أي نظرة للعالم في الدستور؟

السياسة الخارجية بعيدة عن النقاش

بقلم: احسن خلاص 

 

جرت العادة عند طرح الدستور للنقاش أن تنفرد قضايا دون أخرى بالهيمنة والاستقطاب وتختفي مسائل من التداول العام بالرغم من أهميتها وقد تدرج في سلة البديهيات والتقاليد التي قد لا ينتبه لمناقشتها أحد انطلاقا من كونها لا تشكل رهانات ذات أهمية قصوى بالنسبة لعامة الناس. ولعل من هذه الموضوعات تصور الدستور لعلاقة الجزائر بمحيطها الخارجي وكيف تبنى السياسات الخارجية للجزائر وتصنع وماهي ضوابطها وما هو مجال مناورتها. مسائل غير متاحة عادة لمناقشة المجتمع ولا مجال للبرلمان للخوض فيها إلا بصورة محتشمة فهي لا تندرج ضمن مجالات التشريع المنوطة به.

 

سنحاول في هذا المقام فهم رؤية الدستور لاشكالية العلاقة بين الجزائر والمحيط الدولي بالرغم من أن المسكوت عنه في هذا الدستور أكثر بكثير مما أدلي بشأنه. فقد حاولت الديباجة أن تقدم الأرضية التي تقوم عليها فلسفة التعامل مع المحيط الخارجي قبل تضع أحكام الدستور هذا التعامل كلية وحصريا بين يدي رئيس الجمهورية، وتعد الجزائر من الدول التي لا تعتبر السياسة الخارجية شأنا قابلا للنقاش العام داخليا مثل جميع القضايا الوطنية بالرغم من تسارع المعطيات والمتغيرات الدولية وتحول موازين القوة والاجندات الإقليمية والدولية والمصالح الجيوسياسية بشكل مذهل.

 

ينطلق الدستور الجزائري بما يتضمنه من تعديلات جديدة من تحديد الهوية التاريخية والحضارية والجغرافية للجزائر لتتشكل انطلاقا منها مبادئ السياسة الخارجية، فالجزائر “أرض الإسلام وجزء لا يتجزأ من المغرب العربي الكبير وأرض عربية وأمازيغية، بلاد متوسطية وافريقية تعتز باشعاع ثورتها، ثورة أول نوفمبر ويشرفها الاحترام الذي أحرزته وعرفت كيف تحافظ عليه بالتزامها إزاء كل القضايا العادلة في العالم”. وينطلق تحديد المجال الطبيعي والحيوي للجزائر من منظور يعود إلى النصف الثاني من القرن الماضي حيث انطلقت رؤية الجزائر للعلاقة مع محيطها من منطلق أن الأقربين جغرافيا وحضاريا والمتقاسمين مع الجزائر هموم التحرر والسلم أولى بالمعروف وبأن تقيم معهم الجزائر مصالح مشتركة وهي طبيعية وموضوعية في أغلبها اعتبارا للبعد الجغرافي. لقد كان مبدأ أرض الإسلام يبرر انضمام الجزائر إلى منظمة التعاون الإسلامي كما كان يبرر كونها جزء من المغرب العربي انتماءها إلى الاتحاد المغاربي في حين يبرر انتماءها إلى الجامعة العربية كونها أرضا عربية. 

 

إلا أن إضافة الانتماء الأمازيغي للأرض الجزائرية في الدستور قد يدفع الجزائر إلى إقامة روابط خارجية مبنية على البعد الأمازيغي انطلاقا من أن الأمازيغية يمتد انتشارها من مصر والسودان شرقا إلى جزر الكناري غربا وإلى جنوب الصحراء والساحل جنوبا. ومن هنا يمكن أن تصبح الأمازيغية أداة لتمتين الروابط مع هذه الشعوب في خدمة السلام والتعاون تماما كما يلعب التقارب المذهبي مع دول الساحل الدور ذاته. وتشكل ثورة نوفمبر 1954 من جانب آخر ميراثا رمزيا ساهم في الرقي بمكانة الجزائر إقليميا ودوليا لاسيما وأن بناء السياسة الخارجية للجزائر تزامن مع الانتصار الذي حققه الشعب الجزائري  بثورته التحريرية التي أبهرت العالم وجلبت احترام الدول بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاء فرنسا الاستعمارية، فبات من الطبيعي أن تنصرف السياسة الخارجية للجزائر نحو دعم ومساندة القضايا العادلة في العالم وترافق حركات التحرر في العالم الثالث وهو المبدأ الذي لا يزال الدستور يكرسه إلى اليوم للتمكين لما بقي من الأراضي المحتلة من التحرر. 

 

ومع التعديلات المقترحة حاول الدستور تطوير تصورات جديدة تتكيف مع تطور مفهوم ومجال العمل الديبلوماسي فبالإضافة إلى قضايا السلم والتحرر صارت تطرح قضايا أخرى متعلقة بحقوق الإنسان والتنمية الاقتصادية، فلا جدوى من تسخير الجهود الديبلوماسية دون أن تعود بالفائدة على الاقتصاد الوطني ودون أن تحفظ مصالح الجزائر وأمنها وسيادتها على ثرواتها في خدمة رفاهية شعبها. لذا وردت في ديباجة التعديلات الدستورية الجديدة فقرة ملفتة للانتباه نصها: “إن الجزائر المتمسكة بالسلم وحقوق الانسان والتنمية توجه سياستها الخارجية نحو تعزيز حضورها ونفوذها في محافل الأمم عبر عمليات الشراكة القائمة على المصالح المتبادلة التي تكون منسجمة كل الانسجام مع خياراتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الوطنية وفي ظل احترام أهداف ومبادئ منظمة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية”. 

 

لقد نقلت هذه الفقرة وظيفة السياسة الخارجية من حصرية الدفاع عن القضايا العادلة في العالم إلى تعزيز الحضور والنفوذ في محافل الأمم فلم تعد دفاعية فقط كما كانت بل انتقلت إلى الخروج للبحث عن حصتها في السوق الدولية في مجال حفظ الأمن والسلم ومجال التعاون الاقتصادي دون أن تفرط في خياراتها الداخلية من نظام سياسي أو توجه اجتماعي للدولة وتصورها للهوية الثقافية والحضارية كما حددتها الفقرة التي أشرنا إليها من قبل. وفي هذا الصدد، ولأن لكل قاعدة استثناء يؤكدها فقد أشركت التعديلات الدستورية البرلمان الجزائري في قرار يتعلق بالسياسة الخارجية يتعلق بإرسال الجزائر لوحدات الجيش الجزائري للمشاركة في عمليات خارج الوطن ضمن خيارات الجزائر التي ترمي إلى تعزيز حضورها ونفوذه الدولي. لقد أخرج المؤسس الدستوري قرار مشاركة الجيش في عمليات حفظ الأمن خارج الوطن من دائرة السلطة التنفيذية ليصبح قرارا يهم الأمة بأكملها. 

 

كان من الطبيعي أن ينسجم الدستور مع المقاربات الجيوسياسية الجديدة السائدة في العالم بأن توظف الجزائر رأسمالها الرمزي وطاقاتها المادية والبشرية وقدراتها الدفاعية في خدمة سياسة خارجية تمنح الأولوية للمصالح الحيوية والاستراتيجية للبلد. وبالرغم من أن مجال السياسة الخارجية أوصدت أبوابه أمام النقاش العام بما فيه المؤسسة التشريعية وبقي حصريا بيد السلطة المركزية إلا أن هناك من يدعو إلى مناقشة عضوية الجزائر في جامعة الدول العربية التي فقدت مبرر وجودها بعد تنامي التوجه إلى التطبيع مع إسرائيل وعدم قدرة الجامعة على حل المشكلات والأزمات الداخلية في سوريا وليبيا واليمن ولبنان الذي صار حقلا فرنسيا محروسا. وفي رأي الكثير من المراقبين فإنه لم يعد هناك مجال للعمل العربي المشترك إلا على المستوى الثنائي وفق مبدأ المصالح المتبادلة دون القدرة على بلورة مواقف عربية في ظل الجامعة العربية التي أسقط مجلسها الوزاري مشروع قرار تقدمت به السلطة الفلسطينية يدين التطبيع. 

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك