أوجه الحرب الالكتروكونية و مسرحها

العدو الرقمي الفتّاك

بقلم: الوليد فرج

بعد اندلاع الحرب الأهلية في الولايات المتحدة الأمريكية في شهر أفريل من سنة 1861 كان خطوط التلغراف هي الهدف الأول لأطراف النزاع بغية التنصت على المحادثات ، و في عام 1904 قصفت السفينتان اليابانيتان (كاسوما و نيشين) القاعدة البحرية الروسية في ميناء (آرثر) ، بمساعدة سفينة صغيرة قامت بدور تصحيح النيران ، عبر الاتصالات اللاسلكية ، غير أن نجاح القوات البحرية الروسية في التشويش على اتصالاتها أعاق عملية تصحيح إطلاق النيران مما لم يتسبب في أضرار كبيرة للهجوم على الميناء ، وفي ثلاثينيات القرن 20 أجرت عدة دول تجارب على قيام الطائرات بتوجيه القنابل لا سلكيا . 

منذ ذلك الحين احتد التسابق بين مخابر البحوث العسكرية ، التي سعت للوصول إلى أعلى تكنولوجيات الأنظمة الالكترونية اللازمة للسيطرة على الحرب و إدارة أعمال القتال في (المجال الخامس) المجال الكهرومغناطيسي ، الذي يعتبر البيئة التي تنتقل فيها الموجات الترددية بأنواعها لذا يعتبر المسرح الأول الحقيقي للحروب الالكترونية والذي يشمل جميع أنواع المجالات التقليدية (البرية الجوية البحرية الفضائية) . 

إذا كان بقدور السفن الحربية إصابة الأهداف ما وراء الأفق ، فلن يتسنى لها ذلك الا بمساعدة و توجيه النظم الالكترونية الاستطلاعية سواء المحمولة جوا أو السابحة في الفضاء الخارجي ، و المتصلة بوحداتها ، كما يمكن من خلال أجهزة (السونار) مسح قاع البحار و المحيطات للكشف عن غواصات العدو و تحديد مواقعها ، كما يمكنها الكشف عن الألغام البحرية المعادية . 

ترتكز و تعتمد أساسا مراكز القيادة العملياتية الرئيسية الحربية في عملها على النظم الالكترونية لا سيما في تنفيذ خططها ميدانيا بتنسيق هجمات مختلف أسلحتها طبقا للمعلومات المتحصل عليها في الغالب عبر عمليات الكترونية ، فلا يمكن إرباك عمل مراكز القيادات إلا عن طريق التعرف على تردداتها و أرسالاتها و التشويش عليها ، لكن هذه العملية تصعب إذا كانت هذه المراكز تستخدم نظم الكترونية متطورة و مؤمنة أو نظام شيفرة يجري تغييره باستمرار ، فلا يمكن تعطيل عملها إلا من خلال عمليات هجومية تدميرية . 

يبقى مسرح الجو يعتمد في عملياته على طائرات الإنذار المبكر و التوجيه المحمول جوا (أواكس) التي تتكفل بالتبليغ عن أي اختراق معادٍ وتقوم بدورها بتوجيه الطائرات المقاتلة للاستهداف العدو و تحييده بدقة متناهية، كما تقوم بعمليات الاستطلاع و تحديد حركات العدو على ارض القتال مما يسمح بالتعرف على خططه الميدانية و قوام تعداده. 

اثبت تاريخ الحرب و الواقع القتالي أن الحرب الالكترونية اليوم صارت ذات دور حاسم في الأنشطة الحربية الهجومية لا سيما المستهدفة للمراكز الالكترونية القيادية للعدو باعتبارها العصب الحيوي لعملية القتال ، مما يتيح حرية عمل الأسلحة الصديقة ، و نجاحها في إصابة أهدافها بدقة ، كما يسمح استخدام نظم المعلومات الميدانية الدقيقة كالمستشعرات السلبية بتحديد الأهداف بدقة عالية ، ليبقى إبطال و تدمير النظم الالكترونية لمراكز القيادة للعدو هو الهدف الرئيسي الأول و الحاسم ، للسيطرة المبكرة على العدو و التي تعني بالضرورة نهاية الحرب وهو ما أثبتته عملية (عاصفة الصحراء) في حرب الخليج الثانية .

مع دخول الحرب إلى المجال الكهروبصري باستخدام الليزر والأشعة تحت الحمراء و التلفزيونية في نظام (ترام) أي نظام تمييز الأهداف متعددة المستشعرات لأغراض الهجوم المحمولة جوا ، تكون أنظمة الحرب الالكترونية قد حققت تكاملا كبيرا ، باعتبار أن نظام (ترام) المحمول جوا يستخدم أجهزة الرؤية الأمامية بالأشعة تحت الحمراء لتظهر الصورة على شاشة. تلفزيونية في قمرة الطيار مع أنظمة تحديد المدى بأشعة الليزر عن طريق إضاءة الهدف ليزريا ، مع وجود آلة تصوير تليفزيونية في مقدمة الصاروخ ، تعمل على مستوى الضوء المنخفض ، ترسل صورة واضحة الى الطيار تستخدم لغرض التوجيه التلفزيوني ، و ذلك مع وجود جهاز تسجيل خاص تسجل عليه صور الأهداف بالفيديو لاستعادتها فوريا ، لأغراض المقارنة و التطابق مع الأهداف الحقيقية المطلوب تدميرها و هو ما يسمى بـ : (نظام دمج المعلومات ) Data Fusion

إن الحرب الالكترونية بكل وسائلها لا يمكن أن تحقق نتائجها في انعدام شبكة اتصالات متطوره سريعة الأداء لربط القيادات و قواتهم العاملة في الميدان ، لذا قلنا سابقا إن الهدف الأول للهجوم في الحروب الالكترونية هو المراكز الالكترونية لقيادة العدو لقطع الاتصال أو إعاقة البث اللاسلكي فيما بينها ، وقبل ذلك والاهم هو اكتساب القدرة على اختراق الاتصالات و التنصت على رسائل العدو البينية .

رغم التكاليف الباهضة للمعدات اللاسلكية و أنظمتها و أنظمة حمايتها التي تزداد تطورا و تعقيدا تستمر الدول في تطويرها و التسابق نحو تحقيق أعلى درجات التفوق في حيازة أجودها من ناحية الأمان و الدقة حيث وصلت إلى درجة أساليب تطوير قنـوات البث آليا بــشكل مبرمج، إضافة إلى عـدد من الإجراءات الأخرى للحامية؛ إذ تعد الاتصالات سلاحا ساكنا لا غنى عنه بين القيادة و أفراد الجيش في الميدان . لتوريد المعلومات عن مختلف أنشطة العـدو، وخططـه، ونوايـاه في الجبهـة بصورة شبه مستمرة . و دون ذلك تصبح قيادة الأركان غير قادرة على تسيير المعركة . 

ناهيك على أن جل المكننة القتالية الحديثة اليوم مرتبطة فيما بينها بتكنولوجية الكترونية دونها لايمكن الاتصال فيما بين أفرادها . 

نخلص إلى القول أن العصب الحيوي الأول الحاسم في حرب هو شبكة الاتصالات اللاسلكية ومدى تطورها و دقتها انظمة حمايتها و أمنها من الاختراق و التدمير ، هذا الأخير الذي يعتبر نهاية للحرب و خسارتها .

لذا رجعت القوات الروسية لتدبير طواقم قوات دباباتها على استخدام إشارات البيارق أثناء العمل المقاربيني ، بينما يدرس الجيش النمساوي، حاليا، إمكانيـة العـودة إلى استخدام الجياد، لتسليم الرسائل . 

يتضح حاجة الجيوش الماسة إلى إنشاء نظم اتصالات آمنة.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك