أكذوبة مبدأ الفصل بين السلطات

ديماغوجيا المبادئ

بقلم: الوليد فرج

 

يتخايل الكثير من دارسي الفقه الدستوري ، و ممارسي السياسية من دعاة الإصلاح ، أن هناك تطبيقات فعلية واقعية ممكنة لمبدأ (الفصل بين السلطات) ، تجعله مظهر أساس و لازمة وجود ، لدولة القانون و للعملية الديمقراطية ، واقعين تحت تضليل سرديات قديمة ، أصبح محتواه هو هدفهم الأسمى ، التي تأسست عن مرويات مونتيسكيو ، التي تلقفها واضعي إعلان حقوق الإنسان و المواطن  ومنه أحكام المادة 16 التي تنص على أن (كل مجتمع لا يكون فيه التزام القانون مضمون ولا يكون فيه [الفصل بين السلطات] محددا ، لا دستور له على الإطلاق) . من خلال هذا المبدأ الذي ينفي الدستورية عن كل حكم ، لا يحدد  الفصل بين سلطاته تحديدا واضحا !

لقد أثبت الواقع السياسي المتشابك في حياة الدولة الحديثة ، أن مبدأ الفصل بين السلطات ، تكتنفه مشاكل عدة ، عجز عن حلها أهل الاختصاص ، لعمق الإختلاف في أهداف هذا المبدأ ، وطرق تحقيقها و مناهج تطبيقه وهذا ما ذهب ايه اليزابيث ماغيل (يبدو أننا ما نزال عاجزين عن حل مشكلة الفصل بين السلطات بل لم نقترب من ذلك ، فنحن لا نتفق على ما يتطلبه المبدأ و لا على أهدافه ولا على كيفية تحقيقه هذه الأهداف أو سبل ذلك) (حقيقة الفصل في الفصل بين السلطان) . وقد يكون طغيان الاستثناءات التي اعترت هذا المبدأ هي التي أفرغته من محتواه ، وحرفت جدوى وجوده كما قال مورغان هانسن (… هذا المبدأ شوهته الاستثناءات إلى درجة أن أصبح من الضروري اعتباره قطعة من الخردة).

لا يختلف إثنان حول الديمقراطية الأمريكية وجودة دستورها المؤسس لمبادئها التي محورها مبدأ الفصل بين السلطات ، غير أن الفقيه داري ليفنسن يذهب إلى عكس ذلك تماما ، نافيا وجود هذا المبدأ اليوم ، مصرحا باختفائه منذ بداية الجمهورية الأمريكية ، بصيغة فهم واضعي الدستور الأمريكي ، او صيغة القانون الدستوري المعاصر ؛ بعد الأزمة الاقتصادية العالمية التي عرفت بالكساد العظيم ، في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي ، نفذ الرئيس الأمريكي فرنكلين رزفلت حزمة من الإجراءات عرفت باسم (الاتفاق الجديد) ، الذي اعتبر غاري لارسن ، أن الدولة الإدارية بعد هذا الاتفاق غير دستورية ، واصفا أيها بالثورة الدستورية وتدمير مبدأ الفصل بين السلطات هو ذروة سنام و جوهرة تاج هذه الثورة الإدارية الحديثة ، بعد ان جمعت الهيئات الإدارية في يدها السلطات الثلاثة بصورة اعتيادية و في المؤسسة نفسها ، بل حتى في الأشخاص نفسهم داخل المؤسسة نفسها.

يبقى رواج الاعتقاد الجماهيري و جبل كبير من النخب السياسية و الدساترة من المعتنقين للمذاهب الرؤيوية السردية ، أن مبدأ الفصل بين السلطات يشكل العمود الفقري ، و أساس الحريات و الحكم الديمقراطي ، و أن لا وجود للدولة الدستورية خارج هذا المبدأ الذي يمايز بين السلطات الثلاث و يفصل بينها ، في ممارستها لاختصاصها فصلا تاما و متساويا دستوريا و مستقلة تماما ، دون تفويض للسلطة خصوصا للسلطة التنفيذية ، تجسيدا لحكم القانون ؛ وقد أصبح هذا الهدف الأسمى بديهية عالمية ، تلوكها حركات الإصلاح السياسي في شتى أنحاء العالم ، ومنها الاصطلاحيون الجزائريون اليوم بمناسبة هذا التعديل الدستوري.

إن الاعترافات التي تضمنتها النتائج التي وصلت إليها الدراسات الدستورية الحديثة ، المتضمنة المفاهمية التي تكتنف نظرية الفصل بين السلطات و ممارستها ، و وهم السرديات المثالية التي روجت لها ، التي اعتبرت هذا المبدأ (مسببا لكثير من البلبلة) و (مشوها بكثير من الاستثناءات) مورغان هانسن .  ويعاني من (صعوبات سيئة الصيت) و (كثير من عدم الدقة و الاتساق) شارلي ساندنس . وهو (لا يعدو أن يكون حقيبة تتسم بالفوضى من أطروحات لسياسات يجب دعمها أو رفضها على أسس أخرى) مارشال . ب. ؛ بل ذهب البعض إلى المطالبة بالتخلص منه ، كخطوة لبداية صياغة وضع دستوري بديل لفكرة الفصل بين السلطات . ووصف الفكر و الممارسة الدستوريان في الولايات المتحدة الأمريكية بأنهما مرضيان و خطيران . ففي ذلك البلد (تعرّض مبدأ الفصل بين السلطات لقدر كبير من التعديل عن طريق شبكة من الرقابة و الضوابط ، كما دمر في أوروبا أولا عن طريق النظام البرلماني ثم عن طريق المحاكم الدستورية الجديدة بعد الحرب العالمية الثانية) مورغان هانسن. 

إن القول بمفهوم الفصل بين السلطات يبقى غير دقيق ، لتشابك الصلاحيات و ضرورات استمرار الخدمة العمومية للمرفق العام ، و طبيعة معمار السلطات الثلاثة الذي يتعلق بالتوزيع . حيث أن (المرء لا يكاد يستطيع أن يتحدث عن أي فصل للتشريع عن وظائف الدولة الأخرى) على حد قول الفقيه كلسن . فالمجالس التشريعية تختص بالتشريع وحده ، وما تسميتها هذه إلا من باب تحديد الوضع المفضل ، لأن وظيفتها نجدها موزعة بين أجهزة عديدة ، فهي لا تحتكر صناعة التشريع وحدها ، و في وضع القواعد العامة ، بل تشاركها في ذلك السلطة التنفيذية و السلطة القضائية ، لذلك اعتبر كلسن أن مسمى  (التشريعي) هو محض اتفاق تاريخي أطلق على ذلك الفرع الذي يتخصص في التشريع ، ففي الولايات المتحدة و أوروبا جرى (دمج الوظائف التشريعية والتنفيذية) فعليا ، لدرجة تلاشي مبدأ الفصل بين السلطات ، خصوصا في الولايات المتحدة الأمريكية ، فكثير من التشريعات تصدرها السلطة التنفيذية و القضائية ، فمن غير الملائم ولا المقبول التنازل عن سلطة التشريع للسلطة القضائية ، ناهيك عن السلطة التنفيذية ، غير أن تهالك المبدأ و تراجعه يتمظهر جليا في حالة التشريع و التنفيذ ، حيث اقتطعت السلطة التنفيذية اختصاص التشريع ، و تم دمج الوظيفة القضائية و التنفيذية في يد الإدارة الأمريكية تحت مسمى (الراحة العامة أو المصلحة العامة او الضرورة العامة) لا يمثل انتهاكا متواصلا لمبدأ الفصل بين السلطات فحسب ، بل ربما كان موضعا للطعن في أوقات سابقة ، بوصفه (تخليا عن المسؤولية التشريعية) وهذا ما تعترف به المحاكم الأمريكية نفسها علنا على أساس أن الدولة الإدارية الحديثة قد تصاب بالشلل إذ طلب من الكونجرس ممارسة الرقابة التشريعية على كل القرارات السياسية و الإدارية ومع ذلك فإنه يقال إن ( أي قانون يسعى إلى منح الرئيس أو المحاكم سلطة تشريعية ليس (ضروريا أو ملائما لإنفاذ) الصلاحيات الفيدرالية المحددة بصورة دستورية وهو لذلك ليس دستوريا) . عن وليد حلاق.

هذه بعض الاضاءات التي اعتمدنا فيها عن المستحدث من الرؤى الدستورية حول مبدأ الفصل بين السلطات ، لفقهاء القانون الدستوري و علماء السياسية في بلاد الغرب منشأ هذه الأفكار ، التي بدأوا ينادون للتخلي عنها ، بينما عندنا مازالت النخب تجتر البالي من الأفكار دون تدبر أو نقد. 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك