أهمية أن تكون الجزائر مهدا للإنسانية ؟

لماذا يساق تاريخنا في كل مناسبة إلى مذبح التعصب ؟

بقلم: أحمد قصوري      

        

ننهي الرباعية التاريخية التي بدأنا فيها منذ ثلاثة أسابيع، بمقالنا هذا عن أصل سكان شمال إفريقيا. لن نسهب في سرد الآراء النظرية التي قيلت في الموضوع، والتي تكررت كثيرا، وموجودة في معظم مراجع التاريخ القديم للمنطقة. إنما سنركز على آخر الاكتشافات في حقل الأنتروبولوجيا، هذا العلم الذي يختص بالإنسان  ويبحث في نشأته وأماكن  ظهوره وتطوره عبر الزمن. ونحن نعرف كم أُهمل هذا الجانب أمام الشغف بسحر السرد الذي غرسته فينا الأساطير، والكتب القديمة، وليس من السهل الفكاك منه. لابد أن نعرف أن العلم  حديث العهد جدا، فمعظم الاكتشافات، والنظريات، والمعارف العلمية التطبيقية، كلها من بنات القرن العشرين..من هنا أتت صعوبة الأخذ بالعلم في الأوساط المستغرقة في التراث، والمقدِّسة لكل ما هو ماض.

 

تاريخ الأمازيغ..

 

لقد تعرضت أصول سكان شمال إفريقيا (الأمازيغ) إلى كثير من النقاش والجدل. والمشكلة الأولى، أن المنطقة تداولت عليها موجات متعددة من الغزاة الأجانب، شوشت على استمرار خصوصيتها العرقية وتطور حضارتها. ثم إن كل غاز من هؤلاء الغزاة، راح يعمل بكل الوسائل من أجل  ترسيخ  ثقافته، ويعيد صياغة تاريخ المنطقة وفقا لنهجه الحضاري. وكثيرا ما غابت الشخصية الأمازيغية وسط طبول الحرب، وغبار المعارك.

لقد كان من الطبيعي أن لا يصل إلينا تاريخ المجموعات البشرية الأولى التي تفرعت عن الإنسان الأول في المنطقة، أوفي أحسن الأحول، وصل  إلينا  منقوصا أومشوها. لأن الغزاة هم الذين كتبوا تاريخنا على هامش تاريخهم، إنهم لم يذكروا أخبار أجدادنا وأحوالهم، إلا بمناسبة ذكر أخبارهم هم، وأحداث مرورهم بالمنطقة. 

فالقليل  الذي وصل إلينا عن الأقاليد الأمازيغ ودولهم (غايا، ماسينسا، ميسيبسا، يوغرطة..) مثلا، كتبه مؤرخون رومان وإغريق ضمن تاريخ الرومان في إفريقيا. ولم يكتب العرب عن كسيلة و الكاهنة وطارق، إلا على هامش السياق العام لتخليد حركة الفتح. فما هي التفاصيل التي نعرفها اليوم مثلا عن “طارق” الفاتح الحقيقي للأندلس، ومصيره؟ لا شيء، بينما نعرف كل شيء عن موسى ابن نصير وأبنائه.

وعندما جاء الفرنسيون، اعتبروا أنفسهم أحفادا للرومان وراحوا يتصرفون كمن يحيي مشروعا حضاريا قديما قد توقف. فالجزائر بالنسبة إليهم ولدت سنة (1830) بلباس جديد،  وراحوا يبحثون في التاريخ ما يؤكد ويدعم هذا التوجه.

 

تضارب في الآراء حول أصل سكان شمال إفريقيا

 

انطلاقا  من أبو التاريخ، هيرودوت، ومؤرخو الرومان، واليونان في القرون العتيقة، ثم المسعودي، وابن خلدون في العصر الوسيط، إلى مؤرخي المدرسة الاستعمارية في الفترة المعاصرة، ثم المدرسة العلمية الفرنسية، والمؤرخين المغاربة المحدثين، وجدنا أنفسنا  أمام سيل من الآراء والاجتهادات، تتقاطع أحيانا، وتتصادم أحيانا أخرى. لكن عموما، يمكن حوصلة كل هذه الآراء ضمن ثلاثة اتجاهات رئيسية:

النظرية الأولى تربط أصل سكان شمال إفريقيا بالجنس الهندو ـ أروبي، وهي نظرية تمتد جذورها في عمق التاريخ إلى عصر ازدهرت فيه الأساطير، و ظهور تاريخ هيرودوت ومؤرخي اليونان والرومان. وهم يربطون أصول سكان شمال إفريقيا عموما بقبائل  أروبية انطلقت اجزاء منها من آىسيا واختلطت بقبائل أخرى في طريقها داخل أروبا، ووصل بعضها إلى شمال إفريقيا عن طريق بحر إيجة، أو بلاد فينيقيا، أو عن طريق شبه جزيرة إيبريا (إسبانيا والبرتغال حاليا)، واستقروا. وقد استند إلى هذ الرأي مؤرخون أروبيون كثيرون منذ القرن التاسع عشر، وبعده. 

 

نظرية ثانية

 

والنظرية الثانية تربط أصول سكان المنطقة ببلاد الشام (فلسطين، وسوريا)، واليمن. ونجد أصول هذه النظرية قد تناقلها المؤرخون العرب كثيرا في  أزمنة العصر الوسيط، وقد خصص لها ابن خلدون فصلا كبيرا في “كتاب العبر..” جمع فيه معظم الأخبار المتناقلة  بين المؤرخين العرب بشأنها (المسعودي، البكري وغيرهما..)، وهي آراء تصب كلها في قالب واحد وهو أن هؤلاء السكان قدموا من الشرق (بلاد الشام، أو اليمن).حتى يقول في النهاية:

 ” والحق الذي لا ينبغي التعويل على غيره في شأنهم أنهم من ولد كنعان بن حام بن نوح كما تقدم في أنساب الخليقة، وأن اسم أبيهم مازيغ وإخوتهم أركيش وفلسطين إخوانهم بنو كسلوحيم بن مصرايم بن حام، وملكهم جالوت سمة معروفة له. وكانت بين فلسطين هؤلاء وبين بني إسرائيل بالشام حروب مذكورة. وكان بنو كنعان واكريكيش شيعاً لفلسطين فلا يقعن في وهمك غير هذا، فهو الصحيح الذي لا يعدل عنه. ولا خلاف بين نسابة العرب أن شعوب البربر الذي قدمنا ذكرهم كلهم من البربر إلا صنهاجة وكتامة. فإن بين نسابة العرب خلافاً والمشهور أنهم من اليمنية، وأن أفريقش لما غزا إفريقية أنزلهم بها “ طبعا وجد بعض المؤرخين المغاربة المحدثين، ضالتهم في هذا، وتشبثوا به ودعموه، حيث يختم أبو القاسم سعد الله هذا الرأي مثلا بقوله: “.. اعتاد الباحثون أن يصفوا الإنسان العربي والإنسان الأمازيغي، فالأوصاف هنا وهناك تكاد تنطبق..كل ذلك مدعاة إلى التأكيد من جديد على النظرية القائلة بأن الأمازيغ هم عرب متقدمون في نزوحهم إلى شمال إفريقيا، وأن موجة الفتح الإسلامي العربي كانت فرصة التقى فيها أبناء العمومة على أرض إفريقيا بعد أن كانوا قد التقوا على ارض الشام على بعض الروايات، أو على أرض اليمن على بعض الروايات الأخرى؟..” (أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر).

والمؤكد، أن المسألة لم تحسم بتوثيق، وأدلة علمية لأي من النظريتين. فهي آراء طرحت، ومازالت مطروحة، ومازال النقاش جاريا حولها. كما أن هناك رأي ثالث يقول أن المنطقة بحكم موقعها كانت دائما مفتوحة للهجرات والغزاة من كل نوع، ذلك ما قد يفسر تنوع الصفات الخلقية والثقافات في المنطقة، وليس بالضرورة أن يكون أصل السكان كلهم من جنس واحد، أو من وجهة واحدة، فقد وقع خليط بين عدة أجناس.

 

ثورة في علم الأنتروبولوجيا

 

مشكلة البحث عن أصول الإنسان فكرة تعطلت كثيرا بسبب اصطدام البحث العلمي بصخرة رجال الدين. والعلماء الرواد في  هذا الميدان دفعوا ثمنا غاليا كما نعلم. ولعل كراهية الإنسان لأن يُعرف  باعتباره حيوانا أدى به إلى أن يشهر سلاح الدين في وجه البحوث والدراسات العلمية التي كانت تهتم بأصل الإنسان، مما عطل تطورها بالرغم من أن علماء كثيرون لا يرون تعارضا بين العلم والدين ” ذلك أن الإرادة الإلهية في الخلق تكتسي طابعا دينامكيا حيا، فعملية الخلق الإلهي تتم في مختلف مراحل حياة الكائن المتطورة من أدناها إلى أعلاها، أنظر الجنين مثلا ومختلف المراحل التي يمر بها منذ أن يخلقه الله في رحم أمه إلى أن يتوفاه عجوزا في المائة من عمره هل يظل هو هو؟ ..فتلك هي إرادة الله في خلقه” (م.الطاهر العدواني، الجزائر منذ نشأة الحضارة. م.و.  للكتاب 1984.  ص. 66)

وجاء في القرآن ” قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير” (العنكبوت. الآية 20).

لقد مر علينا حدث علمي كبير واختراق في مجال الاكتشاف له أبعاده وأهمية على المسرح العالمي، ولم ننتبه  له، ولم نأبه له، وانصرفنا كالعادة إلى تفاصيل الحياة العادية، وكأن شيئا لم يكن.

أن يكون هذا الوطن الذي نقف على ترابه الآن، قد ظهر عليه الإنسان الأول منذ مليونين وأربع مائة ألف سنة، وأن هذا الإنسان هو أحد أجداد الإنسانية الأوائل الذي  كان يتحرك هنا  ويضع المعالم الأولى على طريق الحياة في ذلك الزمن البعيد وهو يصارع الطبيعة ويكافح من أجل البقاء، ليس أبدا شيئا عاديا ومألوفا. عند الإعلان على هذا الاكتشاف في الجزائر، اعتقدت أنها الفرصة التي لن تُهدر للانتصار للعلم في بلادنا. والحاصل أن المسألة برمتها لم تُدهش الكثير من الناس فيما يبدو ولم تُثر فضولا يذكر. وإن كنا لم نعد نستغرب شيئا على كل  حال، وسط ما يعتري حياتنا من فوضى، وما نشهده من حالة التيه الجماعي الذي تقوده الأوهام  في مجتمع فقد بوصلته. 

 

منطقة عين الحنش

 

نحن نعرف أن في أي مكان في العالم، حينما يحدث الاكتشاف بهذا الحجم من الأهمية،  تسارع الحكومات القائمة هناك إلى الاهتمام والاستثمار في المسألة علميا وإعلاميا وسياحيا. حتى إثيوبيا بالرغم من المشاكل والوسائل المعدمة، فقد جعلت من حكاية الهيكل العظمي  ل”لوسي” الذي عثر عليه فريق من الباحثين العالميين في موقع “هادار” شرق البلاد عام 1974 والذي يعد أقدم وأكمل هيكل عظمي للإنسان القديم إلى حد الآن (عمره أزيد من ثلاثة ملايين سنة)، مسألة ذات أولوية، وقد تفطنت إلى أن السياحة الثقافية يمكن أن تكون موردا يدر عليها بعض المال ويفتح عليها بوابة العالم، فراحت تروج لهذه المسألة بما تستطيع. وأنا أذكر أننا تفرجنا على هذا الهيكل العظمي  في متحف “باردو” في العاصمة، بمناسبة  المهرجان الثقافي الإفريقي الثاني بالجزائر في جويلية 2009،  وكان وزير الثقافة الأثيوبي هو الذي رافق هيكل الآنسة “لوسي” إلى الجزائر في طائرة خاصة، وقد تم استقبالها في مطار هواري بومدين كما تستقبل الشخصيات الهامة، من طرف وفد عال المستوى تقوده وزيرة الثقافة خليدة تومي أنذاك.  

الذي حدث عندنا إذا خلال شهر نوفمبر 2018، على يد البروفيسور محمد سحنوني وفريق الباحثين الذي معه ليس بالأمر الهين أبدا على الصعيد العلمي، ومنطقة عين الحنش (موقع الاكتشاف) في ولاية سطيف، انطلق البحث فيها كما نعلم منذ الأربعينيات من القرن الماضي على يد فريق يقوده عالم الإحاثة (الباليونتولوجيا) الفرنسي الأشهر كامي أرمبورغ (1885ـ1969). وقد اكتشف أرمبورغ سنة 1947 بقايا أدوات حجرية صنعها واستخدمها الإنسان البدائي، وعظام حيوانات كانت تعيش هناك منذ مليون وثمانمائة ألف سنة قبل اليوم. ومنذ ذلك الوقت والمنطقة محل اهتمام من طرف الباحثين والمنقبين. وانطلاقا من سنة 1993، شرع البروفيسور الجزائري محمد سحنوني بصحبة اختصاصيين آخرين من الجزائر وفرنسا وإسبانيا وأستراليا، في مرحلة جديدة من التنقيب في تلك المنطقة لاكتشاف المزيد من الخبايا المدفونة تحت الأرض عن الإنسان والحيوان وظروف الحياة السائدة هناك في حقب ما قبل التاريخ. وقد كللت الجهود أخيرا باكتشاف أدوات حجرية كان يستعملها الإنسان الأول، وبقايا عظمية لحيوانات تحمل آثار جزارة، ويعود تاريخها كلها إلى مليونين واربع مائة ألف سنة، وذلك في المكان المسمى “عين بوشريط” وهو جزئ من منطقة عين  الحنش الشهيرة بحفرياتها في ولاية سطيف. وقد جعل هذا الاكتشاف من هذه المنطقة الجزائرية المهد الثاني لظهور الإنسان الأول، بعد موقع “قونا” الإثيوبي بشرق إفريقيا، الذي قدر عمر مكتشفاته بمليونين وستمائة ألف سنة. ومن شأن هذا الاكتشاف أن يغير المفهوم السائد على أن إفريقيا الشرقية هي مهد الإنسانية، ليعم هذا الوصف القارة الإفريقية بأسرها بعد الآن. والجدير بالذكر أن فريق البحث قد استعمل تقنيات عديدة وحديثة جدا لتحديد عمر كل هذه البقايا، منها المغناطيس القديم، وتقنية الرنين المغناطيسي على حبات الكوارتز، والكرونولوجيا الحيوية للثدييات الكبيرة، وتقنية الترسبات البركانية.

 

منافسة بين الباحثين وبين المخابر والجامعات

 

طبعا هناك منافسة قوية بين الباحثين وبين المخابر والجامعات، بخصوص الاكتشافات العلمية في كل المجالات وفي كل مكان عبر العالم. وبالتأكيد أيضا لم تغفر بعض الجهات العلمية الفرنسية لمحمد سحنوني انفراده بإحداث هذه الطفرة، وهي التي كانت  لها دائما الكلمة العليا في مجال البحث والتنقيب في  مجالات ما قبل التاريخ لمنطقة شمال إفريقيا كلها. وإن كان لابد من الاعتراف  بأن علم ما قبل التاريخ لشمال إفريقيا هو صنيعة المدرسة الفرنسة لما قبل التاريخ، ضمن سياق الجهود التي قامت بها خلال فترة الاحتلال. لكن للجزائر خبراؤها اليوم الذين تعترف بكفاءتهم أكبر الهيئات والمؤسسات العلمية الدولية. والمقال الذي صدر في مجلة “لوبوان” الفرنسية عن هذا الاكتشاف الجزائري عندما أعلن عنه،  بعيد جدا عن الموضوعية بحسب معلقين فرنسيين أنفسهم. إنه يطعن في مصداقية الكشف الذي حققه الفريق الجزائري، لكنه لا يقدم براهين علمية دقيقة تدعم موقفه. ويقول البروفيسور محمد سحنوني بخصوص هذا الموضوع: ” لقد كان على فريق البحث أن يواجه اللوبي الفرنسي على مستوى العالم، الذي كان ينوي التقليل من أهمية الاكتشاف الذي حققه الباحثون الجزائريون، ولم يكن دافع الطرف الفرنسي هو الحرص على الدقة العلمية، لكنه كان يتحرك ضمن ذهنية كولونيالية جديدة يسعى من ورائها  إلى  إبقاء الجزائر تابعة دائما لفرنسا..” وللعلم فإن مجلات عالمية ذات سمعة معروفة قد نشرت النتائج التي حققها فريق البحث الجزائري، منها مجلة “سيونس” الأمريكية التي تعد ثاني أكبر مجلة علمية على مستوى العالم من حيث المصداقية والموضوعية وجدية المواضيع التي تطرحها، وهي تُخضع جميع ما تنشره إلى مراجعة وتمحيص دقيقين من طرف عدة مختصين مشهود لهم بالكفاءة والخبرة عالميا، وهي المجلة التي توزع أكثر من مليون نسخة أسبوعيا في بلدان كثيرة.

 

الجزائر مصدر الهجرات إلى مناطق أخرى ؟

 

إن  الإنسان الأول ظهر هنا، وكان يسير على هذه الأرض منذ مليوني ونص المليون من السنين، ألسنا نحن من ذريته إذا ؟ ألم تكن القارة الإفريقية ـ وهي مهد البشرية الأول ـ ومعها الجزائر، هي مصدر الهجرات إلى مناطق أخرى ؟ اكتشاف البروفيسور سحنوني يعيد هذا  السؤال بقوة إلى الواجهة.

العبرة في كل هذا أيضا، هو أن نلتفت بقوة وتصميم إلى أهمية العلم للنهوض بالمجتمع. ولابد من إعادة الاعتبار للبحث العلمي والتنقيب والاكتشاف وتثمين الكفاءات والقدرات الحقيقية للأفراد. ولكي نحقق هذا، علينا أن نكسر الأغلال الثقيلة التي تكبل كل مبادرة وتقهر كل محاولة للتجديد. 

خلال إحدى جلسات مؤتمر باندونغ (حركة عدم الإنحياز) المنعقد بأندونيسيا سنة 1955، كان جواهر لال نهرو رئيس وزراء الهند يخاطب الحاضرين بكثير من المرارة والفزع، وبينهم ممثلون عن حركات التحرر من كل القارات، وكان وفد جبهة التحرير الوطني حاضرا أيضا، كان نهرو يقول:

“إنكم تتكلمون كلكم بحماس عن الحرية والاستقلال. إنني أسألكم ماذا تعرفون عن الحرية والاستقلال؟ إذا تصورنا أنها إعلان المستعمر بأنه سوف يسحب حاميته من أراضينا ثم يوقع معنا قصاصة ورق فهذا هراء. ذلك سهل، وهم على استعداد لأن يفعلوه غدا، ولكن ماذا بعد؟ تطلبون الاستقلال حسنا. وتطلبون الحرية، حسنا أيضا. سوف يعطونكم ما تطلبون، وسوف يوقعون معكم على قصاصات ورق (..) إن السيطرة الجديدة لن تكون بالجيوش ولكن بالتقدم. التقدم هو وسيلة السيطرة الجديدة. أنتم متقدمون إذن فأنتم سادة. أنتم متخلفون إذن فأنتم مقهورون مهما وقعتم من قصاصات ورق ومهما رفعتم من قصاصات قماش سميتموها أعلاما. وأسألكم ما هو التقدم؟ إنه اجتماعي بالدرجة الأولى. من منا يستطيع أن يعطي لشعبه نظاما اجتماعيا يحقق العدل لجماهيره، وبأي ثمن؟ سوف تأخذنا جميعا حُمّى التنمية وسوف نتكلم عنها ونملأ الدنيا كلاما، لكن هناك سبيلا واحدا إلى التنمية وهو العلم. فماذا لدينا منه؟ أخشى أننا سوف نجد مصائر التنمية عندنا في أيدي بيروقراطيات متعفنة في بعض البلدان وعاجزة في بلدان أخرى..” 

إن مشكلتنا الأساسية كانت ولا تزال هي الجهل، وهي الأمية. إن مجتمعاتنا لازالت مكبلة بقيود المحافظة، المعادية لكل تقدم أو تغيير. كم نحن بحاجة إلى أفكار، وطرائق مبتكرة للسير بالعلم قدما نحو المستقبل !!

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك