أوهام السلام تتبخر والقضية تعود إلى أصلها

فلسطين

بقلم: صالح عوض

مائة عام والشعب الفلسطيني في أتون المعركة، ظهره لغدر المتخاذلين وصدره لرصاص الأعداء وقد قرروا إبادته.. وفيما كان المشروع الاستعماري يصنع قاعدته المركزية في فلسطين كان ينشب أنيابه في جسد الأمة يمتص ثرواتها ويكسر كيانها.. رحلة طويلة انطلقت بالثورة والجهاد المقدس، ثم بالفدائيين والكفاح المسلح ومنظمة التحرير، وخاض الشعب الفلسطيني الحروب ضد العدو بالأصالة والعدو بالوكالة، وكان في كل معاركه مسنودا بأمته بروحها وآمالها وبالشهداء منها رغم القيود التي تكبلها، وجاء المنعطف الخطير بإقحامه وفي أقسى الظروف وأصعبها في “أوسلو” على جسر السلطة.. حاول أن يتمرد على تداعياتها ليفرض تفسيره الفلسطيني إلا أن الأمر انتهى به إلى مفاوضات عبثية، ومقاومة سلمية واهنة، وهدنة مهينة، وحصار محكم، وتشتت وانقسام بغيض، فيما تكالبت المؤامرات على العرب لصرفهم نهائيا بل ولتحطيمهم كما هو حاصل الآن في أكثر من قطر.. بالتأكيد هذا ليس نهاية المطاف بالشعب الفلسطيني فالرباط ديدنه،وهو وفلسطين وجها الحقيقة الخالدة، وما الغزاة إلا مسوخ.. ولكن المهم هنا ماذا يمكن أن تمنحنا قضية فلسطين؟ وبمعنى آخر كيف يتحرر الفلسطينيون والعرب والمسلمون من فشلهم في حلها.

فلسطين والأمة:

قبل الإعلان عن قيام الكيان الصهيوني بعشر سنوات كتب الإمام ابن باديس مقالا بعنوان: “يا عرب إما فلسطين أو الموت”، حلق فيه مستشرفا مآل العرب إن هم تركوا فلسطين تواجه مصيرها وحدها،لأنه رأى بعين البصيرة ترابط المشروع الصهيوني بالمشروع الاستعماري وهكذا كان.. فلقد دخل قائد القوات البريطانية الجنرال أدموند أللنبي مدينة القدس في 9 ديسمبر 1917 بعد هزيمة الخلافة العثمانية، حيث فعل التحالف الأوربي مع ” الثورة العربية” فعله..وانطلقت الإدارات الغربية لتكريس مخططاتها:”سايكس-بيكو” في تجزئة المشرق العربي، وتنفيذ وعد “بلفور” وصناعة تيار التغريب فكان هذا الثلاثي ” الكيان الصهيوني والتجزئة والتغريب” هي الشروط الضرورية التي عملت الحملة الاستعمارية على توفيرها لتحقيق أهدافها.. وكانت الأهداف الاستعمارية واضحة: السيطرة على الممرات المائية والمواقع الإستراتيجية والثروات الباطنية -حيث تم اكتشاف النفط في المنطقة- والتأكد من عدم قيام نهضة عربية.. من هنا كانت إقامة الكيان الصهيوني على أرض فلسطين قاعدة استعمارية غربية تترابط مع جملة الأهداف الاستعمارية ختم بها الاستعماريون حربهم العالمية الثانية.

في السياق الاستعماري نفسه  وبعد أن تم ترسيم الحدود بين أقاليم المشرق العربي كان لابد من تكريس حالة التبعية في المستوى السياسي والثقافي والاقتصادي في رأس الهرم الاجتماعي السياسي العربي، لتضمن حالة التجزئة والتبعية والانخراط في حالات صراعية بين كل بلد وجواره وفي داخل كل بلد بين مكوناته الثقافية، وأوكل بالكيان الصهيوني الإشراف على عمليات الاختراق و التخريب في المنطقة كما فعل في العراق والسودان ولبنان وسورية ومصر وليبيا.. وهذا يكشف طبيعة المشروع الاستعماري في منطقتنا وأدواته.

إن ترابط وظيفة الكيان الصهيوني بالتجزئة والتبعية يفيد مباشرة بحتمية الترابط بين النضال الفلسطيني من أجل التحرير واستعادة فلسطين والنضال العربي من أجل النهضة والاستقلال والوحدة، ويكون من العبث النظر إلى أي منهما دون الربط مع الآخر، وهكذا يصبح من العبث التعامل مع أي منهما بانفراد فليست قضية فلسطين قضية الفلسطينيين وحدهم وليست قضية النهضة والسيادة قضية إقليم بذاته بل هي قضايا الجميع،فالكيان الصهيوني يستهدف الجميع كما أن تخلف العرب وتبعيتهم وتجزئتهم بمثابة الضمانة لاستمرار الوجود الصهيوني.. وكم أخطأ الحكام وهم يظنون أن الصلح والتطبيع وأنه بالتطبيع مع الكيان الصهيوني يحسنون شروط بقائهم في كراسيهم ويجنبهم المخاطر، فلننظر للمطبعين ووضعيتهم الاقتصادية والأمنية في الخليج ومصر،إنها مزيد من المديونية واستنزاف الثروة والخلل الأمني والحروب الجانبية.. وهنا تظهر خطورة التطبيع مع الكيان الصهيوني لأنه يمنح الكيان الصهيوني عمرا إضافيا.

النضال الفلسطيني:

في إطار الكفاح العربي التحرري غير المترابط استراتيجيا ببعضه في المشرق والمغرب العربيين كان النضال الفلسطيني يواجه الحلقة الأصعب كونها أولا: محل إجماع دول الشمال جميعا يدعمها الروس والدول الاشتراكية بالبشر،والأمريكان والأوربيون بالسلاح.. وثانيا: طبيعة الاحتلال،فهو ليس فقط استيطانياً أو إحلالياً بل يزيد على ذلك بأنه تطهير عنصري بطرد أهلها من البلاد، حيث تم تهجير 90 بالمائة من 80 بالمائة من أرض فلسطين التي أقاموا عليها الكيان الصهيوني.. وهذا يعني أن هناك عاملا ذاتيا غاية في التعقيد بالإضافة إلى وظائف الكيان المتعددة في الإقليم والعالم والتي تستهدف مستقبل الأمة وأمنها.

بالنظر إلى قرن من الزمان 1917 -2020 هو سجل كفاح الشعب الفلسطيني الذي قدم من خلاله الشعب الفلسطيني قوافل الشهداء والتضحيات الجسيمة تحت كل الرايات الوطنية نلاحظ عليه أنه بدأ بالجهاد المقدس وانتهى إلى التنسيق الأمني مع الاحتلال، وبدأ من رفض الوجود الصهيوني لينتهي الى محاولات التعايش والتطبيع، وأنه بدأ بثورة وكفاح مسلح لقلع الاحتلال من أرض فلسطين وانتهى بسلطة تحت الاحتلال، وانه بدأ مطالبا بكل الوطن وانتهى لاهثا على 20 بالمائة منه، وأنه بدأ باسم الشعب الفلسطيني كله وانتهى بجزء منه،وإسقاط جزء منه من الحساب.. مائة سنة قاسية وصعبة زحزحت الموقف الفلسطيني إلى حيث نرى ونسمع، حيث عادت فلسطين أقل بكثير مما كانت عليه أمام الثوار، وعادت إسرائيل جارة يمكن التعايش معها والعمل على حماية أمنها.. تساندت قوى دولية وإقليمية لنسج شبكة الخديعة التاريخية والتي استدرجوا من خلالها الموقف الفلسطيني للاعتراف بشرعية الوجود الصهيوني على 80 بالمائة من أرض فلسطين، وتقديم صيغ مائعة لحقوقه الثابتة مثل حق العودة وسيادة فلسطين  والقدس وتقرير المصير وسوى ذلك.. وها نحن نشاهد كيف أن الكيان الصهيوني مدعوما من الإدارة الأمريكية يلغي اتفاقيات أوسلو، ويسحب كل صلاحيات السلطة والتي أصبحت كما قال الرئيس الفلسطيني: “بلا سلطة وأن الاحتلال أصبح أقل تكلفة من أي احتلال في التاريخ”.. وانتهت الخديعة بتنصل الأمريكان والصهاينة الكامل من كل ما وقعوا عليه ووعدوا به السلطة الفلسطينية وكما قال الرئيس الفلسطيني: لقد ضحكوا علينا ورضينا بالهم والهم لم يرض بنا.. وأصبح واضحا كما صرح نتنياهو قبل يومين أنه لايهتم لسقوط السلطة الفلسطينية.. فلقد أدت ما عليها في فترة زمنية، وهو يواصل تهديده المادي لكل القيادات الفلسطينية حتى تلك التي تقدم له حسن النية في عملية التسوية.

تقييم عام:

واضح تماما أن السياق العام يشهد تخبطا عربيا في أزمات حادة تهدد وجود الدولة الوطنية فلقد شهدت السنوات العشر تكسر الدولة العراقية والليبية واليمنية والسورية والصومالية، كما مزق السودان من قبل، وتعاني دول عربية أخرى من أزمات حادة في تونس ومصر ولبنان.. و بات العمل من أجل موقف عربي متماسك غير ممكن،الأمرالذي ينذر بأزماتأخرى تتولد من الأزمات الحالية في المشرق العربي والمغرب العربي سواء.. وقد أصبحت الحروب والصراعات البينية في المنطقة العربية الوصفة السرطانية لاستنزاف الثروات والأمن كما هو جلي في أكثر من مكان لاسيما اليمن.. وهنا تجد الإدارة الأمريكية فرصتها في حلب الثروات العربية و يجد الكيان الصهيوني فرصته في اختراق الأسواق والأمن والسياسة في المنطقة العربية بل ويصبح موجها للتحالفات في صراع المحاور في المنطقة، والضحية دوما الأمة وأبناؤها وثرواتها.. كما أن العرب يعيشون أزمة حادة مع الجوار الإسلامي تركيا وإيران اللتين تتمددان في الفراغ السياسي والأمني العربي بحيث أصبح العراق وسورية مرتعا لنفوذهما وتدخلهما كما أن التدخل الإيراني في المكونات الوطنية للدول العربية أصبح مثار قلق حقيقي وفرصة لإبتزازات أمريكية كما هو واضح في أكثر من مكان.. في هذا السياق أين هو الاتجاه الفلسطيني؟

من ينقذ من؟:

من جديد يطرح السؤال: من ينقذ من؟ فلسطين أم العرب؟ هنا من الضروري أن نلجأ إلى التاريخ والضمير الجمعي وأن نتدبر منهجنا الذي نظم اندفاعنا التاريخي لإقامة أعظم كيان سياسي شهده البشر.. صحيح أن التمعن في القضية الفلسطينية يكسب وعيا شموليا للصراع، ويحدد أدوار القوى الإقليمية والدولية ويصنف بدقة مواقع الجميع قربا وبعدا، وهذا الوعي نحتاجه بلا شك في كل مكان من أقطارنا العربية لكي نتحرك على هدى في تعاملنا مع الأخر، ولكن لفلسطين بعد آخر خطير للغاية.. وهنا ألجأ إلى مقولة للبشير الإبراهيمي كثف فيها المعنى بطريقة عبقرية حيث قال: “يا قدس ان كانت مكة ما يليق من الأرض للنزول من السماء فأنت ما يليق من الأرض للصعود إلى السماء”.. وهنا يحفظ العرب قصيدتهم كاملة بأن رسالة محمد المحاصرة بين جنبات جبال مكة خرجت من حصارها وأصبحت عالمية بالإسراء بمحمد إلى القدس وإمامته للرسل والأنبياء وأخذه راية قيادة البشرية.. يحفظ العرب قصيدتهم كاملة: إنهم لم يتوحدوا يوما ولم يمتلكوا العزة وتكون لهم السيادة إلا عندما تكون القدس العربية بيدهم.. فهي صاحبة القدرة الروحية المذهلة والضرورية لتحريك جماهير الناس للعمل الجاد وهي كذلك قوة روحية وعاطفية ضرورية لأي مشروع نهضة ووحدة للأمة.

السبيل نحو القدس

ولكن ما هي الخطوة الضرورية لإشعال فتيل الثورة والكرامة والنهضة والوحدة وأين تكون؟ إن إشعال قناديل الأقصى هي نقطة الانطلاق لكل ذلك، وهذا يعني باختصار أن نرمي خلف ظهورنا ثقافة الهزيمة ومطالب المهزومين و نتحرر من وهن الانكسارات ومنطق المستسلمين.. إنه يعني بوضوح أن نطالب بحقنا كاملا فلسطين وقدسها وعودة أهلها جميعا، وأن يتحرك المثقفون والسياسيون لينشروا ثقافة الرباط، حينذاك ستكون كل قطرة دم رسالة وكل كلمة بياناً وكل صرخة بركاناً.. حينذاك نبدأ بصياغة جملتنا الحضارية من جديد وسيرى العالم من العرب روحا غير تلك التي ظنوها فيهم، وسيدرك الجميع أن العرب يمكن أن ينكسروا ولكن لا ينهزموا ولا تسكن المذلة قلوبهم. إنهم فقط بحاجة إلى منهج وترتيب الأولويات والانتباه بقادة رجال سكنهم اليقين وأيقظهم الوعي فلا ينخدعوا ولا يتهوروا بل يسيروا بوصلتهم القدس الشريف، حينها سنبني اقتصادا حرا مستقلا و نغني بأنغامنا نحن ونرتل أشعارنا نحن ونستعيد ثقافتنا نحن و ننخرط في تأدية الواجب في شتى الميادين، أمة رفع الله شأنها عندما قامت لردع الظلم ونشر الفضيلة وأكرمها الله عندما استودعها رسالته وبعث فيها خير خلقه ووفر لها في باطن الأرض خيرات تكفي تماما لتمويل مشاريع عملاقة.. نحن بحاجة إلى عالم من الأفكار المنتصرة المبادرة ونحتاج حقا مغادرة ثقافة الهزيمة وهذا لا يتسنى إلا بتمثل القدس وفلسطين لتصبح المحرك الحضاري لمشاريعنا ونهوضنا حينذاك سيعود جيران العرب من المسلمين الى رشدهم وتسكن الرهبة قلوب عدوهم ولن يكون أمامنا سبيل سوى ذلك هو وعد الله لهذه الأمة والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك