ألبير كامو والثورة الجزائرية (1913_1960)

سيرة ومسيرة

بقلم: الطالب حسين جلاب.

 حظيت القضية الجزائرية وثورتها المجيدة منذ الانطلاقة بمكانة مميزة لدى بعض الفلاسفة والمفكرين من أدباء والكتاب خاصة الغربيين منهم ، الأمر الذي جعلهم يشاركون الجزائريين في مناهضة الإمبريالية ومسايرة ثورتهم إذ حملت مشاركتهم جوانب مختلفة منها ما هو على المستوى السياسي والاقتصادي أو الثقافي وكذلك الميداني على شاكلة الفيلسوف فرانسيس جونسون و فرانتز فانون فالأول كان له الفضل في تكوين شبكة جونسون التنظيم الموجه لدعم الجزائريين وكذلك الرسالة السياسية التي أداها كتابه الجزائر الخارجة عن القانون كما لعب فانون دور كبير في التعريف بالقضية الجزائرية على مستواها الإفريقي من خلال زياراته الميدانية او من خلال أعماله الفكرية في مؤلفاته من كتب ومقالات أما جون بول ساتر فكانت لكتاباته ومسرحياته دور بارز في التعريف بالقضية الجزائرية على الساحة الدولية إلا أن مواقفهم وأراءهم التاريخية قد تباينت وذلك للمفهوم الثوري لكل منهم وذلك ما تجلى في موقف البير كامو من الثورة الجزائرية ومدى مطابقة أفكاره الإنسانية لها.

ألبير كامو الفيلسوف المناضل (1913_1954): 

ألبير كامو ؛ هو مؤلف وفيلسوف فرنسي من مشاهير التيار الوجودي مع (جون بول سارتر) ينتمي الى الوسط العمالي كان الابن الثاني لأسرة لوسيان كامي ولد بالجزائر بمدينة الذرعان ولاية الطارف بتاريخ 07_نوفمبر 1913، والدته كاترين سانتيس من أصل اسباني، توفى والده خلال حرب لامارن في الحرب العالمية الأولى . 

بعد وفاة والده قامت أمه وجدته بتربيته عاش ظروف صعبة من الفقر والعوز دخل المدرسة الابتدائية بحي بلكور سنة 1918 وبفضل مساعدة أحد معلميه السيد جرمان تحصل على منحة ما مكنه من متابعة دراسته في ثانوية بيجو في الجزائر العاصمة، تحصل على شهادة البكالوريا عام 1930وأثناء هذه الفترة ظهرت عليه أعراض السل انتقل الى التعليم الجامعي للحصول على شهادة ليسانس في الفلسفة بفضل استاذه جون غرونيي سنة 1931 أصيب اثناء دراسته الجامعية في الجزائر بداء السل مما أثر على نشاطه الرياضي وعلى دراسته ،اشتغل خلال سنوات دراسته في بعض المهن اليدوية البسيطة كبائع قطع غيار السيارات وممثل في فرقة اذاعة الجزائر ثم موظف في مكتب للأرصاد الجوية ،تزوج بسيمون هيي سنة 1934 انخرط في صفوف الحزب الشيوعي سنة 1934وشارك سنة 1936في النشاط السياسي الشيوعي المطالب باستقلال الجزائر وانسحب منه عام 1937 بسبب تغير وجهته السياسية عمل بصورة غير منتظمة في المسرح والصحافة وكتب عن أحوال الاهالي السيئة عندما صار صحفيا في جريدة الجزائر الجمهورية حيث كان يقوم بتقديم تقارير حول المحاكمات السياسية الجزائرية. 

أصبح مناضلا في حركة من حركات المقاومة سنة 1942ونشر مقالات في جريدة المعركة التي اصبحت جريدة تحريرية وفي سنة 1944التقى بالكاتب والروائي الفرنسي جون بول سارتر وعبر هذا الاخير لألبير كامو عن رغبته في إخراج مسرحيته ،اما اهم انجازات كامو الفلسفية فتدور حول العبث واللا معقول في عالم ملئ غامضة لا تحمل أي معنى أو دلالة عندما انسحب كامو من الحياة السياسية تفرغ لكتابة الصفحات الأولى من مقالاته الأدبية :الوجه والقفا ĽEnvers et ĽEndroitوبحلول سنة 1936ناقش كامو ديبلوم الدراسات المعمقة بجامعة الجزائر حول العلاقات القائمة بين الهلينية والمسيحية من خلال أعمال افلوطين والقديس أوغسطين وبسبب حالته الصحية منع من التقدم إلى امتحان التبريز في الفلسفة سنة 1937كما أنه رفض منصب أستاذ للفلسفة بمدينة بلعباس خوفا من العزلة لينظم الى جريدة الجزائر الجمهورية وفي تلك الفترة شرع في كتابة رواية الغريب ونشر تحقيقه حول الفقر في القبائل الكبرى وفي سنة 1940عقد زواجه الثاني مع فرانسيس فور تعرض لنفي الى باريس بسبب تحقيقه لمنطقة القبائل كما شرع في نفس الوقت في كتابة اسطورة سيزيف التي أنهاها عام 1941 وبحلول سنة 1943اوفدته حركة كومبا الى باريس حيث شرع في اصدار جريدة كومبا السرية الذي راح بعد تحرير فرنسا عام 1944يعبر عن افتتاحياته عن أرائه و نظرا لتغير وجهتها السياسية استقال منها سنة 1947وفي شهر جوان نشر رواية الطاعون LA PESTO اعد مادة كتاب الانسان المتمرد سنة 1950 وقام بعد عام بنشره الذي بدوره اثار جدلا مع اليسار المتطرف بعد مناقشة مجلة الأزمنة الحديثة له لتتم القطيعة بينه وبين جون بول سارتر، وفي 04جانفي 1960يلقى كامو مصرعه في حادث سيارة بباريس.

القضية الجزائرية في فكر البير كامو (.1939_1950): 

يقول كامو “بإمكاني أن أقول بأن الجزائر هي وطني الحقيقي وأنه بإمكاني أن أتعرف في أي مكان من العالم على أبنائها .نعم ان الذي احبه في المدن الجزائرية لا ينفصل عن حبي للناس الذين يقطنونها”  في سنة 1939نشر كامو تحقيق حول الفقر المدقع الذي كانت تعاني منه منطقة القبائل الكبرى وقد نشر هذا التحقيق تباعا في جريدة الجزائر الجمهورية Alger repeblicain حول الوضعية الاجتماعية والاقتصادية والفروق بين الاهلي والمعمر عنونه بالفقر في القبائل وجراء هذا التحقيق جر عليه ما كان متوقع فلقد نفي إثر ذلك الى باريس من طرف السلطات الحاكمة تحت تأثير غلاة الاستعمار انتقد كامو السياسة الاستعمارية من خلال مقالاته ولم يلتزم الصمت في أعقاب حوادث ماي 1945حيث كتب مقالا صحفيا يشجب فيه السياسة الاستعمارية التي لم تعد تقيم وزنا للاعتبارات الانسانية وتستبيح ما يأباه الوازع الانساني حيث يقول “ان الجزائر 1945غارقة في ازمة اقتصادية وسياسية طالما عرفتها في سالف الازمان ولكن لم يسبق لها ان عرفت هذه الدرجة من الحدة ففي هذا الوطن الرائع الذي يكتنفه ربيع لا مثيل له هناك اناس يعانون من الجوع ويطالبون بالعدالة”  كما تعاطف مع حملات اعتقال ومحاكمات رجالات المنظمة الخاصة الهيئة الشبه عسكرية لحزب حركة انتصار الحريات الديمقراطية التي اكتشفت من طرف السلطات الفرنسية عام 1950.

الموقف التاريخي لألبير كامو من الثورة الجزائرية (1954_1962)

اما بالنسبة للثورة كفكرة عند كامو فهي الفضيلة الاكثر قيمة على الإطلاق فالعيش بكل ما يعنيه من مواجهة لشتى صنوف المعاناة هو في ذاته حالة من التمرد ضد المأزق الإنساني العبثي ومع ذلك ستضل الحياة سخيفة وبلا امل، وبخصوص مسألة الثورة الجزائرية عند كامو فقد شكلت حيرة نفسية لكامو ووضعته أمام معضلة أخلاقية لإيمانه بإمكانية قيام حكم ذاتي أو تأسيس نظام فدرالي مع العرب فهو يرى في ثورة الجزائر عملا إرهابيا وأعضاء جبهة التحرير هم بمثابة عصابة من قطاع الطرق كما أنه نجد كامو لا يفتأ يشجب العنف الذي اتسمته به الثورة الجزائرية وأعمال الفدائيين غير عابئ بالظروف التي أجبرتهم على توخي سبل العنف واستقلال الجزائر بالنسبة له هو اجلاء الاوربيين القاطنين واهانة للملايين من الفرنسيين وأن انفصال الجزائر سياسيا عن فرنسا سيجعل منها أكثر فقرا ومعنى هذا أن كامو يرى الجزائريين عاجزون عن تحقيق الاستقلال لكن ذلك لم يمنعه من تقديم المساعدة للسجناء الجزائريين الذين كانوا يواجهون عقوبة الإعدام في السجون الفرنسية بالجزائر .

في الفترة بين 1955_ 1956 وفي نفس العام لسنة 1956 وجه كامو نداءا من أجل هدنة مدنية وفيه يدعو الجانبين المتحاربين أي الجيش الفرنسي و جيش التحرير الوطني الى تحاشي ايذاء المدنيين وفي سنة 1958إقترح حلا لما كان يسمى آنذاك مشكل الجزائر أو ازمة الجزائر هو الحل الفيدرالي أي وجوب تعايش الجاليتين الجزائرية والفرنسية تعايشا يضمن لكل واحد منها حقوقا ومشاركة في النظام السياسي وعندما بات لزاما عل كامو ان يختار إلى أي جانب يقف الجانب الفرنسي ام الجانب الجزائري الثائرة تجده يختفي وراء هذا التحليل “يجب اختيار جانب معين من احد الجانبين !ها انا قد اخترته .لقد اخترت وطني، اخترت الجزائر العدالة حيث يلتئم العرب والفرنسيون بحرية …” ويضيف “اذا كان لي ان اختار بين العدالة وامي فإني سأختار أمي” قاصدا فرنسا. 

ومن كلا القولين يبدو جليا أن كامو يفكر بمنطق الاقدام السوداء pieds_noirs الذين لا يقوون على تصور الجزائر إلا فرنسية إن رفضه للعنف في الجزائر وخوفه على الجالية الأوربية يصدر عن منطق بقاء فرنسا في الجزائر وهذا ما نبرزه في قوله “ان الشيء الذي لا يفهمه العرب هو أني أحب الجزائر ،كما يحب الفرنسي العرب و يريد العيش بينهم في الجزائر دون ان يعتريه الشعور بالريب بينهم “ ان موقف كامو من قضايا الجزائر قبل اندلاع الثورة كان موقف انساني حيث انتقد بشدة الطغيان الذي سلطته فرنسا على الجزائريين و نقده للعنف الثوري عند الجزائريين لم يراعي فيه الظرف التاريخي الذي استوجب اللجوء إلى هذا العنف فكان نقده للعنف نقدا مطلقا وتبعا لذلك وقف كامو موقفا معاديا من استقلال الجزائر دون أن يتبنى موقفه هذا على أرضية منطقية دامغة وبهذا نرى في نظرة كامو إلى أزمة الجزائر بعقلية الأقدام السوداء الذين يعز عليهم الاعتراف بأن الجزائر للجزائريين وان اردنا انصافه فلنقل بأن عقلية سوداء قضت على الأفكار الثورية المغرقة لمثالية كامو و التنديد هو بمثابة تمجيد للأفكار المحافظة والرجعية ومجاملة للشيوعية فموقفه يعبر عن موقف ستاتيكي جامد. 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك