المذهب والتحريض ضد الصحابة وتأسيس جماعات شيعية كجزر فسيفسائية في المغرب العربي وبلاد الشام؟ الى أي مدى عالجت الثورة الموضوع الطائفي في إيران والمنطقة العربية؟ وما هو الصادق في الموقف كلام الدولة الإيرانية عن احترامها لسيادة الدول العربية واحترامها لرموز الأمة ومقدسات مذاهبها وعدم التدخل فيها أم واقع إسناد المكونات الشيعية أو أجزاء منها في العراق واليمن والسعودية والبحرين ولبنان؟

يبدو أن الثورة الإيرانية لم تستطع الصمود في هذه المعركة التي شنتها أنظمة وأجهزة أمنية وصبغتها بصبغة طائفية لتوريط إيران فيها لتكون الحصار الأشد عليها لتجد نفسها في تصنيف الحروب الطائفية في العراق وسورية واليمن للتصدي للوهابيين!! وتطور الانزلاق إلى التعامل غير المتوازن مع الناس المسلمين عامة.. وكبرت الشبهات عندما اتجهت الى مساندة الحوثي المنقلب على الشرعية اليمنية ليس إلا لأنه بلون طائفي معين، ورأى البعض أن الحرب على الإرهاب الداعشي لم تكن إلا غطاء لتجريف سكاني من مناطق سنية وتهجير أهلها بالملايين إلى تركيا والى أوربا بحجة محاربة التكفيريين والوهابيين برايات: يالثارات الحسين!!. وفي لبنان تم التركيز على فرقة من شيعة لبنان تمدهم بالسلاح والمال تحت عنوان المقاومة -التي حرم منها بقية الشعب اللبناني والفلسطينيون في لبنان- وفي العراق اشترك الحشد الشعبي -الذي يتزعمه رجال على ولاء تام لإيران- مع قوات الحلفاء بقيادة أمريكا لتدمير الموصل والفلوجة والانبار وتكريت.. كما تم حشد المليشيات الشيعية من أكثر من مكان الى الحرب في سورية وقد تورط بعضها بدور كبير في العدوان على القرى والمدن السورية بغطاء روسي.

أصول الشيطنة:

في محاولة تمهيدية لتفنيد بعض الاتهامات نقر أن الثورة الإيرانية لم تستطع الصمود كثيرا في الدفاع عن نفسها بأنها ليست في خندق الطائفية، فلقد تمت محاصرتها عرقيا وطائفيا حيث انبرت الأحزاب العرقية العربية والجماعات السلفية بالمهمة كاملة.. لقد كانت الحرب على الثورة بلا هوادة وقاسية ومتواصلة مما يكون قد اضطرها للبحث عمن يساندها فوجدت في بعض شيعة العرب عونا تلقائيا ولن تطرد من جاءها ينصرها وغير مطلوب منها أن تطرده لتؤكد على عدم طائفيتها.. وهي لم تغلق الباب أمام السنة و فتحت قنوات معهم للتعاون والتساند كما فعلت مع الرئيس مرسي والأخوان المسلمين في مصر حيث أبدت استعدادا كبيرا لمساعدة التجربة الإخوانية في مصر في كل المجالات كما أن موقفها مع المقاومة الفلسطينية سياسيا وعمليا لم ينقطع.. كما أن الرسمية الإيرانية لم يصدر عنها موقف بلون طائفي أو تشجيع لسلوكيات سلبية ضد الرموز الإسلامية عند المسلمين بل صدرت مواقف صارمة من المرشد الخامنئي تتعقب المتورطين في السب والشتم بعقوبات عملية إلا أن واقع الحال انتهى لدى كثيرين إلى اصطفافها في خندق طائفي من حيث تريد أو لا تريد.

هذه تهمة كبيرة سقطت فيها الثورة الإيرانية بغض النظر عن حجم الحقيقي والتضخيم فيها.. ومن الواضح ان ذلك تم بتخطيط ودفع من قبل المؤسسات الاستشراقية التي زودت المهاجم الاستعماري بأدوات ثقافية يلوكها حكام الخليج ويجيشون لها القطاعات الواسعة من الأمة.. نقول هذا الكلام ونحن نعرف ان الطبقة الحاكمة في إيران ليست من غلاة الشيعة بل لعل الكثيرين منهم ممن تعلموا الفكر الإسلامي في المدرسة الفكرية الإسلامية السنية ونهجوا نهج العمل الإسلامي السياسي متأثرين بقوى إسلامية سنية.

وهنا لابد من الكشف عن القوة المضادة وأصل موقفها.. فلعله من الواضح أن دول الخليج هي من صنع الحرب على إيران بعد سقوط الشاه وقد تعفينا تطورات التوجهات السياسية في الخليج أن نذهب لسوق الأدلة.. هكذا نكون قد حددنا الأصل في موقف القوة المضادة إنه ينطلق من مصدر العداء للأمة وتدمير محاولاتها.. ومن الضروري الانتباه الى ان عشرات محطات التلفزيون والإذاعة ومئات الصحف والمواقع الالكترونية المرتبطة قامت بشيطنة إيران والنبش في قصص تاريخية وتزويرها دونما تمييز، هذا بالإضافة الى التحرك على صعيد المؤسسات الدولية للتحريض وتشكيل تحالفات انتهت بالتحالف مع العدو الصهيوني.. وهنا تتكشف وظيفة الأنظمة التي واجهت إيران تحت هذه الشعارات.. فهي أنظمة ليست سنية ولا إسلامية فهي تأتمر بتوجيهات الأمريكان والصهاينة في الإمارات وحكومات الخليج وهاهم يخترعون دينا جديدا اسمه الإبراهيمية، وهم يلاحقون العلماء والحركة الإسلامية والصحفيين بالسجن والقتل والاغتيال ويشيدون في بلدانهم معابد للبوذيين وكنس لليهود ثم يقيمون علاقات وثيقة بالكيان الصهيوني ويوطئون بلادهم للقواعد العسكرية الأمريكية والفرنسية.. ويخونون فلسطين والقدس وشعبها المرابط.

وهنا نجد أنفسنا مدعوين إلى تحديد ماهية أصل الموقفين الموقف العربي الخليجي والموقف الإيراني..؟ الموقف العربي الخليجي انطلق من قاعدة العمالة للأمريكان والقيام بمهمة تم تكليفه بها ولا علاقة له بالسنة ولا الصحابة ولا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنهم.. ولم يكن من هدف له سوى تحطيم الثورة الإيرانية التي تواجه حربا من الأمريكان فلقد سبق لهؤلاء الحكام ان جمعتهم علاقة ود وعبودية للشاه الشيعي الذي كان يتفنن في الإساءة للصحابة ولسيدنا عمر رضي الله عنه وكان حليفا للكيان الصهيوني وكان تبريره لذلك أنه يحالف الكيان الصهيوني ضد العرب السنة!!

معركة وهمية:

بعد الذي سبق من استعراض للتهم ولمصدرها يتضح أن الوهم والأكذوبة مادة التثوير للفتن داخل الأمة، وهي مجال يمكن تكراره بين الجميع، ليس سنة وشيعة فقط بل داخل السنة سلفيين وإخوان مسلمين حتى داخل السلفية، وداخل الشيعة هناك فرق ونحل تتصارع ويطعن أحدها بدين الآخر ويصل الأمر بقيام مجموعات من الشيعة بقتل علماء يرون فيهم الخيانة للتشيع ولآل البيت وهكذا توجد مدارس تفسق أخرى وهو تجاوز ضار لطبيعة تكوين الأمة حيث يصار الى الإقصاء والرغبة في إخراج المخالف في الفهم والاجتهاد من دائرة الأمة..

مما سبق نكتشف أن المعركة في جوهرها ليست حول اجتهادات ومواقف من أحداث تاريخية لأن العقل والمنطق والدين يستوعب هذه الاختلافات ولكنها اختلافات يديرها ويشرف عليها صناع النكبات لأمتنا ويكلفون البعض بإلقائها في ساحاتنا.

  لا يخلو التصرف الإيراني من هفوات وأخطاء في هذا الباب او ذاك وعدم تقدير سليم في التعامل مع مكونات البلد المعين عندما جعلوا من تحريك الشيعة في بلد ما والتفاعل معهم غير مراعين خصوصية وحدة البلد وقد يكونون بالغوا في التحوط من أدوات الأعداء فراحوا يتعسفون في مواجهة القوى المخالفة.. وبالفعل هناك تصرفات في بعض الساحات المنهارة أوغل فيها الإيرانيون ظانين انه بإمكانهم إعادة ترتيبها كما حصل في العراق حسب رؤيتهم وهذا فاقم الأزمة.

وهنا بالضبط تبرز لنا المسألة على حقيقتها عندما نتعرف على طبيعة الهجمة العدوانية الأمريكية على إيران ونتساءل ما هي أسبابها؟ هل يعقل أن يستمر الحصار الأمريكي على إيران لأكثر من 40 عاما؟ بل يصل الأمر لقيام أذرع الأجهزة الأمريكية باستهداف مجالات إيرانية بالتدمير.. فما هي طبيعة من يقف طيلة هذه العقود في خندق العداء ضد إيران؟.

من هنا علينا أن لا نكترث للمسألة الطائفية التي يمكن معالجتها في أجواء ود وتقارب وتفاهمات بعيدا عن التشنج الطائفي إنما في منتديات علمية كما كان في لجنة التقريب.. وإن الذي ينبغي أن يشغلنا هو الجانب السياسي في المواقف والصراعات والاصطفافات.. لاسيما وايران تقف في مقدمة المدافعين عن فلسطين وترفض أي شكل من أشكال المساومة عليها وتسند مقاومة الشعب الفلسطيني في أصعب الظروف.

المخرج:

  صحيح أنها صمدت أربعين سنة وتقدمت في مجالات عديدة إلا أن إيران تعيش الآن ظروفا معقدة وقاسية بعد أن فعل الحصار والعقوبات فعله وبعد أن أنفقت أموالا ضخمة في دفاعها عن سورية وتصدت لتمزيقها ودعمها لحركات المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق.. وهذا مع الاستهداف الأمني المستمر لمجالات حيوية تنشط لبنائها ولعل استهداف العلماء والمنشآت أصبح أمرا مقلقا للدولة والمجتمع، وقد انعكست ظروف الحصار والعقوبات على النسيج الاجتماعي بل وحتى على الطبقة السياسية التي تجد نفسها من حين إلى آخر في حالة تصادم نتيجة التباين في معالجة الموقف وفي كيفية إدارة العلاقة مع الأمريكان والأوربيين.

وقد أصبح واضحا أن إيران وصلت الى مرحلة لابد من إعادة ترتيب علاقتها واختراق الحصار وهذا يعني استعادة اللياقة التي انطلقت بها الثورة بعيدا عن زوائد المواقف التي صنفت بالطائفية وفتح الباب للحوار العميق للوصول الى قواسم مشتركة إستراتيجية مع كتل إسلامية وعربية كبيرة تعتمد على بسط عناصر الأمان والسلام والابتعاد مطلقا عن لعبة التشييع والعلاقة الخاصة بالشيعة في البلدان العربية والإسلامية، والتعامل على قاعدة احترام الاستقرار الاجتماعي والثقافي في البلدان.

ومن غير المنطقي تجاهل إيران هذا البلد الإسلامي الكبير بنسيجه الاجتماعي وتنوعه المذهبي والعرقي والذي كان له في عصور نهضة المسلمين دور حضاري كبير.. فمن الناحية الإستراتيجية يخسر العرب خسارة كبيرة إذا فقدوا روح التفاهم مع جيرانهم وشركائهم التاريخيين في حضارتهم، كما أن علاقة التوجس والتخوف ستمنح المصطادين في الظلام فرصة الطعن في روابط الأمة وحشرها في عداوات مقيتة.. 

نعم نحن نحتاج إلى علاقات واضحة صحية يبتعد عن صياغتها الموتورون وضعاف النفوس والمهيجون للإحترابات الداخلية.. نحتاج علاقة التنافع المتبادل في صعد كثيرة والتفاهم على استقرار البلدان والتوقف عن إثارة العصبيات المذهبية والعرقية وليكن كل بمذهبه وفقهه مع عدم المساس برموز المسلمين أو الطعن فيهم تاركين مناقشة الاختلافات لأهلها من المتخصصين.. وهنا نكون وطدنا أقدامنا على طريق معاكس لدرب المخربين وحدة الأمة.. والله غالب على أمره.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك