إنزال دولي على الأراضي الليبية

مصالح

بقلم: صالح عوض

 

على أرض ليبيا تتداعى الأكلة جميعها.. والقصعة تفيض بالخيرات فيسيل لعاب الكبار والصغار كما لم يحصل من قبل، يكشرون عن أنيابهم ويتنابحون حول الغنيمة، ولكنهم محكومون بقانون البحر حيث سيبتلع كبيرهم صغيرهم، وقد يترك كبارهم لصغارهم قليلا من الفريسة يتلهون به ويتقوون لمهمة الخدمة المستمرة في حيز الكبار،أو لتوفير ساحة تنازع بينهم.

 

وعلى أرض ليبيا يفتح الشعب الذي تعرض لأبشع عملية إبعاد عن الإدارة والسياسة وأبشع عملية قمع للحريات والحقوق عينيه على واقع غاية في التعقيد.. فلا مؤسسات دولة ولا ثقافة دولة ولا إدارة.. صحيح ان الليبيين انصرفوا للرد على ما لحقهم من إقصاء إلى العلم والتخصص في الطب والعلوم بأنواعها إلا ان حسهم الصافي ورؤيتهم المختصرة يقودانهم إلى الوضوح في التعامل مع الأخر وترشدانهم إلى أقصر الطرق لاستعادة بلدهم وتحريره من الأجندات وأصحابها.. فإلى متى سيصمد الليبيون في المواجهة المفتوحة على جبهات عالمية مدججة بالسلاح والمؤامرة؟ ما نحن متأكدون منه أن الليبيين رجال صناديد لن يقبلوا بالدنية وإنهم يقاومون التدخل الأجنبي بكل طاقتهم، ولكن ما نحن غير متأكدين منه أن الإقليم يدرك خطورة الأوضاع في ليبيا وعلاقتها بالاختراق الصهيوني للمنطقة وانتشار القواعد العسكرية الغربية والأخطار المحتملة على دول الإقليم سواء التي تورطت في حرب ليبيا أو التي تقف مراقبة.. فالى متى تظل ليبيا تتمزع بين الأكلة، وجراح بنيها تترع في صفحات التاريخ تشكو إلى الله ظلم حكام العرب والمسلمين قبل طغيان الفرنجة؟ ما نحن متأكدون منه ان لا احد سيسلم إن سقطت ليبيا في عملية تقسيم النفوذ وتفريخ الإرهاب في المنطقة.

 

الإنزال الدولي:

يتجه كل صاحب مصلحة من الدول الكبرى إلى بناء واقع على الأرض ويؤسس قواعد أمنية وعسكرية.. فعلى ضفة المتوسط الشمالية اهتمام بالغ ففرنسا تقدم قرضا بمئات ملايين الدولارات لتونس لكي تفك ارتباطها مع حكومة الوفاق الليبية او على الأقل لكيلا تشارك في تقويتها وتنأى عن أي اتفاق مع تركيا في مساعيها لتقوية حكومة الوفاق ولا يتوقف المسعى الفرنسي هنا، فهي تبعث بالسلاح عن طريق ثالث لقوات حفتر وتصطف مع محور  إقليمي وتدفعه الى الضغط الكبير على حكومة الوفاق وذلك لان فرنسا تخشى ان “تخرج من المولد بلا حمص” بعد ان أصبحت في حالة الارتباك بين الموقف التركي والموقف الروسي المتقابلين في جبهتين متضادتين وهي في حقيقة الأمر تنافس الوجود الأمريكي على مواقع إستراتيجية في الساحل وجوار ليبيا.. وفي روما يلتقي السراج برئيس وزراء ايطاليا ليطمئنه على مشاريع ايطاليا في ليبيا وان استثمارات ايطاليا ومجموع مصالحها مكفولة.. فيما تواصل ألمانيا جس النبض بالرسل والمبعوثين وان كانت قد تورطت أيضا بإرسال شاحنات استخدمت في هجوم حفتر على طرابلس.. أما روسيا فرغم كل ما بذلته تركيا لإقناعها بضمان مصالحها في ليبيا  فهي لم تتوقف عند تسهيل حركة المرتزقة الروس الذين تقوم دول الخليج العربي بدفع رواتبهم إنما هي تتحرك لجلب المقاتلين من سورية إلى الانخراط في الحرب مع حفتر ضد حكومة الوفاق ولم يتردد وزير خارجية سورية عن إعلان الموقف السوري الرسمي بمساندة حفتر في حربه ضد طرابلس.. وفي مقابل هذا تحرك الأمريكان بسرعة عبر  قوات الأفريكوم بالجلوس مع السراج ووزرائه لمناقشة الموقف في ظل دخول روسيا على الخط و تعالت التصريحات الأمريكية مؤخرا تكشف حجم القوات والأسلحة الروسية المتورطة في الحرب الليبية ويعلو الحديث عن احتمال قيام قواعد عسكرية أمريكية في تونس وليبيا..

المبعوثون الدوليون الى المنطقة يجوبون المغرب العربي يتحاورون ويستمزجون الموقف ويوجهون الى صيغ معينة، والأمم المتحدة والاتحاد الأوربي لا يتوقفان عن الإدلاء بتصريحاتهما في محاولة للتأكيد على المسار السياسي لحل الأزمة الليبية.. وذلك في تغطية على ما يجري على الأرض من تحريك للوقائع بحجة فرض صيغة معينة من التسوية.. فيما لا يمكن تخيل ان هناك صيغة للحل في جعبة أي وزير خارجية غربي.

من الواضح ان الدول الغربية المعنية بالشأن الليبي لم تتوقف عند حدود المواقف والعلاقات والتحريض انما هي منهمكة بإرسال السلاح والرجال لفرض أمر واقع في ليبيا هو اقرب للفوضى والتوزع الجغرافي على القبائل والمدن.

الموقف العربي: 

يتسم الموقف العربي بالغرابة والإمعان في تعميق الأزمة.. ظل الدعم المادي والسياسي من قبل محور الإمارات السعودية مصر لحفتر بعيدا عن الإفصاح العلني في محاولة للإيهام بان هناك موقفا عربيا يقف من الأزمة الليبية على مسافة واحدة حتى قامت قوات حفتر بالهجوم على الغرب الليبي ويقال أن الجنرال المتقاعد حفتر تلقى إشارات واضحة من المحور بأن يتهرب من الالتزام بأي اتفاق وان لا يوقع على أي اتفاق لوقف إطلاق النار لذلك وجدناه ينسحب من حفلات التوقيع في أكثر من مكان.. هنا كان الموقف التونسي المنقسم على قوى إسلامية وأخرى علمانية إشارة واضحة عن مآلات الأوضاع في حال نجاح حفتر او هزيمته.. ويمكن القول ان تونس وقفت في قطاع كبير من مؤسساتها مع حكومة الوفاق وإصرارها على حماية العاصمة.. وفي الجزائر أعلنت الدولة الجزائرية ان طرابلس خط احمر وانه من غير المسموح العدوان عليها وأكدت الجزائر على ضرورة تفاهم كل الأطراف الليبية ورفضت إقصاء أي طرف.. ويمكن القول ان الرسميين في المشرق العربي” سورية ومصر والأردن والسودان الى حد ما والسعودية والإمارات والبحرين”  وقفوا مع حفتر فيما وقف الرسميون في المغرب العربي” الجزائر والمغرب وتونس” مع حكومة الوفاق..

ومن الواضح ان محور الإسناد العربي لحفتر متورط في علاقات متينة مع الكيان الصهيوني وهو قد تجاوز معه حدود العلاقات الظرفية وهذا ما جعل حفتر يتلقى مساعدات مباشرة من أجهزة الأمن الصهيونية حسب العديد من الصحف الصهيونية.

وبعد حصار حفتر لطرابلس أصبح المحور العربي المساند له يتحدث عن أيام معدودة و تحقيق هزيمة الأصوليين في طرابلس.. وفجأة انقلبت موازين القوى بعد تنفيذ الاتفاقية الليبية التركية للدفاع المشترك ودخول الاتراك على الخط العسكري مباشرة وهربت قوات  حفتر من مواقع حيوية وأساسية وأصبح الغرب الليبي وبما يشمل من ثلثي سكان ليبيا وما فيه من حقول نفط تحت سلطة حكومة الوفاق..  

ولتدارك الخلل الميداني اتجه محور الإسناد لحفتر الى الإعلان عن مبادرة مصرية اتضح فيها الأحادية وعدم المشاورة مع بعض الفرقاء الليبيين الأساسيين، ومحاولة تقديم شخصية مدنية صالح عقيلة بدلا من حفتر الا ان هذه المبادرة لم تلق قبولا دوليا وانتهى الموقف المصري باعتبار سيرت والجفرة خطا احمر.. كما وسبق الإشارة إليه فان الموقف السوري أعلن بكل قوة انه مع حفتر وانه يؤيده ومن هنا كانت الإشارة إلى نقل عسكريين سوريين عن طريق طائرات روسية إلى ليبيا..

وواصل محور الإسناد لحفتر نشاطه الدبلوماسي لفرض صيغة تفقد حكومة الوفاق بريق انتصارها فتم عقد مؤتمر لجامعة الدول العربية اصدر قرارات تحفظ عليها مندوب ليبيا.. وتقدم المحور بطلب من مجلس الأمن الدولي بصيغة حل أيضا.. الا انه ظل في كل الحالات منحازا الى طرف دون الآخر..

تكون قوة ضغط محور الإسناد تركزت في الأيام الأخيرة على وقف إطلاق النار بشكل دائم لكي يتم توقيف جيش حكومة الوفاق الوطني عن مواصلة تحركها نحو بقية التراب الوطني المسيطر عليه من مليشيات مسلحة وقبائل وقوى أجنبية وجيش حفتر.. وفي هذا تتمثل خطورة التقسيم للتراب الليبي في ظل توازن الضعف بين الطرفين.

وفي المقابل ظل موقف الجزائر أساسيا في موقف المغرب العربي فتونس تحاول دوما الاستئناس بموقف الجزائر وهي بحكم تكويناتها السياسية وعلاقتها العضوية مع ليبيا ظل موقفها محسوبا لصالح الدولة الليبية إلا أن زيارة الرئيس قيس سعيد لباريس وما تخللها من تصريحات صحفية له أحدث ارتباكا حول الموقف التونسي من الأزمة ومن علاقة تونس بفرنسا وأجندتها في المنطقة وذلك طمعا كما يبدو في قروض مالية الأمر الذي يلقي بعلامات استفهام على مستقبل دور تونس.. وكذلك كان موقف المغرب الذي لم يرحب بهجوم حفتر على الغرب الليبي وعلى مدينة طرابلس ويبدو ان صياغة موقفه تأتي نتيجة خلافاته مع دول الخليج التي طفت على السطح وبعد ان قام حفتر بتجاوز اتفاقية صخيرات.. 

الجوار الإفريقي:

بجوار ليبيا تكمن مخاطر حقيقية حيث تتواجد القواعد العسكرية الأمريكية والفرنسية والأجهزة الأمنية الصهيونية التي تقوم بتدريب جيش تشاد وتخترق المؤسسة الأمنية النيجرية بشكل سافر.. هنا تصبح جبهة تشاد والنيجر خطرا حقيقيا على امن الإقليم برمته وفي البداية ليبيا لخصوصية العلاقة بينها ودول الجوار الإفريقي.. فهناك عدة أبعاد تصنع  العلاقة بين ليبيا ودول جوارها الإفريقي تشاد والنيجر، أبعاد تاريخية وجغرافية واقتصادية وديموغرافية.. والمهم هنا النظر الى موقع هذين الجارين في معركة الصراع على المكاسب الاستعمارية في ليبيا.

لا شك بان تشاد والنيجر تقعان في منطقة إستراتيجية مهمة بالنسبة لمصالح الدول الكبرى المتصارعة على النفوذ في العالم  لاسيما فيما يتعلق بكونهما جاري ليبيا الجنوبيين ، وفي ظل الصراع الدولي على النفوذ في ليبيا يصبح لهما أهمية قصوى ، خاصة في ظل التحديات التي تفرضها  ظاهرة الهجرة غير الشرعية ، والجريمة المنظمة ، والإرهاب العابر للحدود ، فكل دولة من الدول الكبرى تحاول أن تستغل ظاهرة الهجرة غير الشرعية ، والإرهاب العابر للحدود ، لتحقيق مكاسب سياسية ، واستغلال ذلك في الصراع الدائر على ارض ليبيا .

 في عام 2018م بدأت الولايات المتحدة الأمريكية في بناء قاعدة ضخمة في “أغاديس” شمال النيجر وعلى مقربة من الحدود الليبية الجنوبية ، كما أن الصين بدأت تمد نفوذها الى المنطقة ، مرسخة أقدامها في شرق إفريقيا جيبوتي وأثيوبيا والسودان بوابة منطقة الساحل الإفريقي الشرقية. وهناك صراع قوي اليوم بين فرنسا وايطاليا، صراع على النفوذ والمصالح في ليبيا ،   وحيث طرق الهجرة غير الشرعية ، والجريمة المنظمة العابرة للحدود ، وتجارة السلاح ، وتجارة المخدرات .كما أن منطقة الساحل الأفريقي  تشهد صراع نفوذ محموما بين الولايات المتحدة كقوة عالمية وفرنسا كقوة استعمارية سابقة في المنطقة، إذ تتسابق القوتان إلى توسيع تواجدهما في المنطقة الإستراتيجية الغنية بالثروات الطبيعية ” .

 إن الاندفاع العسكري الأميركي نحو النيجر يخفي صراعا حول النفوذ في المنطقة، فلقد أعلنت فرنسا عن إطلاقها عملية “برخان” فاتح أغسطس عام  2014م ،  المشكلة من خمسة آلاف جندي حيث تغطي القوة خمس دول بمنطقة الساحل، وهي مالي وموريتانيا والنيجر وبوركينافاسو وتشاد ” .

 صراع النفوذ خلف الحدود الليبية يمتد الى داخلها وهو يهدد امن دول شمال إفريقيا والمغرب العربي ، وان كل الدول الكبرى المتصارعة على ليبيا تسعى لتعزيز مواقعها العسكرية، وترسيخ أقدامها عند حدودها الجنوبية في تشاد والنيجر..  

وها هي قوى دولية كبرى رسخت وجودها في المنطقة، تتحرك بحرية وبدون وجود قوة محلية تقاوم سطوتهم ، وتحالفاتهم ، وقواعدهم العسكرية المنتشرة في تشاد والنيجر، والقواعد الجديدة التي يتم بناؤها.

إن الخشية ان تكون كل من تشاد والنيجر طرفا في أي عمل عسكري تقوم به فرنسا في المستقبل في جنوب ليبيا، “فزان” الغنية بالنفط والغاز لا يمكن إن تسمح فرنسا لقوة أخرى أن تهيمن عليها ، وقد يتطلب الأمر لحماية مصالحها وضمان نفوذها في مستعمرتها التاريخية أن تقوم بعمل عسكري ، والحجة جاهزة وهي مكافحة الإرهاب للسيطرة على حقول النفط.

انتباه:

في حين يعمق بعض النظام العربي المأزق الليبي ويقف البعض الآخر متحسبا لمخاطر مغامرة التدخل تتكشف الخطورة التي تهدد المغرب العربي كله بل وشمال إفريقيا بعد ان أصبحت القواعد والجنود والخطط والرغبة جاهزة لحروب النفوذ والمصالح..

على أرض ليبيا  فيما الكل يقف منتظرا الطلقة الأولى حول مدينتي سرت والجفرة الليبيتين ترى حكومة الوفاق إنها ضرورة لاستكمال توحيد البلاد وترى بعض القوى الإقليمية إنها تجاوز للخط الأحمر.. 

 و لكن ليبيا التي قاتلت إمبراطوريات وهزمتها تعيش الآن صحوة أبنائها لترسم معالم طريق الخروج من التشتت والنهب والضياع.. وكما نؤكد دوما ان نتائج الصراع على ارض ليبيا سيحدد مستقبل المنطقة كلها.. والله غالب على أمره.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك