إرتباط فلسطين بنهضة بلداننا ومستقبلنا

يقظة

بقلم: صالح عوض

 

   أي علاقة لوجود لكيان الصهيوني ودوره بقضايا تخلف بلداننا وتشتتها وتبعيتها؟ وبسؤال آخر ما هي علاقة فلسطين بعناصر نهضة بلداننا ووحدتها وسيادتها؟.. هذا السؤال المزدوج ينقلنا من دائرة الحديث عن  المشاعر والوجدان، الى دائرة الحديث عن الوجود،  ومن دوافع النخوة والغيرة على فلسطين الى دوافع الثوة والمنعة والاستقلال، ومن حيز الحديث عن المقدس والمبارك مع كل أهميته ودوره إلى دائرة الحديث عن المصلحة العليا لكل بلد من بلداننا العربية بل والوجود العربي والمستقبل العربي.. وهنا نقف أمام أخطر حلقات حقيقة الصراع الدائر في كل قطر من أقطارنا.. وهذا يستدعي سؤالا آخر: ما هو أثر التطبيع مع الكيان الصهيوني على نهضتنا ووحدتنا وسيادتنا؟ تحتشد الأسئلة في بؤرة التفكير، لنصل إلى سؤال: هل هناك رؤية مختلفة عن كل ما سبق طرحه في معالجة قضية فلسطين وقضايا بلداننا؟ هل هناك إمكانية للإمساك بمفتاح القضايا جميعا؟ هنا نحاول الاقتراب من قراءة لمعادلة الصراع وأطرافها والعلاقة فيما بينها كما هي والتي يحاول دهاقنة الغرب الإعلاميين والسياسيين إخفاءها.

جبهات متكاملة:

 في مقال سابق تم رصد حركة الصراع شمال-جنوب عبر ألف سنة وكيف أنها أخذت حديثا في التطور بمنهج جديد بعد أن كانت غوغائية عصبوية مختلطة الدوافع في قرون الصليبية الأولى.. لعلها وحدها أرض العرب شرقا وغربا التي تشهد حربا ضروسا منذ أكثر من قرنين بدون توقف على أكثر من صعيد.. والحرب متكاملة الأهداف لإنجاز إستراتيجية واحدة.

من الهجوم على الجزائر والمغرب العربي إلى احتلال فلسطين وإقامة الكيان الصهيوني على أرضها كان واضحا أن الهجوم والاحتلال إنما يعبران عن موقف متفق عليه في سياسة الغرب نحو العرب.. فلقد جاء الغزو الفرنسي للجزائر بناء على قرارات أوربية انبثقت عن لقاء لثمان دول أوربية في فينا اتخذت قرارا ب”تأديب الجزائر”.. فكانت الحملة الفرنسية غربية في رسالتها ومهمتها وهكذا فلقد أمدتها الدول الأوربية بمئات آلاف المهاجرين الأوربيين من ألمانيا واسبانيا والبرتغال وسواهم فضلا عن الفرنسيين في محاولة إحداث التغيير الديمغرافي والقيام بمهمة استعمارية كبرى في الإقليم بل في كل إفريقيا.. 

وكذلك كان القرار بتحطيم الخلافة العثمانية وتقسيم مملكاتها على القوى الاستعمارية قرارا دوليا اشتركت فيه القوى العسكرية لدول الشمال جميعا.. فأنفذ الاستعماريون قرارهم بتقسيم البلدان العربية وتكريس حدود بينية لا تخلو من تناوشات حسبما قرر سايكس وبيكو وزيرا خارجية بريطانيا وفرنسا.. وعلى أرضية ذلك كان وعد بلفور بإقامة الكيان الصهيوني وزير خارجية بريطانيا الذي لم يكن سوى ناطقا رسميا بما اتفق عليه الأمريكان والسوفيت والأوربيون.

وفي قضية فلسطين ظهرت عناصر العدوان على الأمة جميعا، فرنسا التي تحتل الجزائر والمغرب العربي، والاتحاد السوفيتي الذي اجتاح ست جمهوريات إسلامية عثمانية وألحقها بالحديد والنار، وبريطانيا التي تحتل مواقعا أسياسية في المشرق العربي وليبيا،..وأمريكا التي تمد ساقها للتدخل في ترتيبات المنطقة.

وكما أقام المهاجرون الألمان القادمون على عربات الاستعمار الفرنسي قواعدهم الاستيطانية في قبة الجزائر فلقد أقام الشيوعيون السوفييت أول مستوطنات الكيان الصهيوني في بيت حتيكفا أي الخالصة الفلسطينية.. ثم اندفعت المساعدات من شتى الدول الاستعمارية بالرجال كما فعل الاتحاد السوفيتي الذي زود من خلال ضباط عسكريين مهرة المؤسسة العسكرية الصهيونية وكما قامت فرنسا بشن الحرب على مصر، وبتزويد إسرائيل بمفاعل نووي.. وبطائرات الميراج التي ألحقت الهزيمة  بالطائرات المصرية والسورية في حرب 1967.. وانهمر الدعم من دول الشمال على الكيان الصهيوني وأصبح وجوده حجر ارتكاز للمشروع الاستعماري في المنطقة العربية كلها..

لقد عمل الاستعماريون في كل الجبهات لانجاز هدفهم الاستراتيجي الواحد وهو إنهاء حضور الأمة ومنعها من النهوض أبدا وكان واضحا لديهم أنهم لابد ان يزرعوا قاعدة مركزية، وأن يوزعوا أدوارهم في المنطقة، وان يصنعوا أجيالا من بني هذه الأمة مستلبة فاقدة الوعي مضللة مغرمة بالتبعية لهم، تقودهم إلى مواقع القيادة والسيطرة على مقاليد الأمور في كل بلد من بلداننا..

ثم انسحبت عساكر الغربيين من معظم ديار العرب تاركة المخلفات الثقافية والسياسية وابقوا على القاعدة المركزية في فلسطين لتقوم بمهماتها في دعم الانفصاليين في الدول العربية  من جنوب السودان الى شمال العراق الى سواه من الدول العربية واختراق الامن العربي وإثارة الفتن.. وكذلك ضرب وتخريب أي محاولة عربية علمية، فيما تقوم الإدارات الأمريكية متواصلة لإدخال النظام العربي الى متاهة التسلح والإنفاق الذي يبدد الثروة في ظل تفجير بؤر التوترات البينية والداخلية.

معركة مصيرية:

المعركة مصيرية بالنسبة لنا وبالنسبة للطغمة الاستعمارية الغربية سواء.. والانتصار فيها لن يتوقف على إحدى الساحات فهو إما انتصار شامل أولا.. ولعلنا بنظرة سريعة نكتشف ان كل عدو لنا في قضية أي قطر من أقطارنا العربية إنما هو بالضرورة موجود كعدو في الموضوع الفلسطيني فالانفصاليون في أي بلد عربي لهم علاقة وثيقة بالكيان الصهيوني كما ان أي أزمة لنا في أي بلد من بلداننا كحرماننا من التكنلوجيا والعلوم  إنما هي مرتبطة بتفوق الكيان الصهيوني أي في القضية الفلسطينية مؤثرة فيها بعمق ومتأثرة بها بعمق.. فبعثرة سورية الهدف منها تأمين إسرائيل، وتقسيم السودان وتدمير جيش العراق وتدمير الدولة وتشجيع الانفصاليين الأكراد  لكي يبقى جيش إسرائيل يؤدي وظائفه التخريبية الأخرى وهو في مأمن، وتشتيت ليبيا الغرض منه تبديد ثروات العرب، واختراق ساحتها أمنيا وإقامة بؤر استخباراتية لإثارة الفتن في المنطقة وإفشال الدولة، وفي كل بلد لا يمكن تفسير التخلف او الاضطرابات او تبديد الثروات او كبت الحريات الا مكمل أساسي لمهمات الكيان الصهيوني في إنجاح المشروع الاستعماري.

من هنا أصبح موضوع فلسطين ليس فقط موضوعا مقتصرا على بعده الوطني يهم الشعب الفلسطيني فقط، وهو أيضا ليس مسألة قداسة تهم المؤمنين المتعبدين فقط، إنه ليس فقط موضوع وجدان عربي انه موضوع الوجود العربي، والمستقبل العربي.. وعندما نقول العربي إنما نقصد المباشر من الأمة الإسلامية التي تقف جميعها في خندق واحد بكل شعوبها أمام مصيرها المرتبط بنتيجة الصراع  والتي ستتجلى على أرض فلسطين. 

  فلسطين عنوان لمشروع نهضة الأمة، والكيان الصهيوني رمز للعدوان الاستعماري علينا في كل مكان.. خارج هذين المحورين لا خيار فإما ان تكون مع محور فلسطين او انك حتما تخدم بوعي او بلا وعي محور إسرائيل.. محور فلسطين هو الكفاح من اجل تحرير فلسطين وتقوية المجتمعات العربية بالتعليم  والاقتصاد والمؤسسات التي تعزز السيادة والكرامة وإحداث آليات التكامل العربي الاقتصادي والأمني والعلمي الذي هو ضمانة استقلال بلداننا وتوفير الحياة الكريمة لمواطننا وتحرير أرضنا.. ومحور اسرائيل هو العكس تماما.

فلسطين او الموت:

رحم الله ابن باديس عندما انتبه لهذه الفكرة قبل قرن من الزمان .. وهاهي الفكرة تتجلى واقعا للعيان ملء السمع والبصر إما فلسطين أو الموت ولن تكون فلسطين إلا بعرب ناهضين متكاملين ومتعاونين مستقلين أسياد.. أما إدارة الظهر لفلسطين فهو يعني فتح المجال للكيان الصهيوني وأسياده في الاستمرار في عملية خلق التفسخ والتناحر والتبعثر وإهدار الطاقات والإمكانات في بلاد العرب.

 إنها جدلية الحياة وجدية مسيرتها في القرن الأخير ولعقود قادمة.. فكما ان سقوط فلسطين لم يتم إلا بسقوط الأمة وانهيارها وقهرها وتخلفها وتجزئتها وتبعيتها فان ظهور إسرائيل أيضا لم يتم الا بالشرط نفسه.. وهكذا نصبح أمام المعادلة الصفرية إما فلسطين أو إسرائيل؟ ففلسطين تمام الحق العربي بحياة إنسانية كريمة وإسرائيل تمام الباطل والعدوان لدحر العرب عن مسرح الحياة.. فلسطين مجال الإنسانية الرحب بتسامحها وتنوعها الإنساني وإسرائيل قيتو العنصرية البغيض بدعواها العنصرية وبمهماتها التخريبية في المنطقة.. فلسطين عنوان مشروع  بعث امة حضارية متجانسة متصالحة ناهضة.. إسرائيل عنوان هجمة استعمارية استحواذية قاتلة مدمرة تجسد الرذيلة والزيف والتناحر ورفض الآخر.. فلسطين تكريس مبادئ التكامل الإنساني والتعايش الكريم واحترام الأخر.. من هنا تكتسي معركة العرب في كل مجالاتهم بعدها الإنساني لتوفير شروط السلم والاستقرار الدوليين بالقضاء على الغدة السرطانية المثيرة للقلاقل والفتن والأزمات والمهددة للسلم الدولي.   

 وكما أن أعداء امتنا في كل قطر من أقطارنا يجتمعون في العدوان على فلسطين، الأمر الذي جعل الكفاح تجاه فلسطين إنما هو كفاح أيضا ضد أعداء أوطاننا جميعا.. فإنه لحكمة أرادها الله كانت فلسطين وحدها لا سواها محل محبة وعشق كل المسلمين وان لها مكانة لا ينافسها عليها أحد.. ولهذا فهي محل إجماع المختلفين والمتنازعين ولها في قلوبهم ووجدانهم وأرواحهم قوة عجيبة تدفعهم بلا تردد نحو مكامن العزة والكرامة والشعور بالفخر والسمو وهذا الدور الذي تتمتع به فلسطين يعتبر احد أهم الأسباب لبقاء كفاح الأمة والأمل في عودة حضورها ان استحداث محاور غير فلسطين ليس فقط تخريبي لوحدة صف الأمة إنما هو أيضا فاشل لن يحقق أي تقدم فلعلنا نتذكر التصنيفات والمحاور التقدمي ضد الرجعي واليميني ضد اليساري و القومي ضد الإقليمي وهكذا.. فمن الواضح أن كل التصنيفات والتمحور حولها إنما هو وصفة شيطانية لتفريق الأمة…. والله غالب على أمره.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك