إنها دولة الأمير عبد القادر

لا وطنية ولا حديثة

بقلم احسن خلاص

تمر ثمانية وثمانون سنة بعد المائة على المبايعة التي وضعت حجر أساس دولة الأمير عبد القادر أو ما اعتاد نفر من الباحثين على وصفه بالدولة الجزائرية الحديثة أو الدولة الوطنية في رواية لا تزال تثير النقاش دون أن تصل إلى اتفاق تعضده دلالات علمية. غير أن المتأمل في الجهد الفكري والسياسي الذي بذله الشاب ناصر الدين عبد القادر بن محي الدين يجده جهدا فذا خارقا لسنن الاجتماع السياسي في عهده فقد حوّل البيعة التي حصل عليها دون أن ينتظرها أو يطلبها على قيادة المقاومة ضد الغازي الفرنسي إلى تصور جديد لم يألفه القوم من قبل فضلا عن أن يكونوا قد فوضوه على المضي به إلى الدرجة التي بلغها بعد 17 سنة من توليه الأمر.

لم يكن مبايعوه من القبائل في نوفمبر من عام 1832 ومن انضموا إلى البيعة الأولى ببيعة ثانية في فبراير من عام 1833 يدركون من أمر الولاء إلى عقدا مع أخ كريم وابن أخ كريم ليتولى الجهاد في سبيل الله ضد النصارى الغزاة حفاظا على الدين والعرض والأرض وفق ما تمليه تعاليم الإسلام وشريعته وواجب الانتماء إلى أمة الإسلام. ودون الخوض في مفاهيم فضفاضة قد نجد صعوبة في إيجاد صلة لها بالواقع نتفق على أن الأمير عبد القادر قد نجح في تخطي نواميس الواقع الاجتماعي السياسي واستطاع أن يضع أساسا لدولة هي مزيج بين النموذج التقليدي للدولة الذي عرفته المنطقة المغاربية منذ عهد ما بعد دولة الموحدين وهو الغالب وبين بعض ملامح الحداثة التي ظهرت بالأخص في النزعة الفيدرالية التي اعتمدها بمجالس شورى محلية وإرساءه قضاء مستقلا لا يحتكم إلا لمبادئ وتعاليم الشريعة الإسلامية، إنها باختصار دولة الأمير عبد القادر.

ولكي لا نظلم عبد القادر الجزائري بأن نحمله تاريخيا ما يمكن أن يستنكره اليوم لو قدر له أن ينهض من قبره لثقل الحمولة وتعارضها مع همته ووجهته وفلسفته والسياق الذي أتم فيه إنجازه العظيم. ولعل العظمة هنا تكمن في أن النظام السياسي والإداري الذي أنشأه ورعاه كان الأول والأخير من نوعه في زمانه وما بعده بعشرات السنين إذ لا أحد من زعماء المقاومات الشعبية تمكن من مجرد التقليد والسير على خطاه بل لم نجد مثله في الجزائر إلى يوم الناس هذا وهو ما يعزز دقة ربط الدولة بشخص الأمير وأن أي محاولة تخطي ذلك قد يوقع صاحبها في مطبات لا حصر لها فدولته علامة مسجلة باسمه.

لم يكن إنشاء الدولة غاية بذاتها عند الأمير عبد القادر فقد مكنه عنفوان شبابه وطموحه الفولاذي من أن يبحث ويبتكر أفضل الأساليب المتاحة للخروج من بالمقاومة التي كلف بقيادتها من موقع الدفاع التقليدي الذي أريد له أن تبقى فيه إلى منطق الهجوم وفرض واقع جيو-سياسي جديد على الغزاة. ولعل ما وصل إليه التفكير لدى الجزائريين في أواخر عهد الدولة العثمانية وبروز النزعة الانفصالية عن هذه الدولة التي لم تكن علاقتها بالسكان تتعدى تحصيل الجباية قد شجعت الأمير عبد القادر على التفكير في استنساخ تجربة محمد علي باشا في مصر لاسيما وأن الدولة العثمانية لم يبق لها وجود في الجزائر، مما دفعه إلى إنشاء تنظيم إداري سياسي للمقاومة الفتية لكي لا توأد في المهد من جانب ولكي تضمن نصرة أكبر عدد من القبائل لها من جانب آخر. وبعبارة أخرى يمكن القول إن الأمير عبد القادر الجزائري أنشأ دولة من أجل المقاومة أكثر مما أنشأ مقاومة من أجل إنشاء دولة، فضلا عن أن نقارن دولة الأمير عبد القادر بأي نموذج آخر للتنظيم السياسي مثل المقارنة التي تجرى بين دولة الأمير وتنظيم حزب الله اللبناني أو تنظيم حماس الفلسطيني باعتبارهم تنظيمات سياسية مهمتها الأساسية قيادة المقاومة.

لقد اخترقت دولة الأمير عبد القادر سنن من قبله وسنن من بعده إذ لا يمكن أن ينسحب عليها المفهوم الخلدوني للدولة فهي لم تخضع لدورته المشهورة التي تمتد على أربعة أجيال عمر كل واحد منها 40 سنة إذ لم يكتب لدولة الأمير عبد القادر أن تعيش أكثر من 15 سنة أي ما يقرب من عُشر عمر الدولة الخلدونية كما أنها لم تبن على العصبية والغلبة فقد أُمّر عبد القادر لقيادة المقاومة ضد الغزاة وليس لقيادة عصبية طموحة إلى نيل الرئاسة والملك على أنقاض عصبية متهالكة.

هنا تكمن عبقرية الأمير عبد القادر الذي استطاع أن ينطلق من نمط قيادي تقليدي ليحوله إلى نمط أكثر تطورا وتعقيدا وساعدته على ذلك الثقة التي نالها وقوة شخصيته وثباته على الحق كما عضدته وحدة الهدف لدى جل القبائل التي التأمت حوله لاسيما في المنطقتين الغربية والوسطى للجزائر والتي استطاع بسط سيادته عليها التي اعترف بها الغزاة الفرنسيون ضمن معاهدة تافنة التي فرضت عليهم فرضا.

لم يكتب لدولة الأمير عبد القادر الاستمرار بعد نهاية المقاومة التي قادها لأنها ببساطة لم تنشأ إلا لها فلا هي انطلقت من فكر سياسي عقدي ولا من نموذج جاهز من نماذج الدولة الوطنية التي عرف الغرب بداية عهدها لاسيما بعد مؤتمر فيينا عام 1815 ولا كانت هدفا بذاتها فقد زالت بزوال مبررات وجودها.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك