أمريكا ترامب إلى أين؟

كورونا وبعدها العنصرية

بقلم: احسن خلاص

 

نخرق الحجر الذي وضعناه على أنفسنا والالتزام الذي قطعناه بإعطاء الأولوية لقضايانا الداخلية، لنسافر هذه المرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية ونطلع على أبعاد ما يحدث من أعمال شغب انطلقت من مقتل المواطن الأمريكي ذي البشرة السوداء جورج فلويد لتظهر لنا ما خفي من واقع اجتماعي مرير في بيئة متطرفة في ليبرالية لا ترحم الضعيف ولا تعير اهتماما للقيم الإنسانية التي لا تغادر صفحات ما يكتبه الفلاسفة والحالمون لتجد نفسها في الواقع اليومي.

كان يجب أن يموت جورج فلويد خنقا بعد أن داس على رقبته شرطي أبيض لكي يكتشف العالم من جديد واقعا اختفى في هوة سحيقة مظلمة بعيدا عن الأعين والآذان ويفتح ملفا جديدا اسمه ملف العنصرية الذي لا يقل أهمية عن ملفات أخرى كالإرهاب العالمي الذي لم تتمكن البشرية من التخلص منه وكذا تلوث البيئة والتغيرات المناخية والأسلحة النووية والكيمياوية والبيولوجية، وهي ظواهر تمثل الوجه الأسود من التجربة الإنسانية التي حملتها الصراعات التي صاحبت تطور البشرية الصناعي والتكنولوجي الذي سلب الكثير من الأبعاد الإنسانية من العلاقات الاجتماعية والدولية وحول الفضاء إلى ما يشبه الغابة.

كشفت حادثة مينيابوليس وما تلاها من أعمال شغب أيقظت شياطين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن أمريكا بعيدة جدا عن أن تشكل المثال الذي يسدي الدروس للعالم في المثل الديمقراطية واحترام الحريات ومبدأ التعايش وهي المثل التي بشر بها ابراهام لينكولن الذي أصدر قانون تحرير العبيد، فالقاتل والمقتول من مواليد السبعينيات من القرن الماضي في بيئتين متفاوتتين ومتباينتين اجتماعيا وثقافيا داخل البلدة الواحدة وليسا من الجيل القديم الذي ترسبت في ذهنه آثار عهد ولى ويبدو أن العنصرية قد أخذت مكانها بقوة في الوعي الجمعي الأمريكي والغربي بشكل عام وأصبحت تتوارثها الأجيال.

وتحضرنا هنا قصة رواها الجاحظ في كتاب الحيوان، لرجل أراد أن يقوم بتجربة فريدة فجاء بحمل (صغير الخروف) وجرو (صغير الذئب) ووضعهما في مكان واحد وأحاطهما برعاية خاصة ليكبرا معا لعله ينشئ بهذه التجربة جيلا جديدا من الخرفان والذئات يقطع مع عهد العداوة وينهي علاقة الوحش بالفريسة لكنه تفاجأ ذات يوم، عند كبرهما أن الذئب تخلى عن براءته واستنجد بغريزته فانقض على الخروف فسأل الرجل الذئب عند عودته قائلا: من علمك أن أباك ذئب يا ذئب. قد تنطبق هذه القصة قليلا أو كثيرا، ليس على المجتمع الأمريكي فقط، بل على سائر المجتمعات بدرجات متفاوتة.

وإن كانت أعمال الشغب الانتقامية التي اجتاحت العديد من كبريات الولايات الأمريكية مثل نيويورك ودالاس وأطلنطا وفيلاديلفيا قد استهدفت جهاز الشرطة بسياراته وبناياته إلا أنها تحمل رسائل أعمق تدعو البشرية إلى تجريم صريح للفعل العنصري وخطاب الكراهية والرق والاتجار بالبشر وهي ظواهر موروثة من العهد الإقطاعي وقد عادت إلى السطح في العديد من الدول الكبرى في أمريكا وأوروبا لاسيما مع صعود القوى المتطرفة وتشكلها في أطر سياسية تخوض بها الانتخابات وتضطر الحكومات أحيانا للتعامل معها كطرف اجتماعي سياسي لا يستهان به.

وتظهر ضراوة رد فعل الشباب السود في أمريكا درجة الاحتقان السائدة والموقف المتشنج المشحون بالكراهية تجاه جهاز الشرطة الذي صار اليد التي يبطش بها البيض على مخالفيهم في لون البشرة مما يعني أن محاربة أصحاب البشرة السوداء خاصة كان يتم تحت مطية القانون وفي ظل تعسف واضح في استعمال السلطة الردعية والقمعية التي تمتلكها الشرطة باعتبارها الساهرة على الأمن والنظام العام. غير أن هذه الأحداث لا تدين جهاز الشرطة الأمريكي الذي ساءت سمعته داخليا وخارجيا فحسب بل تذهب إلى إدانة الإدارة الأمريكية ذاتها لاسيما مع ردود فعل الرئيس الأمريكي التي استنكرت أعمال الشغب دون أن تدين مقتل جورج فلويد حيث اعتبر ترامب أعمال الشغب من فعل يسار متطرف ومجموعة من المجرمين المخربين للمدن عكس موقف أعضاء من الكونغرس الذين انتقدوا أداء الشرطة واعتبروا ما حدث غيضا من فيض ما يعاني منه أصحاب البشرة السوداء من حيف وتمييز في مجالات العمل والتملك والصحة والرعاية والاستفادة من الخدمات وقد أظهرت تداعيات انتشار فيروس كورونا بالولايات المتحدة الأمريكية تلك الفوارق للعيان وظهر التمييز في التعامل مع المصابين وكذا في تمكين المواطنين بدرجات متفاوتة من أسباب الوقاية من الإصابة بالفيروس فضلا عن أشكال أخرى من التمييز في الربح والعمل والسكن وزيارة الفضاءات العامة.

ولعل من المفارقات الأمريكية أن السنوات الأخيرة شهدت صعود شخصيات سياسية مرموقة من السود الأمريكيين منهم من اعتلى سدة الرئاسة الأمريكية مثل باراك أوباما وترأس كتابة الدولة للخارجية مثل كوندوليزا رايس وكولن باول وتبوأ مناصب مرموقة في البيت الأبيض مثل مستشارة الأمن القوي سوزان رايس. غير أن هذا كله يعد بمثابة الشجرة التي تغطي غابة من التمييز والظروف المزرية التي يعيش فيها السود من الطبقات الدنيا.

ويبدو أن عهدة ترامب لن تنتهي دون أن تكشف مزيدا من عورات النظام الأمريكي وتظهر وحشية النيوليبرالية التي يعد ترامب أحد رموزها باعتباره أشرس الرؤساء الأمريكيين وأكثرهم تطرفا وعنصرية تجاه غيره. وقد قام كورونا بجزء من مهمة تعرية أمريكا ترامب ليضاف إليه عار العنصرية الذي يبدو أنه يحظى برعاية ترامب وتأييده.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك