أيها الناشرون اتحدوا!

لتنظيم وتطهير قطاع الإعلام

بقلم احسن خلاص

أظهرت السلطة منذ بداية السنة حرصا كبيرا على إعادة ترتيب بيت الصحافة الوطنية وهي تنطلق، كما يبدو من خطاب وزير الاتصال عن تطهير القطاع، من أن أكبر عائق أمام الإعلام في تأدية دوره هو الفساد المستشري في ضلوعه منذ سنوات، فلا يمكن أن نطلب من فاسد أن يؤدي دورا نبيلا وخطيرا مثل الدور المنوط بالإعلام وهو دور المرآة العاكسة أمام السلطة والمجتمع لكشف الوضع على حقيقته وتقديم التحاليل والنقاشات حوله وفتح الأبواب أمام التنوع الفكري والسياسي والاجتماعي لترقية المشاركة الديمقراطية والمواطنية في الشأن العام.

وثمة جدل قديم مرتبط بعلاقة الصحافة بالسلطة، فلا توجد سلطة في هذا العالم دون أدوات للإعلام وأجهزة للدعاية والترويج لسياساتها والدعاية المضادة للقوى المناوئة والمنافسة كما أن الحديث عن صحافة مستقلة تمام الاستقلال لا يعدو أن يكون ترفا فكريا وطموحا يتجدد دائما دون أن يتحقق على أرض الواقع. ومن هنا، ولربح الوقت واختصار الزمن لا يرتكز الحديث اليوم عن فصل الصحافة عن محيطها المجتمعي والسلطوي بل عن كيفية الاستثمار في هذه العلاقة البديهية والطبيعية لكي تكون منتجة وخلاقة في سبيل تحقيق الرقي لجميع الأطراف وفي جميع المجالات.

لكن كيف السبيل إلى ذلك؟ كيف نجعل الصحافة تؤدي الدور الذي تنتظره منها السلطة دون أن يكون هذا الدور على حساب المجتمع؟ وكيف تخدم الصحافة المجتمع وترعى مصالحه أمام أي تعسف من أي جهة كانت دون أن تمس بالمصالح العليا للدولة؟ وكيف توفق بين ضرورة أن تجد الدعامات السياسية والمالية لاستمرارها دون أن تخل برسالتها النبيلة؟ وبعبارة أكثر وضوحا: كيف ننظم العلاقة بين الأطراف الفاعلة المرتبطة بمعادلة الصحافة؟ وقبل ذلك، من هي هذه الأطراف؟ وما هو الوضع الذي توجد عليه هذه الأطراف في اللحظة التي نتحدث فيها عن ترتيب بيت الصحافة الوطنية؟

لنتفق على أن الأطراف المدعوة للعب أدوار في المعادلة الإعلامية هي السلطة والأسرة الإعلامية المكونة من ناشرين وصحافيين والمواطن صاحب الحق في الإعلام كما تنص عليه الدساتير والقوانين. ولا يمكن أن تقوم الصحافة بأداء دور قوي دون أن تقوم هذه الأطراف بدورها كل في المجال المخصص له.

كانت السلطة حريصة منذ صدور أول قانون للإعلام في بداية الثمانينات على تنظيم صحافة كانت منضبطة أصلا على إيقاع ملكية الدولة لجميع وسائل الإعلام الموزعة بين الحزب ومنظماته والحكومة وهيئاتها قبل أن تضطر لإصدار قانون آخر عام 1990 ليواكب عهد التعددية وظهور الصحافة الخاصة “المستقلة”. غير أن مهمة تنظيم وضبط الصحافة كانت تتقاسمها مع وزارة الإعلام الأجهزة الأمنية والقضائية لاسيما وأن تطور الصحافة ضمن هذا القانون كان في سياق الأزمة الأمنية مما جعل من الصحافة أداة ملتزمة التزاما كاملا مع تصورات السلطة لحل هذه الأزمة. وبين 2012 و 2014 أضافت السلطة أدوات جديدة لضبط وتنظيم الصحافة من خلال التنصيص على إنشاء سلطات ضبط الصحافة المكتوبة والسمعية البصرية ومجلس أخلاقيات مهنة الصحافة كما أصدرت قانونا خاصا بالسمعي البصري دون أن ترى هيئات الضبط هذه طريقها إلى الوجود على أرض الواقع باستثناء سلطة ضبط مجال السمعي البصري التي تمارس سلطة شكلية على قنوات خاصة ناشطة في الجزائر دون أن تخضع للقانون الجزائري.

واليوم تدعو الوكالة الوطنية للنشر والإشهار التي تقع تحت وصاية وزارة الاتصال ممثلي المؤسسات الناشرة للصحف لتبلغها رسميا بالمقاييس الجديدة لمنح الإشهار العمومي الذي تشرف عليه حصريا، وقد منحتها مهلة بضعة أشهر لتكييف أوضاعها الداخلية وتحديد مواقعها قبل الشروع في بداية العام المقبل في تنفيذ هذه المقاييس. وتبرر الوكالة مساعيها بعزمها على أن لا تصرف أموال الإشهار وهي من المال العام فيما لا يفيد الإبقاء على صحافة متحررة من الدخلاء وأصحاب النفوذ والولاء ومن النواب والوزراء. غير أن هذه الخطوة على جودتها وجديتها تأتي في ظل فراغ رهيب في مجال تنظيم عالم الصحافة في الجزائر وهو ما جعل مهمة وزارة الاتصال في سبيل تنظيم القطاع غير يسيرة فأمام غياب تنظيم للمتعاملين من صحفيين وناشرين اصطدمت السلطة بعوائق موضوعية حالت دون إنشاء سلطات الضبط التي ذكرناها بالرغم من أن القانون ينص عليها منذ 2012، ومن هنا فإن وزارة الاتصال وهيئاتها مضطرة للتعامل مع القطاع كحالات فردية معزولة ولا يقابلها الشريك الاجتماعي والمهني كما هو قائم في جميع قطاعات النشاط. لقد بدى وكأن وزارة الاتصال تمارس سلطة أبوية على قطاع يتيم ومشرد ليس له أي تمثيل صريح ما عادا التمثيل المحتشم والضعيف الذي تمثله نقابات الصحفيين.

لم تجد السلطة إذن مع من تتحدث ضمن الفاعلين في الحقل الإعلامي فصارت تلعب دور الخصم والحكم وتنظم بنفسها ندوات الاستشارة بحيث تدعو وسائل الإعلام منفردة دون تمثيل لتسمع رأيها في طبيعة الإصلاحات التي تنوي إدراجها في القطاع. ولم تجد السلطة سبيلا للفرز بين الأصيل والدخيل أمام قطاع نخره الفساد في ظل سكوت أهل الحق عن الباطل الذي جعل أهل الباطل يظنون أنهم على حق.

مثل هذا الوضع لا يمكن إلا أن يستنهض أهل المهنة للدفاع عنها وصنع الأداة التنظيمية لإنجاح مهمة الدفاع هذه وقد آن للناشرين اليوم أن ينتظموا في جمعية وطنية للدفاع عن المهنة وحقوق المتعاملين فيها وواجباتهم مسؤولياتهم فإذا كان تطهير القطاع خطوة محمودة ومطلوبة فإن الحفاظ على قطاع نظيف وطاهر لا يتغير بتغير الرجال والحكومات بات ضرورة حيوية للناشرين وكافة العاملين في قطاع الإعلام.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك