أمراض لا تعالج بالأسبيرين

بين الخلل والمؤامرة

بقلم احسن خلاص

أخرجت الاختلالات التي شهدها البلد هذه الأيام الحكومة عن صمتها وانتفض الوزير الأول عبد العزيز جراد غاضبا متوعدا بالردع وذهب إلى حد افتراض وجود تآمرقصد المساس بالاستقرار العام في الوقت الذي يشهد المجتمع حالة توتر غير مسبوقة بسبب استمرار الأزمة الصحية وما تبعها من انعكاسات اقتصادية على كثير من العائلات التي اجتازت أيام العيد في حالة من الاضطراب بسبب انقطاعات متكررة للكهرباء والماء واندلاع حرائق في مناطق متعددة من البلاد.

وتأتي اللهجة الحكومية الجديدة وكأنها توحي أن الحكومة تكتشف لأول مرة هذه الاختلالات بينما لا يخفى على أحد أنه لم يمر عام على الجزائر دون أن تشهد مثلها أو أكبر منها عددا وحدة، بل يذهب الحال بالمراقبين أحيانا إلى التساؤل عن سبب اختلاف حدتها من سنة إلى أخرى بالنظر إلى أنها صارت اختلالات مزمنة ذات علاقة بأزمة هيكلية ووظيفية في الدولة ذاتها. ومع هذا اختارت حكومة جراد أن تفترض أن هناك أيادي ممتدة لتنال من الاستقرار السياسي الذي يعيشه البلد لاسيما بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة.

وليست هذه المرة الأولى التي يشتكي فيها رأس السلطة من هذه الاختلالات التي يكون مصدرها عادة من يفترض أنه يمثل المصالح الحيوية للدولة المرتبطة بحياة المواطن على مستوى الجماعات المحلية. فقد سبق أن امتعض الرئيس تبون من تأخر وصول المنح التي أقرها للمعوزين وكذا العاملين في سلك الصحة. وليست هذه المرة الأولى التي يأمر فيها الرئيس تبون بإجراء تحقيقات عن سير أجهزة أو حول حوادث تظهر اختلالات موضوعية أو مفتعلة.

ولا شك أن مثل هذه الاختلالات من شأنها أن تنسف الجهود التي تبذلها السلطة في سبيل تقديم خطاب مطمئن في اتجاه استرجاع الثقة لدى المواطن في الدولة بعدما ظل يشعر منذ سنوات أنه بعيد عن المشاركة في الشأن العام بل يذهب به الأمر إلى اعتبار نفسه ضيفا في بلده. لكن ما أصعب أن يجد هذا الخطاب نفسه في حرج وهو الذي يحاول التسويق لجزائر جديدة مختلفة عن تلك التي انقسمت من قبل إلى مناطق نافعة ومناطق غير نافعة بل أخرى تسمى مناطق الظل وأن يجد أمامه جدارا صلبا يمثل آلة بيروقراطية ثقيلة موروثة عن عقود من الممارسة ضمن آليات لم تعد صالحة في زمن اقتصاد ومجتمع المعرفة.

لقد ورثت الحكومة التي انبثقت عن رئاسيات ديسمبر الماضي وضعا صعبا على جميع المستويات وميدانا مليئا بالألغام فبالإضافة إلى الوضع الاقتصادي الذي زاد تأزما بعد تراجع عائدات المحروقات وبروز مخلفات اللجوء المكثف إلى التمويل غير التقليدي على التوازنات المالية الكلية فضلا عن اكتشاف المجتمع أن الفساد لم يكن يعني بؤرا معزولة بل استشرى في دواليب الدولة وتعمم ومس قمتها وامتد إلى قاعدتها حتى صار رياضة وطنية. وما زاد من صعوبة الوضع أن الحراك الشعبي ولد طموحات جديدة جادة لدى شرائح عريضة وأدخل الإيمان بالتغيير لدى الكثير ممن كان اليأس والاستقالة قد غلبا عليهم لسنوات. لقد صار على الحكومة اليوم واجب أن تبرهن عن كل ما هو إيجابي يكون بديلا عن سنوات الفوضى والجنون السياسيين والجمود والركود الاقتصاديين التي تريد الجزائر الخروج منها بسرعة والانتقال إلى وضع مخالف تماما بين عشية وضحاها.

لم يعد جزائري 2020 ذلك المواطن الذي يصبر على طعام واحد عندما اكتشف بعد صبره لسنوات أن هناك من استغل صبره ليمتد إلى المال العام نهبا وعبثا وتبديدا وبعدما صار قليل الإيمان بالمثل والمشاريع والتسويفات. لقد أنشأت تلك السنوات العجاف مواطنا انتهازيا بامتياز حتى أن الأحزاب السياسية والنخب الفكرية والدينية فشلت في إقناعه بضرورة الحياة من أجل مشروع حضاري عندما صارت علاقته بالجغرافيا والتاريخ والمستقبل علاقة موضوعية وبراغماتية. وضع كهذا قد يرشح المجتمع للانفجار في أي لحظة وهو ما صارت الحكومة تتوجس منه خيفة لإدراكها من خلال التقارير التي تصلها يوميا أن التوتر قائم وأن الانفجار لا ينتظر إلا شرارة من هنا أو هناك بالنظر إلى أن الجميع يطالب بكل شيء وفي اللحظة ذاتها تماما مثل ما بينته في صورة مصغرة أزمة السيولة التي شهدناها في الأيام الماضية أو أزمة المياه وقد تأتي تباعا أزمات مماثلة في المستقبل القريب.

صارت الحكومة أحوج أكثر من أي وقت مضى إلى الهدوء لكي لا تضطر إلى الاكتفاء بالتصدي العاجل للمستجدات والطوارئ على حساب الهام من أولوياتها وهو وضع خطة لتجاوز الأزمة الهيكلية العميقة التي نعيشها، إذ ومنذ أن دخلت الجزائر في الأزمة الصحية غرقت الحكومة وأجهزة الدولة في متابعة العاجل والاكتفاء بردود الأفعال دون أن يتسع لها الوقت لوضع تصورات للأفعال. وما إن بدأت تفكر في التصدي للأزمة الحقيقية حتى عادت العواجل إلى الظهور وبقوة وبشكل متتابع أدى بها إلى اعتبار ما يحدث مؤامرة دون أن تحدد من تستهدف هذه المؤامرة، هل هي حكومة جراد التي تقدم على أنها المسؤولة الأولى عن الوضع بفشلها في توفير الحد الأدنى للحياة العادية؟ أم السلطة التي يؤاخذ عليها عدم توفرها على مشروع ورؤية واضحين قادرين على إقناع الأغلبية بالسير فيه باطمىنان وثقة؟ أم الدولة بكاملها وهو ما قد يحتمل معه تواطؤ مع أجندات خارجية ترمي إلى إلهاء السلطة بمعالجة الأزمات الداخلية المستعجلة على أن تهتم بلعب أدوار إقليمية مثل التدخل في الأزمة الليبية.

ومع كل هذا فإن الاختلالات التي تظهر هنا أو هناك جملة أو تفصيلا لا تحتاج فقط إلى إنشاء لجان تحقيق بل تدعو إلى إصلاح شامل لهياكل الدولة ومهامها، إصلاح من شأنه أن ينفض الغبار عن آلة مهترئة غير معقمة ضد الفساد وكفيل بأن يدرج بقوة أساليب الحكامة الحديثة القائمة على الرقمنة واقتصاد المعرفة.
احسن خلاص

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك